نـبـض يشـبهني - المـقبرة الزرقـاء - بقلم تقى - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: نـبـض يشـبهني
المؤلف / الكاتب: تقى
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: المـقبرة الزرقـاء

المـقبرة الزرقـاء

كان الضباب يزداد كثافة، يلتفّ حولها كأنّه كائن حيّ. كل خطوةٍ تخطوها جوليا كانت تصنع صدىً بعيدًا، كأن المكان لا ينتهي، كأنّها تمشي داخل الحلم نفسه. ظلال المدينة الزجاجية بدأت تتلاشى من خلفها، وكلّ ما بقي أمامها كان طريقًا من الحجارة الزرقاء، يمتدّ حتى تلةٍ مرتفعة يعلوها ضوءٌ غامق، يشبه القمر حين يغضب. فتحت جوليا الكتاب الأسود مرة أخرى، فوجدت الصفحة التالية قد امتلأت بالرموز، وفي وسطها جملة واحدة: > "حين يختلط الضوء بالموت، سيُفتح باب الذاكرة." رفعت عينيها، وهناك على القمة كانت المقبرة. قبورٌ من الزجاج الشفاف، تحتها أجسادٌ لا تتحلّل، كأنّها تغفو فقط. الضوء الأزرق يخرج من بين الشقوق كأنّ الأرواح تهمس من الداخل. اقتربت جوليا، وضعت يدها على أحد القبور، وفجأة رأت شيئًا… ليس حلمًا ولا خيالًا، بل ذاكرة حيّة تنبض أمامها. (رؤية) كانت القرية القديمة كما في الصور القديمة التي شاهدتها في كتب التاريخ، بيوتٌ من الطين، ونهرٌ صغير يفصلها عن الغابة. في وسطها كانت امرأة تحمل طفلين توأمًا بين ذراعيها. واحدة تضحك، والأخرى تبكي بصوتٍ خافت. المرأة تهمس بكلماتٍ غريبة: > "يا نور عيني، ويا ظلّها… لتبقيا ما دام النبض واحدًا، فإن انكسر النور، فليحمله الظلّ… حتى يعود التمام." ثم ظهر خلفها كاهن بوجهٍ مغطى بالوشوم، أخذ الطفلين، وغرَس على أيديهما نفس العلامة التي تحملها جوليا الآن. لكن فجأة، بدأ كل شيء ينهار، والمرأة تصرخ، تتلاشى الصورة، وتعود جوليا إلى الحاضر وهي تلهث. كانت يدها ترتجف. لم تكن تلك المرأة غريبة… كانت تشبه والدتها تمامًا. جلست على الأرض الباردة، تحاول أن تلتقط أنفاسها، حين سمعت صوتًا من خلفها يقول: > "الدم لا ينسى، يا جوليا." استدارت بسرعة. كان طيف السيدة ريما يقف بين القبور، وجهها نصفه نور ونصفه ظلّ. قالت جوليا بحدةٍ امتزجت فيها الدموع بالغضب: > "لماذا لم تخبريني من البداية؟! من كانت تلك المرأة؟!" اقتربت ريما منها بخطواتٍ بطيئة، وقالت بنبرةٍ حزينة: > "كانت أمك، وكانت آخر من حاول كسر اللعنة. لكنها فشلت… لأن الحبّ جعلها تختار النور فقط، ونسيت أن الظلّ يحتاج أن يُحبّ أيضًا." > "وماذا عن أختي؟ أين هي الآن؟!" ابتسمت ريما ابتسامةً مؤلمة: > "إنها هنا، في المقبرة الزرقاء. لكنها لا تعرف أنها ميتة منذ الليلة التي وُلدتما فيها." تجمّدت جوليا، عيناها اتسعتا وهي تهمس: > "ميتة؟! لكنها كانت معي طوال حياتي!" > "كانت انعكاسًا لكِ، صُنعت من ظلك حتى لا تموتي أنتِ أيضًا. كلّ نبضةٍ فيها كانت استعارة من نبضك، كلّ شعورٍ منك كان وقودًا لوجودها." جلست جوليا على الأرض، الدموع تنهمر دون صوت. السماء الزرقاء فوق المقبرة بدأت تتغيّر، تتحول إلى لونٍ فضيّ. كانت تسمع نبضين في صدرها من جديد، لكن أحدهما بدأ يضعف شيئًا فشيئًا، كأنّه يودّعها. قالت ريما وهي تختفي ببطءٍ مع الضوء: > "حين تصمت المقبرة، سيُفتح الباب الأخير. هناك فقط ستعرفين إن كنتِ أنتِ النور… أم الظل." بقيت جوليا وحدها، بين القبور المضيئة. مدّت يدها، وفتحت أحد القبور الشفافة. في الداخل… كانت أختها، نائمة، وجهها هادئ كطفلةٍ لا تعرف الشر. وضعت جوليا يدها على الزجاج، وهمست: > "لم أكن أريد أن أعيش دونك… ولا أن أموت معك. أردت فقط أن نكون نبضًا واحدًا لا يختار بين النور والظلّ." لكنّ الضوء من حولها بدأ يختفي، وصوت الرياح صار كأنّه نداء من بعيد: > “الاختيار… الآن.”