سِـفر التـوأم
كانت الساعة تشير إلى الثالثة بعد منتصف الليل،
حين قررت جوليا أن ترحل.
لم يكن القرار شجاعة، بل نداءً داخليًا يشبه النبض الذي لم يفارق صدرها منذ اختفاء أختها.
الكتاب الأسود الذي وُجد على الطاولة كان كأنه يناديها باسمها كلما حاولت تجاهله.
وفي الصفحة التي تلي السطر الذهبيّ القديم، ظهرت فجأة كلماتٌ لم تكن موجودة من قبل،
سطورٌ بخطٍّ مائلٍ غريب، كُتب فيها:
> “إن ضاع النور في طريق الظلال،
فاتّبعي الصوت حيث يصمت الجميع.
عند نهاية النهر، سيبدأ السفر.”
أغلقت جوليا الكتاب بسرعة وهي تشعر ببرودةٍ في أطرافها.
نهاية النهر؟ هناك فقط الغابة المحرّمة التي يحذّر منها الجميع،
غابةٌ يقال إن فيها زمنًا لا يتحرك… وأصواتًا لا تنتمي لهذا العالم.
لكن جوليا لم تعد تخاف.
وضعت الكتاب في حقيبتها الصغيرة، ارتدت معطفها الرمادي، وغادرت البيت بصمت.
كل خطوةٍ تخطوها كانت تشبه طعنة في قلبها —
لأنها لم تكن تعرف إن كانت تذهب لتُنقذ أختها، أم لتُواجهها.
الليل كان كثيفًا كالحبر.
والنهر بدا كمرآةٍ سوداء تمتد نحو المجهول.
تابعت السير بمحاذاته حتى وصلت إلى صخرةٍ قديمة منقوشة برموزٍ تشبه تلك التي رأتْها في القبو.
وضعت يدها على النقوش،
فانبعث منها نورٌ أزرقٌ بارد، وارتجف الهواء حولها.
ظهر انعكاسها على سطح الماء،
لكن هذه المرة لم تكن وحدها…
كانت هناك أختها أيضًا، واقفة بجانبها في الانعكاس، تحدّق بها بنظرةٍ غريبة.
> "أين أنتِ؟" همست جوليا.
"قريبة… أكثر مما تظنين." جاء الردّ من الماء نفسه.
امتدّ الضوء من الصخرة إلى وسط النهر، كجسرٍ من طيفٍ متلألئ.
وتحتها، ظهر بابٌ من ضوءٍ أزرق، كأنه شقٌّ في الواقع نفسه.
لم تفكر كثيرًا —
قفزت جوليا داخله.
عندما فتحت عينيها، لم تكن في الغابة.
بل في مكانٍ آخر تمامًا.
سماء رمادية بلا شمس، أشجار متحجرة،
وأرضٌ تشبه الرماد الحيّ، ينبعث منها دفءٌ غامض.
كل شيء هنا كان ساكنًا… إلا قلبها.
في وسط السهل الرمادي وقفت بوابة حجرية ضخمة، عليها نفس النقوش التي في الكتاب.
اقتربت ببطء، حتى سمعت الصوت مجددًا، تلك النغمة الخافتة التي أصبحت جزءًا من روحها:
> “ها قد وصلَت من لا تعكسها المرآة.”
تجمدت جوليا مكانها.
ورأت بين الغبار طيف امرأةٍ ترتدي عباءة سوداء،
وجهها يشبه السيدة ريما، لكن عينيها فضيتان خاليتان من الحياة.
قالت جوليا بصوتٍ مبحوح:
> "أين أختي؟"
أجابت الطيف بهدوءٍ غريب:
> "هي هنا، في هذا العالم، بين النور والظل.
لكن كلّ من يعبر لا يعود كما كان.
فهل أنتِ مستعدة لأن تفقدي نصفك الأخير؟"
رفعت جوليا رأسها بعزمٍ رغم رعشة الخوف التي سرت في جسدها:
> "لقد فقدت نفسي منذ نظرتُ إلى المرآة…
الآن أريد أن أجد الحقيقة، مهما كانت النهاية."
عندها فُتح الباب الحجري ببطء،
وانبعث منه ضوءٌ أبيض ساطع كأنه أنفاس السماء.
دخلت جوليا دون أن تلتفت خلفها،
والبوابة أغلقت خلفها بصوتٍ عميقٍ يشبه دقّة قلبٍ واحدة.
كانت أول ما رأت بعد العبور… مدينة غريبة،
تطفو فوق بحرٍ من الضباب، أبنيتها كأنها مصنوعة من الزجاج المعتم،
والأشخاص فيها يسيرون بلا ظلال.
كل شيء كان جميلاً بطريقةٍ مرعبة،
كأنها تمشي في حلمٍ صنعه عقلها فقط لتتألم.
فتحت الكتاب مجددًا، فظهرت سطورٌ جديدة على الصفحة التالية:
> "في مدينة الانعكاسات، من وجد نفسه خسرها،
ومن نادى باسمه، استيقظ ظله."
همست جوليا بصوتٍ خافت:
> "أنا جوليا..."
وما إن نطقت الاسم، حتى خرج من بين الأبنية شخص يشبهها تمامًا،
نفس الملامح، نفس الابتسامة،
لكن عينيه رماديتان تمامًا مثل تلك التي رآها في المرآة.
اقترب منها وقال بصوتٍ يشبهها حدّ التطابق:
> "أخيرًا عدتِ يا أنا."
تراجعت جوليا، قلبها يكاد ينفجر من الخوف،
بينما النسخة الأخرى تابعت بهدوء:
> "أختك لم تعد في هذا العالم، جوليا.
بقي منها فقط ما أنتِ تحاولين الهروب منه.
وأنا…
أنا الظلّ الذي تركتِه خلفك."
في تلك اللحظة، فهمت جوليا أن رحلتها لم تكن لإنقاذ أحد،
بل لمواجهة نفسها.
فكل ما في هذا المكان لم يكن سوى انعكاسٍ حيّ لداخلها المكسور.
كانت اللعنة ليست سحرًا فقط…
بل مرآةً لما في القلب.
وضعت يدها على صدرها، أحسّت بنبضٍ واحدٍ فقط.
الآخر…
اختفى.
د