نـبـض يشـبهني - وعـد النـور والظـل - بقلم تقى - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: نـبـض يشـبهني
المؤلف / الكاتب: تقى
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: وعـد النـور والظـل

وعـد النـور والظـل

مرت أيّام ثلاثة منذ تلك الليلة التي وقفت فيها جوليا أمام مرآةٍ لا تعكسها. الأيام تمضي، لكن الزمن حولها بدا مكسورًا، كأن الساعات لم تعد تعرف الدوران. كلّ شيء صار غريبًا… أختها، البيت، وحتى الضوء الذي يملأ الغرف لم يعد طبيعيًّا. إنه ليس ضوءًا… إنه نَفَسُ لعنةٍ قديمة بدأت تستيقظ. كانت جوليا تحاول تجاهل ما حدث، لكنّ أختها أصبحت تتصرّف ببرودٍ غريب. تضحك دون سبب، وتغيب لساعات، ثم تعود بملابس مبللة، كأنها كانت تسير في المطر — رغم أن المطر لم يسقط منذ أسابيع. في الليلة الرابعة، استيقظت جوليا على صوت حفيفٍ آتٍ من القبو. كان البيت غارقًا في الظلام، لكن ضوءًا خافتًا تسلل من بين شقوق الباب المؤدي إلى الأسفل. نزلت بخطواتٍ حذرة، وكلّما اقتربت، سمعت كلماتٍ متقطّعة كأنها همس طقوسٍ قديمة. فتحت الباب… وهناك كانت السيدة ريما، واقفة وسط دوائر من الرموز المرسومة بالطباشير، وأمامها أخت جوليا جاثية على الأرض، كأنها تؤدي قَسَمًا خفيًّا. تراجعت جوليا خطوة، لكن ريما رفعت عينيها ببطءٍ وقالت: > "كنت أعلم أنك ستأتين، يا من لم يكتمل فيك النور." تقدّمت جوليا، والغضب والخوف يتصارعان في صوتها: > "ماذا تفعلين بها؟!" ردّت ريما بهدوءٍ كأنها تلقّن درسًا: > "أنا لا أفعل شيئًا… أنا فقط أوقظ ما كان نائمًا في دمائكما. أنتِ ظلّها، وهي نورك، والميزان لا بد أن يميل يومًا." > "ظلّها؟! نحن توأم، نحن واحدة!" ابتسمت ريما وقالت بصوتٍ عميق: > "التوأم في هذه العائلة ليسا متشابهين كما تظنين. أحدكما وُلد يوم اكتمال القمر… والآخر وُلد بعد دقيقة، في أول انطفاءٍ له. نور وُلد، وظلٌّ تبعه، وهكذا كُتِب عليكما أن لا ينجوا أحدكما إلا إذا اختار الآخر الفناء." تقدّمت جوليا بخطواتٍ مرتجفة نحو أختها، أمسكت بكتفيها وهزّتها: > "قولي شيئًا! قولي إن هذا ليس صحيحًا!" رفعت أختها رأسها ببطء، وابتسمت تلك الابتسامة الغريبة نفسها: > "لطالما عرفت يا جوليا… كنتُ أسمع الهمس منذ طفولتنا. أنتِ من كان يجب أن يختفي منذ البداية، لا أنا." جمدت الكلمات في حلق جوليا، كأنها طعنة من شخصٍ كانت تعتبره نصفها الآخر. في تلك اللحظة، شعرت الأرض تهتزّ تحتها، والرموز المرسومة بدأت تضيء بضوءٍ أحمر. توالت الصرخات، واختلط صوت ريما بتعويذةٍ قديمة: > "وعدُ النور والظلّ… ليُكمل أحدكما ما لم يُكمل الآخر." اختفى الضوء فجأة، وسقطت جوليا مغشيًا عليها. --- استيقظت في الصباح، لكن القبو كان فارغًا. لا أثر لريما، ولا لأختها. كلّ شيء في البيت عاد كما كان، لكن على الطاولة وجدت كتابًا صغيرًا أسود الغلاف، كتب على صفحته الأولى بخطٍ ذهبيٍّ باهت: > "سِفر التوأم — عهد النور والظلّ" فتحت الصفحة الأولى، وكان فيها سطرٌ واحد: > "حين ينبض قلبان في جسدين متصلين بالقدر، سيبقى أحدهما ينزف حتى يسكن الآخر." ارتجفت جوليا وهي تقرأ الجملة، وشعرت بوخزةٍ خفيفة في صدرها… ثم نبضٍ بطيءٍ، نبضٌ لم يكن من قلبها هي، بل من جهةٍ أخرى بعيدة، كأن أختها تناديها من وراء الحجب. في تلك الليلة، جلست جوليا قرب النافذة كعادتها. الريح تهمس، والسماء ساكنة، لكن هذه المرة لم تكن خائفة. كانت تعرف أن عليها أن تجد أختها، لا لتُنقذها… بل لتُنقذ نفسها من أن تتحوّل هي الأخرى إلى ظلّ بلا روح. > "إن كان الوعد قد كُتب في دمائنا، فسأعيد كتابته بيديّ." همست بالكلمات، وانعكاسها في زجاج النافذة… ابتسم قبلها بثانية.