حـيث بدأت الحــكايـة
كانت السماء رماديةً على نحوٍ غريب، تتشابك فيها الغيوم كما لو أنها تخفي سرًّا قديماً عن الأرض. المطر ينهمر بخفةٍ رقيقة فوق رمالٍ ناعمة تمتد إلى ما لا نهاية، وكأنها تهمس للحياة: ما زلت هنا، لا ترحلوا.
من بعيد، كان النهر يجري بهدوء، تتلألأ مياهه بلونٍ ذهبيّ حين تلامسها خيوط الشمس الأولى، والنسيم يحمل رائحة الأرض المبتلّة ممزوجةً بعطر الغابات البعيدة.
في ذلك الصباح الذي بدا عاديًّا بالنسبة للجميع، كانت جوليا تقف عند نافذة غرفتها الصغيرة، تراقب المطر وهي تمسح بخصلات شعرها الحريري قطراتٍ ناعمة علقت به.
كانت في الحادية عشرة من عمرها، تملك عينين زرقاوين صافيتين كبحيرةٍ لم يلمسها أحد، ووجهاً ناعماً كأنه لوحة رسمتها الطبيعة بهدوءٍ وحنان.
لكن خلف تلك الملامح الهادئة، كان يختبئ فضولٌ غامض لا يعرف التوقف
لم تكن جوليا وحدها، فقد كان إلى جانبها توأمها — تشبهها في الملامح إلى حدٍّ يجعل الجميع يخلط بينهما، لكنّ الاختلاف الحقيقي كان في النظرة.
إحداهما كانت تنظر إلى العالم كما لو كان وعدًا بالسلام، والأخرى كما لو كان ساحة اختبارٍ لقوةٍ لم تكتشفها بعد.
وُلدت الفتاتان في قريةٍ بعيدة، حيث الفقر لا يُعدّ عيبًا بل واقعًا يتشاركه الجميع، وحيث النقاء والكرامة هما الثراء الحقيقي.
نشأتا بين أبوين بسيطين، يعملان بجدّ ويؤمنان أن الأخلاق هي أثمن ما يمكن أن يورثاه لابنتيهما.
لكنّ القدر، كعادته، لم يكن ينوي ترك الطفلتين تعيشان حياةً عادية.
في صباحٍ غائم آخر، اصطحبهما والدهما إلى المدرسة، تلك التي يسمونها "مدرسة السيدة ريما".
كانت تُشبه القصور القديمة، جدرانها مكسوّةٌ بنقوشٍ غريبة، ونوافذها تعكس نورًا لا يشبه ضوء الشمس.
هناك، في تلك القاعات المملوءة بالكتب القديمة والعطور الخفية، كان يُدرَّس شيءٌ لا يشبه التعليم الذي يعرفه الناس.
في أول حصة لهما، وقفت السيدة ريما أمام الصفّ بصوتٍ هادئ، لكن يحمل في طيّاته هيبةً غامضة. قالت:
> "اليوم سنتحدث عن أسطورةٍ قديمة... عن توأمين امتلكا قدرة التحوّل. قوة لا يمنحها العالم إلا لمن يحمل قلبين نقيين."
وضعت على كل طاولة ورقة صغيرة تحمل تعويذة قديمة، وقالت بابتسامةٍ باهتة:
> "هذه القوة لا تُعطى... بل تُختبَر. ومن يأخذها دون استحقاق، سيتحوّل النور في داخله إلى ظلام."
رفعت جوليا الورقة بين يديها، أحسّت بحرارتها وكأنها ليست مجرد كلمات.
همست أختها بجانبها:
— "هل تشعرين بها؟ كأنها تنبض!"
ابتسمت جوليا بخفوت، لكنها لم تُجب. كان في داخلها شيءٌ يخبرها أن هذا اليوم لن يُنسى أبدًا.
حينها نظرت السيدة ريما إلى التوأمين مباشرة، وكأنها تعرف سرّهما من قبل، وقالت بنبرةٍ أكثر غموضًا:
> "في كل جيل، يولد توأم يمتلكان هبةً لا يفهمها أحد. السؤال هو... من منهما سيحافظ على النور؟"
ساد الصمت لحظة، ثم أضافت:
> "والشرّ، يا صغيرتي... أحيانًا يتغلّب على الآخرين."
تجمّدت جوليا في مكانها. تلك الكلمات التصقت بعقلها كندبةٍ لا تزول.
لم تكن تدري أن ذلك الدرس لم يكن مجرد حصةٍ مدرسية، بل البداية الحقيقية لحكايةٍ لن تُمحى من الذاكرة.