الفصــــــل السادس
كانت الغرفة ساكنة إلا من صوت المطر المتقطّع بالخارج. جلست ميرا على سريرها بعد يوم طويل، تحت ضوء أباجورة خافتة، وقد حملت في يدها شيئًا لم تلمسه منذ سنين … مصحفها.
فتحته ببطء، أناملها ترتجف قليلاً.
همست:
– "يا رب… افتحلي بابك."
بدأت تقرأ بصوت خافت، متردد في البداية، ثم صار أكثر ثباتًا…
وصلت إلى قوله تعالى:
*"ألم يأنِ للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق..."*
(الحديد: 16)
ارتجف قلبها، كأن هذه الآية موجها لها هي .
ردّدت:
– "ألم يأن؟… أيوه والله آن… آن يا رب."
دموعها نزلت دون مقاومة.
تذكرت كم مرّت على قلبها أيام دون صلاة، دون دعاء… دون خلوة حقيقية.
تذكرت لحظة الحادث، الصدمة، فقدان الأصدقاء، وكيف خرجت منها وحيدة…
لكنها الآن، لأول مرة، مش وحيدة.
قلبها كان بين يدي الله.
صفّحت، فقرأت:
*"ومن يتقِ الله يجعل له مخرجًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب..."*
(الطلاق: 2-3)
– "أنا طول عمري بدور على مخرج… وأنا اللي كنت قافلة بابك يا رب."
واصلت القراءة…
*"إن مع العسر يُسرًا."*
(الشرح: 6)
وضعت يدها على قلبها، وهمست:
– "أنا كنت مستنية اليسر ده… وكنت بظن إنك نسيتني، بس إنت كنت بتعلّمني الصبر."
في تلك الليلة، لم تكن مجرد قراءة.
كانت لقاء.
لقاء بين قلب موجوع… ورب رحيم.
_________
كانت ميرا تجلس في غرفتها، لا موسيقى، لا هاتف، لا شئ .
المرآة مغطاة فقط بطرحة بيضاء، وعلى مكتبها كتاب صغير بعنوان: "إلى الله".
كلما أمسكت به، انهمرت دموعها دون استئذان.
نظرت إلى صورتها القديمة… شعرها مسدول، وجهها ممتلئ بالثقة، عيناها لامعتان.
لكنها الآن… كانت أخرى.
فتاة نجت من الموت، فقررت أن تولد من جديد.
في صباح أحد الأيام، ارتدت ميرا حجابًا طويلًا فضفاضًا يغطي صدرها وكتفيها.
نظرت لنفسها في المرآة… لم تتعرف عليها، لكنها أحبت نفسها هكذا.
دخلت أمها فجأة، تجمّدت للحظة، ثم قالت:
"إيه ده يا ميرا؟!"
نظرت لها ميرا بهدوء وقالت:
"ده أنا يا ماما…."
دمعت عين الأم، واحتضنتها قائلة:
"ربنا يثبّتك يا بنتي… ويجعلها بداية خير."
__________
أصبحت ميرا تبدأ يومها بصلاة الفجر، تبكي في سجودها كأنها تتحدث مباشرة مع الله.
كل ما كانت تخافه من الوحدة… صار ملجأها.
قررت أنها مش بس تتغيّر، لأ، تساعد غيرها كمان.
بدأت تخرج مع جمعيّات خيرية، توصل شنط غذاء، تذاكر لطلاب محتاجين، ترجع آخر اليوم وهدومها متسخة لكنها راضية… لأول مرة تشعر أنها *مفيدة*.
وفي كل بيت كانت تدخله، تري نساء في ضيق، أطفال بلا أحذية، شيوخ يبكون علي لقمة
كانت ترجع تبكي، تقول:
" الحمدلله علي نعمتك الحمدلله علي كل شئ.
---
رجعت ميرا جامعتها بعد ما استأذنت، دخولها بالحجاب الشرعي كان ملفت جدًا.
نظرات البعض فيها استغراب… البعض سخر، البعض احترم.
لكنها لم تهتز.
دخلت محاضراتها.
زملاؤها لاحظوا تغيّرها، حتى الدكتور قال لها يومًا:
"واضح إنك اتبدلتي كتير يا ميرا."
ابتسمت وقالت:
"كنت ماشية في طريق غلط… وربنا رجّعني."
---
في يوم جمعة، رأت فتاة تبكي وحدها في كافيتريا الجامعة.
اقتربت منها، جلست بجانبها، مدت لها منديل وقالت:
"أنا كنت مكانك في يوم… بس في لحظة، كل حاجة اتغيرت."
كانت دي بداية سلسلة من البنات اللي بدأوا يلتفوا حول ميرا… يتعلموا منها، يحكولها، يقلدوها في لبسها، حتى طريقتها في الكلام.
صارت نور… وسط زحمة.
كانت في يوم بنت عادية… بتحب الضحك والمكياج والخروج،
لكن دلوقتي… كانت نموذج للثبات، والصبر، والإيمان.
وفي كل ليلة، كانت تقف أمام سجادتها، وتقول:
"يا رب… لو كنت مت ساعت الحادث، كنت هبقي فين دلوقتي؟ الحمدلله يا رب.
الحمد لله… إنك أنقذتني مش بس من الموت… من نفسي كمان."