وبالحـــلال سـنلتـــقي - الفصـــــل الرابع - بقلم أماني علي | روايتك

اسم الرواية: وبالحـــلال سـنلتـــقي
المؤلف / الكاتب: أماني علي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصـــــل الرابع

الفصـــــل الرابع

كانت الدنيا بتمشي حوالين ميرا… بس هي واقفة. واقفــة في مكانها، كأن الزمن اتجمّد عند لحظة واحدة. لحظة الصراخ… لحظة الدم… لحظة ما الباص اتشق نصين، وهي اتحدفت بعيد، وفضلت عينيها تدور على صحابها بين الدخان والزجاج المكسور. من ساعتها، وهي مش قادرة تنسى. البيت بقى كئيب، غرفتها ظلمة، حتى الساعة على الحيطة وقفت من كتر ما هي مش فارقة. كانت بتنام بالعافية، وأكتر وقت بتخاف منه… هو النوم. لأن أول ما تغمض عينيها، بيرجع الحلم. حلمهم. ضحكة شهد، ضفيرة فرح، صوت أدهم وهو بيغني، ومحمد اللي كان بيهزر طول الطريق… الناس اللي كانوا بيملوا يومها، راحوا في لحظة. وصوت الإسعاف، ونفسها اللي كان بيقطع… كله بيرجع زي شريط ملوّث بالدم. كل يوم كانت بتكتب في دفتر صغير: "أنا السبب… ليه أنا عشت؟ هو دا عقاب؟ أنا كنت قريبة من ربنا؟ لا. كنت بصلي؟ نادرًا. كنت بسمع الأغاني، وبسهر، واهتمامي شكلي وهدومي بس. كان في إحساس واحد بيملك قلبها: *الذنب*. أبوها وأمها حاولوا، كتير. أكل، دكاترة، زيارات من قرايبها، بس ميرا ما كانتش بترد. بتسكت، تبص في الأرض، وتقفل على نفسها.--- كانت لسه قاعدة على الأرض، ضهرها للحائط، وعينيها مجروحة من كتر البكا. الساعة كانت قرابة الفجر، صوت الأذان بدأ يطلع من بعيد، زي همسة جاية من السما. ميرا رفعت وشها… دموعها كانت لسه بتنزل، لكن كان فيه سؤال بدأ يظهر جواها، سؤال مرعب… ومؤلم: *"لو أنا مت دلوقتي… ربنا هيقبلني؟"* قلبها ضرب بسرعة. بدأت تتذكر. تتذكر اللحظات اللي كانت بتسمع فيها الأذان… وتطنّشه. اللبس الضيّق، الصور، الخروجات، الكلمه اللي كانت تطلع بدون حساب… تتذكر لما أمها كانت تقولها: "يا ميرا صلي"، وكانت ترد: "حاضر لما أفضى". تتذكر الحرام اللي كانت ماشية فيه وهي حاسّة إنها "لسه صغيرة"، "ربنا غفور"، "كل الناس كده". بس دلوقتي… أصحابها اللي ماتوا، كانوا صغيرين برضو. وماتوا مرة واحدة… من غير وداع، من غير استغفار، من غير توبة. سألت نفسها وهي بتحط إيدها على قلبها: "هو ربنا كان هيقبلني وأنا كده؟ وهو أنا فعلاً مستعدة أقف بين إيديه كده؟!" حسّت برهبة، برجفة، بجبل واقع على ضهرها. حسّت إن قلبها متكسر، مش بس من الصدمة… لأ، من الحقيقة اللي اتأخرت تفهمها. قامت، رجليها بترتعش… فتحت الدولاب، طلعت إسدال قديم من لبس زمان. بصّت في المراية. كانت منهارة، باهتة، بس لأول مرة… كانت شايفة نفسها بوضوح. وقفت، وأذان الفجر لسه بيرنّ في الجو، وقالت بصوت واطي: يا رب… أنا مش عايزة أموت قبل ما ترضى عني. أنا تايهة، وخايفة، وقلبي موجوع… بس راجعة ليك. خد بإيدي. ساعدني. غيّرني." وركعت. ركعت بكل وجعها، بندمها، بحزنها، بكل لحظة نسيت فيها ربها… وسجدت. وهي ساجدة… دموعها نزلت على الأرض. بس لأول مرة… كانت دموع توبة، مش دموع ضعف بكت وبكت وبكت الي ان انهارت علي سجادة الصلاه. -------- خلصت صلاتها ولأول مره حست بسكينه وراحه غريبه اتملكتها راحه جميله الي ان نامت نوم عميق محلمتش بالكابوس محلمتش بلحظة موتهم بس حلمت بيهم. كانوا واقفين قدامها، لابسين أبيض، بيضحكوا، وبيقولوا: *"لسه عندك فرصة... متضيعهاش وقربت منها فرح وقالت لها الحاجه الي نقصاكي هي انك تكملي طريقك لربك "* صحيت بفزع، بس قلبها حاسس.. براحة. قامت فتحت الشباك، الشمس كانت طالة، كأنها بتسلم عليها. بصت في المراية، ملامحها اتغيرت وجسمها اتغير ونفسيتها اتغيرت. قربت لسجادة الصلاة فردتها، وركعت. انهارت… بكت من قلبها وهي بتقول: *"سامحني يا رب… رجعني ليك… أنا ضايعة." ومن اللحظة دي، بدأت الرحلة مع ميــــــرا.