الفصل 6
---
🌑 الفصل السادس: الاسم الذي لا يجب أن يُنطَق
ترك سامر القاعة بخطوات متسارعة، كأنه يهرب من شيء يطارده من الداخل لا الخارج. لم ينادِه أحد… لا ليان، ولا رائف، ولا حتى المحامي. الجميع كان مذهولًا، مشدوهًا، ومعلّقًا بين الحقيقة والخوف.
وقفت ليان في آخر القاعة، تشعر بأن شيئًا ما ينكسر بداخلها مجددًا… شيء لم يمسّه حتى موت الأم.
اقترب رائف ببطء وقال بصوت خافت:
— "نلحقه؟"
هزّت رأسها والدمع يحاصر عينيها:
— "لا أعرف… أنا خائفة من الإجابة أكثر من الخوف من الجري خلفه."
خرج الاثنان أخيرًا.
لكن سامر كان قد اختفى… مرة أخرى.
---
عند المساء
لم يعد سامر للبيت.
جلست ليان في الصالة، تضم ساقيها كطفلة تخاف العاصفة. كانت الرسالة القديمة إلى جوارها، تقرأها مرارًا حتى حفظتها، لكنها لم تجد فيها ما يخفف شيئًا.
دخل رائف فجأة، يحمل في يده ظرفًا صغيرًا وجدَه تحت باب البيت. ناولها إياه بصمت.
فتحت ليان الظرف…
وتجمّد الدم في عروقها.
كانت ورقة صغيرة… لا توقيع فيها ولا مقدمة. فقط سطر واحد مكتوب بخط أبٍ تعرفه أكثر من ملامحه:
> "سامر ليس ابنكم الوحيد."
وقعت الورقة من يدها، وهمست بشفاه ترتجف:
— "إذن… الطرف الرابع… دم من دمنا."
جلس رائف أمامها، حدّق في الورقة طويلًا… ثم رفع نظراته إليها ببطء:
— "أبي… كان لديه ابن آخر؟"
— "أو ابنة…" قالتها ليان بصوت بالكاد يُسمع.
ارتفع صدرها وهبط كأنها تنزف من الداخل.
لم تستطع كره أبيها… لكن لأول مرة، لم تستطع أن تحبه.
---
في تلك اللحظة… رنّ الهاتف الأرضي
امتد الصوت في البيت الفارغ كأنه صرخة.
ردّ رائف، وإذا بصوت رجل يقول:
— "أنصحكم بإحضار أخيكم غدًا… هناك شخص سيطالب بحقه رسميًا."
ارتجفت يد رائف:
— "من أنت؟ ومن هو؟"
لكن الخط انقطع.
وضعت ليان يدها على فمها لتمنع شهقة انفلتت رغمًا عنها:
— "أخيكم… قال (أخيكم)… يعني… هو حي… ويعرف عنا…"
— "ويبدو أنه… قادم." ردّ رائف بوجه فقد لونه.
ثم فجأة… دقّ الباب.
تجمّدت ليان في مكانها.
نظر رائف نحو الباب بحذر، وذهب ليفتحه ببطء.
وحين فتحه… لم يجد “الرابع”.
وجد سامر.
لكن… سامر لم يكن واقفًا على قدميه.
كان نصف منهار، ووجهه شاحب كالميت.
دخل بخطوات غير متزنة، وجلس دون أن ينطق.
اقتربت ليان منه تبكي بصمت:
— "سامر… أرجوك تكلم… ماذا تعرف؟ ومن هو الرابع؟"
رفع سامر رأسه ببطء… بعينين حمراوين كمن بكى عمرًا كاملًا.
وقال بصوت متكسر، جملة أسقطت ليان على الأرض من الصدمة:
— "ليان… رائف… الرابع…"
صمت لحظة، ابتلع وجعه، ثم أكمل:
— "هو أخي… لكنه ليس أخاكم أنتما."
شهقت ليان:
— "ماذا تقول؟"
أخفض سامر رأسه ودمعة ثقيلة سقطت على يده:
— "أنا… لست ابن أمي."
اتسعت عينا رائف وهو يهمس:
— "سامر… ماذا تقصد؟"
رفع سامر الرسالة التي خبأها منذ سنوات. ناولها لهما.
قرأت ليان السطور الأولى… وانقطع نفسها:
> "سامر… سامحني لأنني لم أكن أمك. أخفيتُ الحقيقة لأن فقدك كان سيقتلني أكثر من ولادتك."
انهار صوت ليان:
— "لا… لا… مستحيل…"
أكمل سامر وهو يرتجف:
— "أمي… ليست أمي. أبي تزوج قبلها… سرًا. أنجبني… ثم انفصل. ومن تلك المرأة… جاء الرابع. شقيقي الحقيقي. نصف دمي… ونصف خيانة أبي."
غطّى وجهه بكفيه، وصوت بكائه أخيرًا خرج… بعد سنوات من الصمت:
— "أنا… الغريب الوحيد بينكم… وأنا السبب… في كل شيء."
سقطت ليان على ركبتيها تبكي، بينما رائف وقف بلا حراك، كأن روحه خرجت من جسده.
لم يعد أحد قادرًا على الكلام.
---
في تلك الليلة…
لم يبكِ البيت أحدًا واحدًا.
بل بكى العائلة كلها.
بكت ليان أمًا لم تُولد منها الحقيقة.
وبكى رائف أبًا خان الجميع.
وبكى سامر نفسه… لأنه عاش عمره في بيتٍ لا ينتمي إليه بالكامل.
ولأول مرة… لم يبكِ أحد من أجل الميـراث.
بل بكوا من أجل الانتماء.
---