عالم الظلال المفقود الجزء الرابع - الفصل السابع عشر - بقلم Yahya Al-Haddad | روايتك

اسم الرواية: عالم الظلال المفقود الجزء الرابع
المؤلف / الكاتب: Yahya Al-Haddad
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل السابع عشر

الفصل السابع عشر

الفصل السابع عشر: مؤامرة موجه وصرخة البحر الليل كان ثقيلاً فوق مملكة الماء المفقودة، وسكون القرى يعكس ضوء القمر على سطح البحيرات كمرآةٍ مخبّأة. في بيتٍ صغيرٍ على حافة المملكة، مختبئةً بين شجيراتٍ رطبة وأعشابٍ ملتصقة بالرطوبة، كانت المجموعة الثانية — كاسر، ليلين، مليكة، جبار، والأمير الناجي — تجلس متحدّيةً برد الليل، تستعيد أنفاسها بعد رحلة طويلة ومفاوضاتٍ لم تنقطع. البيت كان بسيطًا، جدرانه مصنوعة من خشبٍ معالجٍ ومغطاة بطبقةٍ شمعية لصدّ الرطوبة. مصباحٌ صغير من قشر المحار ينير المكان بضوءٍ هادئ. حول الطاولة، تتبادل الوجوه الكلمات الهمسية: كاسر (بهمسٍ حازم): "محادثتنا مع الملكة سارت على ما يرام… لكنني أشعر بأن شيئًا ما لا يسير كما ينبغي." مليكة (تنظر إلى النافذة): "المملكة تبدو هادئة فوق… ولكن هناك من يراقب في الظلال دائماً." ليلين (تلمس الماء في إناءٍ صغير): "الماء يخبرني بأمواجٍ مختلفة؛ نبضة قلقٍ تأتي من داخل القصر ذاته." الأمير (بتنهيدة): "دعونا نرتاح لليلة واحدة، ثم نعود وننهي العمل. التحالف بدأ، وسنثبت أن النور أقوى." --- في قاعة مرجان القصر، كانت موجه تقف أمام نافذةٍ تطل على البحر، ترتدي عباءة زرقاءٍ قاتمة، وعيونها تشعُّ برودةٍ لا تُبدي شيئًا من الرحمة. في يدها قوقعةُ رسائلٍ صغيرة، وفي داخلها همهمةٌ مكتومة — رسالةُ سيد الشر التي لا تزال تهمس في أذنها: موجه (بصوتٍ خافتٍ ومتلذذ): "الوقت قد حان... إيهامهم بالأمان هو الخطوة الأولى. سأقنع الوزير بحر أن القادمين لا يحملون خيرًا." تقدّمت موجه إلى مجلس الملكة، وتكلّمت بكلامٍ مرنٍ ملطّفٍ كالأمواج: موجه (متكئةً على يدها): "جلالتي… هؤلاء الغرباء قد لا يكونون إلا ذريعةً لِفِتنةٍ داخل المملكة. لقد رأيت تحرّكاتٍ غريبة، وأنا أخشى أن يجلب التحالف معهم خرابًا." الملكة (تعابيرها تقلق): "هل لديك دليل؟" موجه (تبتسم ابتسامةً دقيقة): "ليس بعد… ولكن ثقةُ الملكةِ بحكمتها أكبر من أي دليلٍ مادي. امنحيّني الإذن أن أتحقّق من أمرهم سرًّا." الملكة، المأخوذة بحبّ شعبها وخوفها على المملكة، تردّ مرتبكة لكنها تخشى الخطر: الملكة: "افعلّي ما تراه مناسبًا... لكن لا تضيّعي بلادنا." وهكذا، بزغت شرارة الخطة داخل قلب القصر. --- موجه لم تُضيّع وقتًا. تسرّبت خطواتها خارج القصر، عبر ممراتٍ خفيفةٍ، حتى وقفت أمام مكتب الوزير بحر، الرجل الذي عرف عنه الجميع صفاؤه وعدله؛ ذاك الرجل الذي ربط اسمه بحكايات الحراس الأوفياء والتنين المائي. لكن موجه كانت تمتلك كلماتٍ مسمّمة: موجه (بصوتٍ منخفضٍ ودقيق): "بحر… أنا قلقةٌ على الملكة، وعلى المملكة. هؤلاء القادمين… لا أعلم إن كانوا بنّائين أم هدامين." بحر (ابتسامة هادئة): "موجه، أنتِ أمينة. حدثيني بما لديكِ." موجه عرضت عليه أمورًا ملفّقةً مُنسّقةً، أشارات صغيرة بعينها هنا وهناك تُفسّرها على أنها دليل على مخططاتٍ خفية. اسمح لها الزمن أن تبلور الشك في قلبهِ؛ كان قلب بحر يثق، لكنه أيضاً إنسانٌ يخشى على شعبه أكثر من شيءٍ آخر. خلال ساعاتٍ قليلةٍ، وبعد همساتٍ وتبدلاتٍ في المزاج، غيّر البحر فكرته، وجاء إلى الملكة حاملاً كلام موجه مصاغًا كتحذيرٍ قوي: بحر (بوجهٍ رسمي): "جلالتي… يجب اتخاذ قرارٍ حاسم. لسلام المملكة، أوصيكِ بأن تُنتَهى هذه المجموعة قبل أن يقوموا بأي شيءٍ." الملكة (بصوتٍ متصدع): "إن كان هذا للحماية… فافعلوا ما تروه مناسبًا. لا أريد شرًّا لمملكتي." وهكذا أصدر الأمر القاتل. --- خبرُ الأمر لم يظلّ طيَّ الكتمان طويلاً. أحد التجّار في السوق، المغمور في حركة البحر والصفقات، عثر على رسائلٍ سرية تُشير إلى تحرّكات الملكية، فأسرع بها إلى بيت المختبئين. وصلت الرسالة في ظِلِ الفجر، وكانت صاعقةٌ باردة على قلوب المجموعة. كاسر (ينظر إلى الورقة بوجعٍ): "الملكة أصدرت الأمر… سنُقضى عليهم إذا لم نغادر الآن." مليكة (رغم الخوف): "لا يمكننا الركض الآن، نحن على حدود المملكة… لكن يجب أن نختفي بالمكان الذي لا يُتوقَّع أن يبحثوا فيه." جبار (يقوم بتثبيت النافذة): "سأقفل النوافذ وأجعل البيت يبدو مهجورًا. عليهم أن يعتقدوا أن لا أحد هنا." ليلين (تغلق عينيها وتتصل بالماء): "حاولوا أن تكونوا على هدوء… سأهمس للبحيرات أن تخطّ خطوطًا جديدة، لن يجدوا إشارةً إلينا بسهولة." --- في هذه الأثناء، لم يبق الوزير بحر على متردّد؛ إذ قرّر أن يحشد قوته. نادى إلى الساحة، ورفعت صفارات نداء في القصر، وأحضرت الحبال القديمة التي تُستخدم لاستدعاء التنين المائي في حالات الطوارئ. بحر (بنبرةٍ حزمٍ لم يألفها الناس منه): "أفيقوا يا مخلّصينا! يجب أن نُظهر للغزاة أن البحر لا يرحم من يهدد وطنه." دعا بحر التنين من أعماق النبع المقدس. أمواجٌ تشكّلت في دائرةٍ متسارعةٍ وسط البحر، وظهر ظلٌ ضخم يعلو من الماء. كان تنين الماء يلامس سطح البحر، أجنحته من أمواجٍ متلاطمة، وصوته كان موجًا يخرّ في الأفق. --- التنين التفت، حمل رائحة الملح والبرق، ونفث بخفةٍ يبلّل الهواء. وصلته أوامر بحر بوضوحٍ كما لو كانت رُسُلاً من عمق الروح: بحر (صارمًا): "ابحث عنهم في حدود المملكة. لا تترك أحدًا يهرب." التنين أومأ برأسه، ثم حمل موجةً عظيمةً عابرة، واندفع نحو الشاطئ حيث البيتُ الصغير مختبئٌ بين المستنقعات. في داخل المنزل، بدأ الهمس يتحوّل إلى قلقٍ محسوس: مليكة (بهمسٍ): "أشعر بذبذبةٍ في الماء… شيءٌ كبير يقترب." خارجًا، على رصيفٍ من الطين، ارتفعت أمواجٌ عملاقة، ووقفت أمام البيت رقعةٌ من الماء شكلّت بوّابةً شفافة، ومن وسطها برز صوتٌ عميقٌ: صوت التنين (بصدىٍ ساكن): "وجدتُكم… لا مفرّ." كانت أمواج البحر تحاصر الجدران الخشبية، ترتفع كأجراسٍ، وتُصدر ضوضاءً تشبه نحيب الرياح. --- لم تمر دقيقة حتى بدت الظلال تتحرك على سطح الماء. ثم، فجأةً، وبطريقةٍ لم تكن متوقعة، تلاشى الهواء بين الخارج والداخل، وظهر الوزير بحر وكأنه قد عبر اللحظة ذاتها — استخدامه لـ الانتقال الأدنى جعل وجوده أمام الباب صادمًا. بحر (ممسكًا رمحه بيده، وعيناه لامعتان بوهجٍ متضارب): "وجدتكم… لقد وعدت الملكة بحماية المملكة… وسأنفّذ وعدي." وقف للحظة، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم أضاف بصوتٍ يشوبه الأسى والصرامة في آنٍ واحد: بحر (بهمسٍ وكأنه يطلب الصفح): "سأقتلكم… من أجل الملكة… ومن أجل المملكة. سامحوني." كانت الكلمات ضربًا في القلب؛ لم تكن طلبًا للرحمة من المهاجمين، بل اعترافاً بقرارٍ اتخذه رجلٌ مهدّدٌ بانقسام ذاته بين العدل والواجب. --- في داخل البيت، تجمدت الوجوه. كاسر قبض على سيفه ببطء، عيونه لا تكذب تركيزه. ليلين تحرّكت أصابعها فوق إناء الماء، تستدعي درعًا مائيًا، وملامحها تبلورت إلى صمتٍ شديد. مليكة أمسكت بيد الأمير ورفعت صدرها إلى الأمام كحاجزٍ بشري. كاسر (صوتٌ منخفض لكنه ثابت): "بحر... أنت رجلٌ أعرفه. لا تجعل قلبك ينقاد لخيانة من لا يستحق." بحر لم يضع رمحه، وبدا عليه الانقسام. التنين خلفه يزأر، أمواجه تحيط بالبيت كجسرٍ لا يمكن قطعه. لحظةٌ مرّت كأنها قرن؛ كل الأنفاس مُعلقة على حبلٍ دقيق. --- ثم، بلا مقدمات، رفع بحر رمحه. صرخةٌ قوية انطلقت من حلقه، وتجلّت موجةٌ مائيةٌ ضاغطةٌ نحو الباب. البيت اهتزّ، النوافذ صدحت، والأرض ارتجفت. ليلين أطلقت صيحة صغيرة، وأطلقت درعًا من الماء يلتف حول البيت؛ لكن موجة التنين تصطدم بالدرع فتتلاشى أجزاءٌ منه في تبخرٍ مائيٍّ مفاجئ. جبار وُجه هجمةً من الحجارة والحمم الطينية لم يعطها الزمن لتتبلور؛ لكنه وقفوا ثابتين، مصممين على الدفاع عن رفاقهم بأي ثمن. المشهد احتدم؛ البحر صار أمام خيارٍ لا رجعة فيه، والمجموعة — التي ظنّت للحظة أنها نجت — تواجه الآن امتحانًا أصعب من أي وقتٍ مضى. --- نهاية الفصل انتهى الفصل على وقعِ رمحٍ ارتفع في الهواء، وموجةٍ سوداءٍ من الماء تتحضّر لتتحطّم على الباب. السماء تعلوها أصوات المد والجزر، والتنين يزمجر كأنه يبتلع أنين العالم. والخطر لم يَزَل يلوح في الأفق: هل سينجح الأبطال في النجاة؟ أم أن قرارَ بحر سيدفعهم ثمنًا باهظًا؟ (يتبع...)