الفصل 49
** 𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶**
آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯهہ
خرجت غرام من الغرفة بخطواتٍ سريعة،
الغضب يشتعل في صدرها كبركانٍ مكتوم.
وكأنها تريد أن تهرب من شيءٍ لا يُطاردها إلا داخلها.
الممرات طويلة، صامتة،
وأصوات الأجهزة الخافتة تمتزج مع خطواتها المتوترة.
كانت تحاول أن تهدأ، أن تنسى، أن تبتعد عن وجهه وعن كل ما يوقظ ضعفها.
لكن قلبها كان يصرّ على الخفقان بعنفٍ يفضحها.
توقفت عند النافذة،
تنفّست بعمقٍ وهي تحاول أن تتماسك،
وفجأة لفت انتباهها مشهدٌ بسيط… لكنه اخترق قلبها كالسهم.
في الغرفة المقابلة،
كانت فتاةٌ في منتصف العشرينات تقريبًا،
ملامحها عربية واضحة،
عيناها فيهما بريق الصبر والإيمان،
تمسك بيد أمّها المريضة وتهمس بالدعاء بصوتٍ خافتٍ مرتجف.
"يا رب اشفها… يا رب احفظها وعافيها ."
توقفت غرام عند الباب دون أن تشعر،
تجمّدت ملامحها، ثم اغرورقت عيناها بالدموع.
لم تستطع المقاومة…
انهارت دمعة أولى، تلتها أخرى،
حتى بكت بصمتٍ مؤلمٍ وهي تراقب ذاك المشهد.
سمعت الفتاة صوت شهقة ، ثم التفتت نحو غرام،
وقفت بخفّة وخرجت من الغرفة وهي تقول بقلقٍ صادق:
"انتي بخير أختي؟"
رفعت غرام رأسها بسرعة،
ابتسمت بخجلٍ وسط دموعها وقالت بصوتٍ مبحوحٍ ولهجتها السعودية تفضحها:
"آسفة… آسفة والله ما كنت أقصد أزعجكم،
بس الموقف… بكاني بدون ما أحس."
ابتسمت الفتاة برقة،
اقتربت منها واحتضنتها عفويًا، وقالت بصوتٍ دافئ:
"لا تعتذرين، الله يجبر بخاطرك مثل ما رقّ قلبك لنا."
سادت لحظة صمتٍ لطيفة،
ثم قالت الفتاة بابتسامة ودودة:
"تعالي نجلس شوي، يمكن ترتاحين."
جلستا على المقاعد المقابلة للغرفة،
الهدوء كان جميلًا، كأن الزمن توقف ليمنحهما مساحة للتنفس.
سألتها الفتاة بعد لحظة:
"انتي سعودية، صح؟"
أومأت غرام بابتسامة خفيفة وقالت:
"ايوه، اسمي غرام."
أضاء وجه الفتاة بفرحٍ صادق:
"أهلاً والله وغلاً… أحلى الناس، تشرفت فيك
أنا اسما، من الجزائر."
ضحكت غرام بخفة، فيها دفء وحنين:
"تشرفنا يا اسما....هلا وغلا بناس قلبي ياحبي لكم اهل الجزائر.، والله واسمك جميل مثلك."
ابتسمت اسما بخجلٍ لطيف،
بدأتا بتبادل اطراف الحديث...
ثم بدأت تحكي عن أمها المريضة،
عن عمليتها القريبة في هذا المستشفى بفرنسا،
عن خوفها وحبها لها، وكيف تقضي لياليها تدعو الله أن يشفيها.
استمعت غرام بإصغاءٍ عميق،
كانت كل كلمةٍ من اسما تُلامس قلبها،
وحين انتهت، قالت غرام بصوتٍ مليء بالصدق:
"والله ليت عندي ثباتك وقوتك،
الله يشفيها ويعافيها، ويرجعها لك سالمة بخير."
ابتسمت اسما، وفي عينيها دمعة امتنان،
ثم سألتها بلطف:
"وانتي؟ وش تسوين هنا؟"
ابتسمت غرام بحزنٍ خفيف،
خفضت نظرها وقالت بصوتٍ متقطعٍ كأنه سخرية من القدر:
"أنا هنا مع زوجي… صار له حادث،
بس الحمد لله حالته مستقرة الحين."
كلمة زوجي خرجت من فمها غريبة،
كأنها لا تخصها، لا تشبهها.
تلعثمت المشاعر داخلها، بين الألم والحزن. والغضب بل القرف.
ابتسمت اسما بلطفٍ صادق وقالت:
"الله يقومه بالسلامة ويحفظه لك… ويخليكم لبعض."
ابتسمت غرام، لكنها لم تقل شيئًا،
قلبها خفق بخليطٍ من الألم والسخرية،
هل فعلاً قدّر الله أن يبقى معها؟
أم أن القدر فقط يلهو بها بين الوجع والمصير؟
وقبل أن ترد،
جاءت ممرضة بخطواتٍ مسرعة وهمست لها بلُطف:
"سيدتي غرام، السيد عزّام يسأل عنك الآن، تفضلي."
تجمّدت للحظة،
ثم تنفّست بعمقٍ وهي تبتسم لأسما،
احتضنتها بحرارة وقالت:
"دعواتي لأمك، والله يشفيها من كل وجع."
ردّت اسما بنفس الدفء:
"ولك بالمثل يا غرام… الله يعافي زوجك ويطمن قلبك عليه."
ثم افترقتا وكل واحدة ذهبت لطريقها ولقدرها المختلف وحياتها مختلفة.