خيوط الإنتقام والمصير - الفصل 45 - بقلم Amani algeria | روايتك

اسم الرواية: خيوط الإنتقام والمصير
المؤلف / الكاتب: Amani algeria
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 45

الفصل 45

** 𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶** آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯ‏‏هہ كانت الساعة تقارب منتصف الليل، والمستشفى غارقٌ في صمته المعتاد... صمتٌ بارد يشبه الفراغ الذي يسكن قلبها. جلست على الكرسي بجانب السرير، تحدّق فيه وكأنها تبحث عن أثرٍ منه بين كل تلك الأسلاك والأنابيب. مستحيل… هل هذا حقًا عزّام؟ ذاك الرجل الذي كان يمشي بثقةٍ تُرهِب الهواء من حوله، الذي كان صوته وحده كفيلًا بأن يجعلها ترتجف من شدّته… الآن جسدٌ ساكن، ملامح باهتة، ويدٌ مكسورة تتدلّى على طرف السرير. كان الأكسجين يغطي جزءًا من وجهه، ورغم ذلك استطاعت أن ترى ضعفًا لم تعهده فيه، كأنه طفلٌ ضائع وسط صراعٍ أكبر من قوّته. أغمضت عينيها بألمٍ حارق، رفعت رأسها نحو السماء، وهمست بصوتٍ مبحوحٍ كأنّه اعتراف: > “يا رب... اغفر لي... واغفر له... اشفه مو علشاني، علشانهم علشان اهله .” فتح الباب فجأة، ودخل هارون برفقة الطبيبة وممرضتين. استدارت غرام بسرعة وهي تمسح وجهها بخفّة. نظرت الطبيبة إليها بابتسامة بسيطة وقالت بالإنجليزية: > “We’ll move him to a private room, he needs a quieter place.” (سننقله إلى غرفة خاصة، يحتاج إلى مكان أكثر هدوءًا). ترجَم هارون كلامها ببرودٍ معتاد: > "راح يغيّرون له الغرفة لغرفة خاصة... عشان تقدرين تبقين عنده." هزّت رأسها بخفوت، لم تجد ما تقوله. ثم أضاف وهو يضع هاتفه في جيبه: > "ملابسك وأغراضك كلها وُصلت لشقته... أنا لازم أروح أكمل بعض الإجراءات." ثم ابتسم بسخريةٍ خفيفة، ونظر إليها نظرةً فيها شيء من اللوم والاحتقار: > "إذا احتجتِ شي... اتصلي علي." كان صوته مثل نصلٍ باردٍ شقّ سكون الغرفة. لم ترد. لم تعد قادرة على الرد. غادر هارون ومعه الأطباء، وأُغلِق الباب من خلفهم، فعاد الصمت يغطي المكان من جديد، وصوت جهاز النبض يعود ليملأ الفراغ. جلست غرام ببطء، نظرت إليه مطوّلًا... وجهه الهادئ لم يعد يُشبه من كان يومًا سبب خوفها. تمتمت بصوتٍ خافتٍ وهي تنظر إليه بعينين باردتين. > "ما اعتدت اشوفك كذا ضعيف.... ياعزام ياعذابي ......"- همست بأشبه بسخرية من القدر. ثم أغلقت عينيها، وأسندت رأسها إلى الجدار، تتوسّد صمت المستشفى، وتحاول أن تتصالح مع حقيقةٍ واحدةٍ لا مفرّ منها: أنها، رغم كل شيء، لم تستطع كرهه تمامًا. كانت الغرفة الجديدة أشبه بجناح فخم لا يُشبه غرف المستشفيات المعتادة، تتسلل إليها رائحة المطهّرات الممزوجة بعبقٍ خافتٍ من الياسمين. في المنتصف سرير أبيض يعلوه عزّام، ممدّد بين الأجهزة والأنابيب، وجهه باهت كأنه فقد لونه مع نبض الحياة، أنفاسه تتردّد ببطء عبر أنبوب الأوكسجين الصغير، وصوت جهاز القلب يقطّع السكون بنبضٍ منتظم يملأ المكان رهبة. على الجانب الآخر، كنبة رمادية تتّكئ إليها غرام، وحقيبة صغيرة وضعتها بجانبها. كانت تنظر إليه بصمتٍ طويل، بعينين تائهتين بين ماضيها معه ووقع اللحظة أمامها. عندما اقترب الفجر، غادرت غرام الكنبة بخطوات هادئة، وكأنها تخشى أن توقظ الألم من سباته. دخلت الحمّام، توضأت بماء بارد أيقظ في جسدها حياة خافتة، ثم خرجت لتفترش سجادتها قرب النافذة. كان الضوء الرمادي للفجر الأول يتسلّل ببطء، يرسم ظلّها الخاشع أمام السرير الأبيض. رفعت يديها، فصلّت بخشوعٍ عميق، ودموعها تتساقط مع كل آيةٍ تخرج من قلبٍ مثقل. وعندما أنهت صلاتها، فتحت مصحفها الصغير وبدأت تقرأ من سورة البقرة بصوتٍ خفيضٍ رخيم، كأنها تُنزل الطمأنينة على المكان حرفًا حرفًا. كانت كلمات الله تتردّد في الغرفة، تسكن بين الأجهزة، تلامس وجه عزّام، وتُطفئ في صدرها شيئًا من الوجع. كل آية كانت كدفءٍ يُعيد ترتيب فوضى قلبها، وكل همسة من صوتها كانت كنسمةٍ تُزيح الحزن عن ملامحه الجامدة. وحين انتهت، أغلقت المصحف برفق، تنهدت بعمقٍ كأنها أفرغت كل ما فيها، ثم همست بصوتٍ متعبٍ لكنه مطمئن: > "تحمّلي يا غرام... مابقى كثير." تمدّدت على الكنبة، وغطّت جسدها بمعطفٍ خفيف، وعيونها لم تفارق وجهه. حتى غلبها النعاس، لتغفو على وقع أنفاسه الضعيفة... وأنينٍ لا يسمعه سواها.