إلى قصر ادريان
---
الفصل الرابع: إلى قصر إدريان
في المساء التالي، وقفت ليليا أمام بوابة ضخمة يعلوها شعار من الذهب يحمل حرف M محفورًا بعناية.
كانت السماء الرمادية تغطي باريس بوشاحٍ من الغموض، والمطر الخفيف يلمع فوق الحديد الأسود للبوابة.
اقتربت بخطوات مترددة، فُتحت البوابة ببطءٍ آليّ، وانطلقت سيارة صغيرة لتقلّها نحو الداخل.
لم يكن المكان مجرد قصر… بل قطعة من الحلم.
حدائق ممتدة على مدّ البصر، نوافير تتلألأ تحت الأضواء، وتماثيل رخاميّة تُشبه الأرواح الهادئة التي تروي حكايات الملوك.
كانت ليليا تحدّق بدهشة صافية، كأنها طفلة ترى الجمال لأول مرة.
حين توقفت السيارة أمام الدرج الكبير، خرج منها رجل في منتصف العمر، أنيق المظهر، انحنى قليلًا وقال:
«أهلًا آنسة ليليا، أنا "ريتشارد"، مدير أعمال السيد مونتغمري. السيد بانتظارك في القاعة الكبرى.»
دخلت القصر بخطواتٍ مترددة، وكل شيء من حولها كان يهمس بالثروة.
الثريات الكريستالية تتدلّى من السقف، الجدران مكسوة بلوحات أصلية، والهواء تفوح منه رائحة خشب الصندل والعطور الفاخرة.
ثم رأته...
كان واقفًا أمام الموقد الرخامي، ببدلته السوداء الكاملة، يمسك بكأس من النبيذ الفرنسي، عيناه تتابعان ألسنة اللهب كما لو كانت أسرارًا يحاول فهمها.
حين التفت نحوها، خفق قلبها بلا إرادة.
كان هدوؤه ساحرًا، حضوره مرعبًا في الوقت ذاته.
قال بصوتٍ عميقٍ فيه نغمة السلطة:
«لم أتوقع أن تأتي بهذه السرعة. معظم الناس يخافون حين يتلقون دعوة مني.»
أجابت بابتسامةٍ خفيفةٍ تخفي توترها:
«ربما لأنني لا أعرف من أنت حقًا بعد، فلا سبب يجعلني أخاف.»
تقدّم منها بخطواتٍ بطيئة، عيناه لا تفارقانها.
«وأنا أحاول معرفة من أنتِ أيضًا. امرأة تمشي تحت المطر بلا مظلة، تضحك رغم الوحدة… أليست هذه بداية فضولٍ خطير؟»
صمتت، لا تعرف بماذا تجيب.
لكنه تابع بهدوءٍ غامض:
«سأريكِ قاعة العرض الخاصة بي، وأريد رأيكِ في إعادة ترتيبها. لا تقلقي، سأدفع مقابل وقتك أكثر مما تتقاضينه في عام كامل.»
تحرّكت معه عبر ممرات القصر الطويلة، تتبع صوته دون أن تجرؤ على النظر إليه كثيرًا.
وفي إحدى الزوايا، كانت هناك لوحات ضخمة — كلها تحكي قصصًا عن العيون، الوجوه، والعزلة.
قالت بدهشةٍ صادقة:
«كل هذه الوجوه حزينة... لماذا لا ترسم شيئًا سعيدًا؟»
أجاب ببرودٍ ناعم:
«لأن السعادة مؤقتة… أما الحزن، فهو يخلق فناً لا يُنسى.»
كانت تلك الجملة كافية لتجعلها ترى خلف القناع لأول مرة.
رجل ثري، جميل، قوي… لكنه محطم في الداخل.
حين أنهت جولتها، قال لها دون أن ينظر إليها:
«أريدكِ أن تأتي كل مساء لهذا القصر حتى ننتهي من العمل. سيصلك جدول خاص من مكتبي. لا أقبل التأخير.»
نظرت إليه بارتباكٍ ممزوجٍ بالعجب:
«كل مساء؟ أهذا أمر أم طلب؟»
أجاب بابتسامةٍ بالكاد تُرى:
«حين أريد شيئًا… لا أطلبه، بل أجعله يحدث.»
خرجت من القصر وهي تشعر أن حياتها البسيطة بدأت تنزلق من بين يديها نحو عالمٍ لا تعرف إن كان جنة أم فخًا من ذهب.
لكنها لم تكن تعلم أن إدريان… لم يكن يرى في حضورها عملاً فنيًا، بل شيئًا يريد امتلاكه مهما كلّف الأمر.
---