شــــظــــايــــا - انعكاسات الظلّ في الواقع - بقلم أميمة الشرقي - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: شــــظــــايــــا
المؤلف / الكاتب: أميمة الشرقي
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: انعكاسات الظلّ في الواقع

انعكاسات الظلّ في الواقع

استيقظتُ على شعورٍ غريب كأن جسدي لم يعد لي وحدي. كان هناك شيء آخر يتحرك في داخلي، ببطء، كأن أنفاسي لم تعد تخصّني تمامًا. عندما فتحتُ عيني، لم يكن الضوء مختلفًا، لكنني كنت مختلفة. حتى الظلال على الجدار بدت وكأنها تعرفني أكثر مما أعرف نفسي. نهضتُ متثاقلة، واتجهتُ نحو المرآة. لكن الصورة التي نظرت إليّ من الزجاج لم تكن أنا تمامًا. ملامحي هي نفسها، لكن نظرتي… كانت أعمق، كأن خلف عينيّ أبوابًا كثيرة فُتحت فجأة. رأيت في بؤبؤي انعكاسًا باهتًا — كأن شخصًا آخر يسكنه، يتنفّس من خلالي. وقفتُ صامتةً، أحدّق في تلك الغريبة التي ترتدي وجهي. كانت تبتسم لي بخفة، ابتسامة لا أعرف إن كانت سخرية أم حنينًا. الهواء من حولي كان يتحرّك بخفوتٍ غريب، يحمل اسمي كما لو أنه اعتاد النداء عليّ منذ زمن: "سُجى..." صوتٌ خافت، مشدود، مألوف… كأنه خرج من قلب الليل نفسه. لم أكن أعيش انعكاس الحلم في الواقع… كنت أعيش امتدادَه. كل حركةٍ من جسدي بدت كأنها تترك أثرًا خفيًا على الأشياء من حولي، كأن العالم صار لوحةً من الماء، وأنا الموجة التي تغيّر شكلها كلما لمستها. حين لمستُ الطاولة، رأيتُ الورقة التي تركتها الليلة الماضية — ما زالت هناك. لكنها لم تكن كما كانت؛ كانت تتوهّج بخفوتٍ رمادي، كأن الرماد نفسه صار حيًّا، يتنفس. اقتربتُ منها، وشعرتُ أن الضوء المنبعث منها يعرفني، ينتظرني، يدعوني. ثم جاء الصوت… هذه المرة من داخلي مباشرة، ليس كهمسٍ في الأذن، بل كنبضٍ في القلب: > “لقد بدأتِ ترى ما لا يراه الآخرون… لا تهربي، سُجى.” ترددت الكلمات في صدري، ارتطمت بعظامي، واهتزّت في أنفاسي. حاولتُ الرد، لكن صوتي تكسّر، كأنه لا يملك الحقّ في الحديث. كل كلمةٍ حاولتُ نطقها، شعرتُ بها ترتدّ في داخلي قبل أن تخرج، كأن جسدي أصبح مرآةً لصوتٍ آخر يسكنني. بدأت ألاحظ أشياء أصغر، لكنّها أكثر رعبًا. ظلي — لم يعد يتحرك مثلي. كان يتأخر أحيانًا، يسبقني أحيانًا أخرى. وحين توقفتُ فجأة، رأيته يلتفت نحوي، كأنه يختبرني… أو يبتسم لي. الأشياء التي ألمسها لم تعد ساكنة كما كانت. الكوب على الطاولة اهتزّ عندما مرّت أصابعي بجانبه، والستائر تحرّكت رغم أن النافذة مغلقة. حتى الهواء بدا وكأنه يراقبني، ينتظر ردّ فعلي على شيءٍ لا أفهمه بعد. وأحيانًا… كنت أسمع همسات الماضي. ذكرياتٌ ليست لي، لكنها تعيش في الهواء من حولي. ضحكات بعيدة، صرخات مكتومة، أسماء لا أعرفها، كأن الجدران نفسها تحتفظ بذاكرةٍ لا تخصّها. كل هذا كان مخيفًا… لكنه كان مدهشًا أيضًا. كان جزءًا منّي يعرف أنني لم أفقد عقلي، بل بدأتُ أستعيد شيئًا كنت قد نسيته منذ زمنٍ بعيد. جلستُ على السرير، ووضعتُ يدي على صدري. البصمة الرمادية ما زالت هناك، تنبض بخفوتٍ كما لو أنها قلبٌ ثانٍ بداخلي. لكنها لم تكن ساكنة هذه المرة. تحرّكت ببطءٍ، كأنها تتصل بجزءٍ آخر من روحي لم أعرفه بعد، جزءٍ كان نائمًا واستيقظ أخيرًا. الليل كان ساكنًا، لكن داخلي كان يفيض بالحركة. كنت أشعر بالحدود بين العالمين — الحلم والواقع — تتآكل شيئًا فشيئًا، كأن الخطّ الفاصل بينهما يُمحى من الداخل. ورغم كل الارتباك، كنت أسمع الهمس ذاته، يتردّد في أعمق نقطةٍ في قلبي: > “الآن… السّؤال ليس من أنتِ… بل من ستصبحين.” رفعتُ بصري نحو المرآة مرة أخرى. الوجه الذي فيها لم يعد ينتظر إجابة… بل بدا وكأنه يعرفها قبلي. .