الرسالة بين الظلّ والواقع
استيقظتُ على صوتٍ خفيفٍ… أشبه بورقةٍ تتنفس في الريح.
ظننتُ في البداية أنه حلمٌ آخر، لكن الوعي كان يقظًا بما يكفي لأدرك أن الصوت حقيقي، وأن الصمت من حولي ليس طبيعيًا.
كانت الغرفة ساكنة كما تركتها — الستائر الممزقة، الطاولة الصغيرة، والهواء المائل إلى البرد —
لكن شيئًا ما لم يكن كما كان.
شعورٌ غامض كأن أحدهم مرّ من هنا قبل لحظة، وترك خلفه أثرًا لا يُرى.
حين أدرتُ رأسي نحو الطاولة، رأيتها.
ورقة صغيرة، مطوية بعناية، موضوعة في المنتصف تمامًا، وكأن يدًا ما أرادت أن ألاحظها فورًا.
لم أضعها هناك، ولم أرَها من قبل.
اقتربتُ منها ببطء، والهواء حولي صار أكثر ثِقلاً.
كل خطوةٍ كانت تسرّع دقات قلبي، كأن المسافة بيني وبين الطاولة لم تكن سوى طريقٍ نحو شيءٍ لا عودة منه.
حين وصلت، مددتُ يدي بتردد، ولمستُ الورقة.
كانت ملمسها غريبًا — ناعمة كأنها من حرير، لكن باردة كالجليد،
وبرودةٌ خفيفة تسللت من أطراف أصابعي إلى عروقي، جعلت أنفاسي تتقطع.
شعرتُ أن الورقة تعرفني، تلمسني كما ألمسها، وكأنها تنتظر أن أفتحها لتتنفس.
فتحتُها أخيرًا.
كانت الكلمات داخلها… ليست كلمات، بل رموز — منحنيات وأشكال تشبه اللغة، لكنها ليست منها.
خطوطٌ متقاطعة تشبه تلك التي رأيتها في الحلم، محفورة بحبرٍ أسود كأنه ظلّ سائل.
ورغم أنني لم أفهمها، قلبي فهمها بطريقةٍ لا عقلانية.
كانت تتحدث إليّ بلغتي الداخلية — لغة الخوف والحنين.
وفي اللحظة التي رفعتُ فيها الورقة إلى الضوء الخافت، شعرتُ به.
شيءٌ يتحرك خلفي… ببطءٍ، بانتباهٍ، كأنه يتربّص بأنفاسي نفسها.
تجمّدتُ.
لم أجرؤ على الالتفات، لكن الهمس جاء واضحًا، كأنه خرج من أعماق الغرفة أو من أعماقي أنا:
> “كل خطوةٍ تخطينها، تقرّبك أكثر… أو تبتلعك للأبد.”
توقف كل شيء.
حتى عقارب الساعة بدت وكأنها تخاف أن تواصل الدوران.
الهواء أصبح ثقيلاً، يضغط على صدري كما لو أن الزمن نفسه توقف ليرى ماذا سأفعل.
ثم سمعتُ شيئًا آخر — خطوات صغيرة على الأرض الخشبية.
كانت خفيفة، مترددة، لا تنتمي إلى بشر…
بل كأن الأرض نفسها تحاول أن تمشي نحوي.
نظرتُ نحو مصدر الضوء الوحيد في الغرفة — المصباح الصغير على الجدار —
ومددتُ يدي نحوه، أبحث عن دفءٍ يذكّرني بأنني ما زلت في الواقع.
لكن ما شعرتُ به لم يكن دفئًا…
كان نبضًا.
نبضًا ينبعث من داخلي.
بدأ قلبي يدق بعنف، كأنه يحاول أن يخرج من صدري، ومع كل نبضة كنتُ أرى ظلالي تتغيّر.
لم تعد سوداء كما كانت، بل بدأت تتلوّن بأطيافٍ باهتة — رمادي، أزرق، وبنفسجي قاتم، نفس الألوان التي رأيتها في حلمي.
كل لونٍ منها كان يحمل معنى لا أستطيع قراءته، لكنه كان يهمس لي بحقيقةٍ لا أريد سماعها بعد.
أغمضتُ عينيّ، فسمعتُ الصوت من جديد — هذه المرة ليس من الغرفة، بل من داخلي.
كان أقرب من نفسي، أهدأ من التنفس، لكنه واضحٌ كالكشف المفاجئ:
> “سُجى… لقد اخترتِ الطريق… الآن عليكِ أن تعرفي من أنتِ حقاً.”
تشنّج جسدي كله.
الكلمات لم تكن تُقال لي… كانت تُستعاد.
كأنني سمعتها من قبل، في زمنٍ آخر، وربما كنتُ أنا من قالها أول مرة.
فجأة، شعرتُ بحركةٍ داخل صدري، عند موضع البصمة الرمادية التي تركها الحلم.
توهجت، خافتًا أولاً، ثم بوميضٍ أقوى كأنها نبضٌ آخر لا يتبع إيقاع قلبي.
مددتُ يدي أتحسسها، وإذا بحرارةٍ دافئة تملأ كفّي، وكأن شيئًا ما في داخلي يريد أن يُولد.
لم أعرف ما إذا كنت أختنق أو أستيقظ من جديد،
لكن في تلك اللحظة، أدركت شيئًا واحدًا بوضوحٍ مرعب:
أن الحلم لم يكن حلمًا.
وأن الظلّ… لم يبقَ في الحلم