حين تبتلعك الأحلام
"في تلك الليلة، لم أستيقظ من الحلم... بل الحلم هو الذي استيقظ فيَّ."
لا أعلم إن كنتُ نمتُ حقًّا تلك الليلة، أم أنني فقط عبرتُ إلى الجانب الآخر من نفسي .
كل ما أتذكّره أن الغرفة كانت ساكنة حدّ الاختناق، والسكون فيها لم يكن راحة، بل انتظارًا.
الهواء كان ثقيلاً، يمرّ على جلدي كيدٍ باردة تذكّرني بأنني ما زلت هنا… وما عدتُ هنا في الوقت نفسه.
كان الصمت يصرخ في أذني كإنذارٍ أول، كصوتٍ خفيّ يقول: “تهيّئي… ثمة شيء قادم.”
الريح خلف النافذة تنفخ في ستائري البيضاء، تُراقصها برفقٍ غريبٍ، كأنها أرواح تائهة تبحث عن مأوى ضائع.
في تلك اللحظة، شعرتُ أن الليل يراقبني… لا بعينيه، بل بأنفاسه.
حين أغمضتُ عيني، لم أجد ظلامًا، بل طريقًا رماديًّا يتلوّى أمامي.
وجدتُ نفسي هناك، في غابةٍ لا تعرف الفجر، لا تُشبه أي أرضٍ عرفتها يومًا.
أرضها رمادٌ بارد، تفوح منه رائحة الاحتراق القديم، والسماء فوقي بلا نجوم، كأنها جُرحٌ مفتوح لا يلتئم.
كنتُ أمشي حافيةً فوق التراب، أبحث عن شيءٍ لا اسم له، وأهرب من شيءٍ بلا ملامح.
صوت خطواتي كان يرافقني، لكنّ صداه كان يعود إليّ غريبًا… متأخرًا، مشوّهًا، كأنه يأتي من فم آخر غير فمي.
حين توقفت، لم يتوقف الصوت.
كان هناك أنفاس قريبة، تتسلّل بين الأشجار، تُحاصرني من كل اتجاه.
الهواء صار أثقل، والرائحة… كانت تشبه دخان الخشب المبلل بالمطر.
ثم سمعتُه — ذلك الصوت الخافت الذي اخترق المسافة بين الوعي والنوم، بين الحياة وما بعدها:
> “سُجى… لقد تأخّرتِ.”
تجمّدتُ.
الصوت لم يكن غريبًا، ومع ذلك لم أتذكّر يومًا أنني سمعته من قبل.
كان في نبرته شيء من الحنين… وشيء من الوعيد.
رفعتُ رأسي ببطء، ورأيتُ الظلال تتكوّن من الدخان، تتخذ شكلًا بشريًّا هشًّا، كأنها صورة حلمٍ مكسور ترفض أن تكتمل.
اقتربتُ خطوة، فاحترقت الأرض تحت قدمي كأنها ترفض حضوري.
اقتربتُ أكثر، فانبثقت من الظلّ عينان بلون العاصفة، تُشبهان كل ما أخشاه وما أشتاق إليه في آنٍ واحد.
قالت لي الظلال، بصوتٍ يشبه الريح حين تتكلم مع البحر:
> “من يدخل هذا العالم… لا يخرج كما كان.”
وفي تلك اللحظة، شعرتُ أنني فقدت شيئًا لا أعرف اسمه.
ربما نفسي.
وربما، كنتُ أجدها أخيرًا.
تراجعتُ خطوة إلى الوراء، لكن الأرض لم تعد كما كان
الرماد تحوّل إلى ما يشبه الماء الكثيف، يبتلع أثري كأن الغابة ترفض أن تتركني أعود.
كنت أسمع خفقات قلبي تتداخل مع صدى كلمات الظلال، حتى صار الصوتان واحدًا لا أميّز بينهما.
> “من يدخل هذا العالم… لا يخرج كما كان.”
لم تكن جملةً، بل حُكمًا.
وشعرتُ للحظة أنني لم أكن الضحية في هذا المكان، بل أحد الذين ينتمون إليه.
رفعتُ يدي أتحسس الهواء أمامي، لكن أصابعي عبرت من خلال الظلال كما تعبر اليد الماء، ومع ذلك، أحسستُ بحرارةٍ خفيفة، كأنها نفسٌ بشريّ، أو ذكرى لِمَسّةٍ قديمة.
حين نظرتُ مجددًا، كانت الظلال تبتعد… تتلاشى كما يتلاشى الدخان في صباحٍ ممطر، تاركة خلفها همسًا متقطعًا لا أستطيع فهمه، لكنه ظل يطاردني في رأسي.
السكوت بعدها كان أثقل من الصراخ.
الغابة حولي صارت تتحرك، الأشجار تنحني ببطءٍ، وكأنها تراقبني من علٍ، وأوراقها تهمس بأصواتٍ تشبه الأسماء.
في تلك اللحظة أدركت أنني لم أدخل الغابة… بل الغابة هي التي دخلتني.
تقدّمتُ رغم الخوف، كأنّ شيئًا ما في داخلي كان يدفعني نحو المجهول.
كل خطوة كانت تفتح لي طريقًا لم يكن موجودًا من قبل، وكل نفس كنتُ ألتقطه يحمِلُ رائحة زمنٍ لم أعشه.
وفجأة، لم تعد الأرض رمادية؛ صارت تغمرها أضواء خافتة تخرج من تحت التربة، خطوط رقيقة من وهجٍ أزرق ترتسم مثل العروق في جسد الأرض.
انحنيتُ ألمسها، فنبضت… نبضت الأرض كما لو كانت حيّة.
وسمعتُ من تحتها صوتًا يشبه بكاءً بعيدًا — بكاء امرأةٍ أو طفلةٍ أو ربما أنا.
حاولتُ أن أصرخ، لكن صوتي لم يخرج.
كل ما استطعت فعله أن أركض… أركض دون أن أعلم إلى أين.
كان الطريق يلتفّ حولي مثل حلقة لا تنتهي، حتى سقطتُ على ركبتيّ، والرماد التصق بجسدي كأنّه جلدٌ آخر.
حين رفعتُ رأسي، كانت هناك مرآة.
مرآةٌ معلّقة بين جذوع الأشجار، بلا إطار، بلا انعكاس واضح.
اقتربتُ منها ببطء، وفيها رأيتُ… نفسي، لكن ليست أنا.
كانت ملامحي مطفأة، عينيّ خاليتين من الضوء، ووجهي نصفه ظلّ ونصفه رماد.
ثم رفعتُ تلك الأخرى رأسها نحوي من داخل المرآة، وابتسمت.
> “أخيرًا التقينا.”
مدّت يدها من داخل الزجاج، وأنا، رغم خوفي، لم أتراجع.
كانت يدي ترتجف، لكنها امتدت نحوها كما يمتدّ العطشان نحو السراب.
وما إن لامستها… حتى ابتلعني الضوء.
لحظة واحدة، لا أكثر، شعرتُ أنني أسقط من السماء إلى داخلي، أنني أنفصل عن كل ما كنتُه، وأتحول إلى ما كنت أخشاه.
ثم — ظلام.
استيقظتُ فجأة، على صرخةٍ خرجت مني دون وعي.
الغرفة كما هي، الستائر ترفرف بهدوء، والهواء ساكن، لكن… كانت يدي مغطاة برمادٍ أسود.
نظرتُ إليها طويلاً، والبرودة تسري في جسدي.
ثم همستُ بصوتٍ مرتجف:
> “هل كنتُ نائمة… أم أن الحلم هو الذي استيقظ فيّ؟”
تراجعتُ إلى الوراء، لكن الظلّ تبعني كأنه انعكاسي المتمرّد — لا يعكسني، بل يسخر منّي.
كل خطوةٍ أخطوها كانت تُحدث صدى، والصدى يعود إليّ مشوّهاً، كضحكةٍ بعيدة تنبع من قاع روحي.
لم أعد أميّز بين صوتي وصدى الظلّ، بين خوفي وما يُعيده إليّ الخوف نفسه.
توقّفتُ، لكن الظل لم يتوقف.
تقدّم نحوي ببطءٍ، كأنه يعرف إلى أين أهرب، كأنه يعرف أنني سأنهار قبل أن أصل.
قالت الظلال بصوتٍ مبحوحٍ يشبه صرير الحديد على الزجاج:
> “كنتِ تظنين أن الألم انتهى… لكنه فقط غيّر شكله.”
تلك الكلمات اخترقت صدري أكثر من أي سكينٍ عرفتها يومًا.
لم أفهم تمامًا ما تعنيه، لكن شيئًا في قلبي انكمش — إحساس غامض يشبه الذنب، أو ربما الذكرى.
ضاق نفسي، وقلبي بدأ يدق كطبل حربٍ قديم، يُنذر بعودة شيءٍ كنت أظنّه مات في داخلي.
حاولتُ أن أصرخ، لكن صوتي انكسر قبل أن يغادر شفتي، كما لو أن الهواء نفسه رفض أن يحمل خوفي.
وفي تلك اللحظة، حدث شيءٌ لم أستطع تفسيره…
بدأت الرموز تظهر على الأشجار المحيطة بي، واحدة تلو الأخرى، تنبض بضوءٍ خافتٍ بلون الرماد الساخن.
كانت كلمات محفورة بلغةٍ لا أعرفها، لكن قلبي فهمها دون ترجمة، كأنها مكتوبة في داخلي منذ زمنٍ بعيد.
> "كل ذكرى... هي باب، ومن يفتحه لا يغلقه أبداً."
حين قرأتُها، أحسستُ أن شيئًا ما انفتح فعلاً.
رأيتُ صورًا تتلألأ في الهواء أمامي: وجوهٌ منسية، ضحكاتٌ نصفها حقيقي ونصفها بكاء، يدٌ صغيرة تمسك بيدي ثم تختفي في الظلام.
لم أستطع التمييز بين ما أراه وما أتذكّره، فقد صار الاثنان شيئًا واحدًا.
سرتُ بخطواتٍ ثقيلة نحو تلك النقوش، مدفوعةً بشيءٍ بين الخوف والفضول، كأنني أعرف أن عليَّ الوصول رغم إدراكي أن الوصول سيكلفني شيئًا.
كلما اقتربت، سمعتُ الهمسات تتكاثر — تتحوّل إلى أصواتٍ متداخلة، كلٌّ منها يشبهني بصوتٍ مختلف من حياتي.
ثم بدأت الوجوه تظهر بين الأغصان.
وجوه بلا ملامح، مكوّنة من الرماد والريح، تتشكل لتعود وتذوب، لكنّها تناديني باسمٍ واحدٍ واضح:
> “سُجى… عودي…”
كان النداء مزيجًا من الرجاء والتهديد، كأنهم لا يريدون إيذائي، لكنهم أيضًا لا يسمحون لي بالرحيل.
تراجعتُ خطوة، لكن الأرض لم تعد أرضًا.
الرماد صار طينًا، والطين بدأ يتحرك كأنه حيّ، يلتفّ حول قدميّ، يشدّني ببطءٍ نحو الأسفل.
صرخت…
لا لأنني خفت، بل لأن الذاكرة انفجرت داخلي.
تذكّرتُ تلك الليلة — المطر، والرائحة المعدنية للدم، والباب الذي أُغلق خلفي إلى الأبد.
تذكّرتُ كل شيء… أو ربما تذكّرتُ أكثر مما يجب.
---
سقطتُ.
لكنني لم أسقط في الحلم… بل في نفسي.
كان السقوط بلا نهاية، كأنني أهبط داخل صدري، أسمع أنفاسي تصير صدى بعيدًا، وأشعر بأن جسدي يتفكك إلى شظايا من ضوءٍ ورماد.
حين فتحتُ عيني، كنتُ ما زلتُ هناك — في السرير نفسه، والغرفة نفسها، والظلام نفسه، لكن شيئًا واحدًا تغيّر.
كانت هناك بصمة رمادٍ سوداء على صدري، واضحة، تشبه تماماً شكل اليد التي أمسكت بي في الغابة.
ترددتُ لحظة، ثم مددتُ أصابعي ألمسها.
ما إن فعلت، حتى شعرت بحرارةٍ غريبة تسري في دمي، حرارة تشبه النبض… لكنها ليست نبضي.
الضوء الخافت في الغرفة بدأ يتغيّر، والهواء صار أثقل، وكأن الغرفة كلّها تنبض معي.
يا من حاولتِ الهرب من الظلّ.”
توقفت أنفاسي.
كنتُ أسمع الهمس كأنه يخرج من قلبي نفسه.
في تلك اللحظة، أدركتُ أنني لم أعد وحدي…
وأن الظلّ الذي رأيته هناك — قد تبعني إلى هنا