الفصل الرابع
اتاها صوت هادئ من الخلف :
– «اهدئي… لا تطلقي النار، أنا معكِ.»
التفتت بسرعة… لقد كان هو.
"جاسر" يقف خلفها، بوجهٍ لم يظهر عليه الخوف، بل التحدّي.
– «ما الذي تفعله هنا؟»
– «سؤال جيد… كنت أبحث عن الفتاه.»
– «كيف عرفت عن الأمر؟»
اقترب منها خطوة، وقال:
– «لأنني أنا من أرسل البلاغ…»
نظرت إليه بذهول.
– «ماذا؟»
– «الفتاة ليست مفقودة… بل مخطوفة. وأنا أعرف أين يمكننا العثور عليها، لكنني لم أستطع فعل ذلك وحدي. وكنت أعلم أنكِ لن تتجاهلي نداءً كهذا.»
لم تكن تدري ما إذا كانت تصدّقه… لكن عيناها صدّقتاه قبل عقلها.
ثم قال فجأة:
– «ثقي بي، ولو لمرة.»
كان في صوته رجاءٌ خفيّ، وفي نظرته صدقٌ أربكها.
وبلا وعي، وجدت نفسها ترد:
– «أرشدني.»قادها "جاسر" عبر الأزقة الضيّقة في أطراف المدينة، حيث تتشابك الأبنية العتيقة وتضيع الأصوات في ضجيج الصمت.
قال وهو يشير إلى أحد المباني:
– «الطفلة هناك. في الطابق السفلي… هناك مخرج خلفي، وقد يكون معهم سلاح.»
نظرت إليه بشك:
– «وكيف حصلت على هذه المعلومات؟»
أجاب بهدوء مربك:
– «دعينا نقول إن لي مصادر لا يمكن الإفصاح عنها... الآن الوقت لا يسمح بالأسئلة.»
تأملته للحظة، ثم أومأت برأسها.
– «سأتقدم، وأنت كن خلفي.»
تسللت "لارين" بخفّة بين الظلال، سلاحها في يدها، وعيناها تراقبان كل حركة. أما "جاسر"، فكان خلفها مباشرة، يراقبها بصمت، وفي قلبه صراع لا يهدأ.
وصلت إلى الباب الخلفي، فاستمعت لثوانٍ... همسات، أنفاس مرتجفة، صوت بكاء مكتوم.
أشارت لجاسر، ثم دفعت الباب بركلة مفاجئة.
صرخ رجل من الداخل، وبدأ بإشهار سلاحه، لكنها كانت أسرع.
صرخت بأمر حازم:
– «ارفع يديك! الشرطة!»
في لحظة خاطفة، اندفع جاسر من خلفها، وطرح الرجل أرضًا بضربة قوية، ثم قيده باستخدام حبلٍ كان في جيبه.
هرعت "لارين" نحو الزاوية، حيث كانت الفتاه مختبئة، تبكي بصوت مكسور.
جثت بجانبها، واحتضنتها برفق:
– «لا تخافي... أنتِ بخير الآن.»
رفعت الطفلة عينيها، ونظرت إلى "لارين" بنظرة امتنان، ثم إلى "جاسر"، الذي ابتسم ابتسامة خفيفة وهو يقول:
– «أخبرتكِ أنني لن أكذب.»
خرجوا جميعًا من المبنى، والهواء البارد في الخارج بدا وكأنه يغسل عنهم شيئًا من التوتر.
نظرت "لارين" إلى الطفلة، وأمسكت يدها برفق:
– «ما اسمكِ؟»
– «سِما...»
– «هل أنتِ مصابة؟»
هزّت الطفلة رأسها نفيًا، ثم ألقت نظرة طويلة على "جاسر"، كأنها ترى فيه بطلًا غامضًا.
---
بعد ساعة، أوصلوا الفتاه إلى مركز الشرطة، حيث تم استدعاء ذويها.
وفي الخارج، عند مدخل المبنى، وقفت "لارين" بصمت، تنظر إلى السماء.
اقترب "جاسر" منها، وقال بهدوء:
– «شكراً لأنكِ وثقتِ بي.»
لم ترد… فقط نظرت إليه، وقالت:
– «لا أزال لا أثق بك.»
ابتسم، وقال:
– «ربما يومًا ما...»
ثم استدار لينصرف، لكنها نادته:
– «جاسر…»
توقّف دون أن يلتفت.
– «إن كنت ستظهر في حياتي فجأة، فاحذر... لأنني لا أرحم من يخذلني.»
قال دون أن يلتفت:
– «وأنا لا أملك رفاهية خذلانك.»
وغاب في الظلّ، بينما ظلّت "لارين" واقفةً، وقلبها ينبض بشيء جديد... مزيج من الريبة، والارتباك... وشيءٍ خفيّ يشبه الأمل.---
في القصر، حيث تصطف الأعمدة الرخامية وتخفت الأضواء كأنها تشارك الأسرار، كان هناك "رجل مسن" جالسًا أمام المدفأة، يحدّق في ألسنة اللهب كمن يقرأ فيها نبوءة.
دخل "جاسر" بخطى هادئة، لكن والده لم يلتفت، فقط قال بصوت عميق:
– «علمت أنك أنقذت الطفلة.»
– «أجل.»
– «ومع من؟»
– «لارين.»
– «ها… اسمها بدأ يخرج من فمك دون حذر.»
اقترب "جاسر" قليلاً، وقال بجمود:
– «كانت عملية إنقاذ. لا أكثر.»
– «بل كانت نقطة ضعف جديدة.»
نهض "الرجل" ببطء، واقترب منه، عيناه لا ترمشان.
– «لقد آن الأوان، يا جاسر… الخطة ستبدأ. وسأضعك في عمقها. لا مجال للعودة.»
– «أي خطة؟»
– «ستُكلّف بمهمة تقرّبك أكثر منها… سترافقها رسميًّا، بصفة ضابط ارتباط من جهاز آخر. ستكون ظلها... وحين تصل إلى قلبها، ستأخذ ما نريد.»
– «وما الذي نريده؟»
ابتسم الأب بسخرية:
– «روحها… وسجلّ التحقيقات الكامل في قضية مذبحة الجنوب. كل ما خبأته منذ الطفولة، ستخرجه حين تأمن لك. وهذا لن يحدث إلا إن أحبتك.»
حدّق فيه "جاسر" بصمت، كأن في صدره شيء يُكسر ببطء.
– «وإن لم أستطع؟»
– «بل ستستطيع… لأنك إن لم تفعل، ستدفع الثمن. أنت تعلم أن ثمن الفشل لدينا لا يُدفع بالنقود.»
ثم ناوله ظرفًا مغلقًا.
– «سجّل دخولك إلى وحدتها غدًا صباحًا. لقد تم الترتيب لكل شيء. ومن الآن… أنت ذئب يرتدي قناع الحمل.»
---
في صباح اليوم التالي، وبينما كانت "لارين" تراجع ملفات التحقيق في مكتبها، طُرق الباب.
– «ادخُل.»
فُتح الباب، ودخل ضابط يرتدي الزيّ الرسمي، يحمل أوراقًا في يده، وابتسامة لا تخلو من الغموض.
رفعت رأسها، وإذا بها تتجمّد.
– «جاسر؟!»
– « … تم تكليفي بمرافقتكِ في القضايا المشتركة، بقرار من القيادة العليا.»
نهضت من مكانها، وقالت بصدمة:
– «أهذه مزحة؟»
ناولها الأوراق:
– «الأوامر الرسمية أمامكِ… والرفض ليس ضمن الخيارات.»
تأمّلته، وفي عينيها خليط من الشك، والارتباك، والقلق.
قالت ببطء:
– «لم أعد أعرف من تكون… لكنني سأراقبك عن كثب.»
اقترب خطوة، وهمس:
– «وأنا لم أتوقّف عن مراقبتك… منذ لحظة لقائنا.»
استدارت عنه بسرعة، تخفي ذلك الارتعاش الغريب في صدرها.
أما هو، فابتسم ابتسامة خفيفة… لكن قلبه لم يبتسم.
لأوّل مرة، بدأ يشعر أن اللعبة التي ظنّها سهلة… بدأت تحرق أطرافه.في اليوم نفسه ، تلقّت "لارين" بلاغًا عاجلًا:
مشتبه به خطير، له صلة بأحداث المذبحة القديمة، شوهد في أحد الأحياء المهجورة شرق المدينة.
خرجت على الفور، وكان "جاسر" خلفها، يسير بخطى ثابتة، يحمل سلاحه، لكن نظره كان مشغولًا بوجهها أكثر من الطريق.
داخل المركبة، ساد الصمت، حتى قطعه صوتها الحاد:
– «حين نصل، التزم بتعليماتي. لا أحتاج إلى فوضى.»
ردّ دون أن ينظر إليها:
– «أنا هنا بقرار رسمي… لكن لا بأس، سأتّبع أوامرك، ما دامت منطقية.»
رمقته بنظرة جانبية، وقالت بتهكم:
– «غريب أن تكون مطيعًا فجأة.»
– «وغريب أن تثقي بي ولو للحظة.»
صمتت، لكنها لم تنكر أن كلماته تركت صدى خفيًا في عقلها.
---
وصلوا إلى المبنى المهجور.
الباب الأمامي مخلوع، والهدوء مرعب. أشارت "لارين" إلى الخلف:
– «سنأخذ المدخل الجانبي. أنت خلفي.»
دخلا بصمت. الأرضية تصدر صريرًا تحت الأقدام. من الطابق العلوي، سُمع صوت خافت… كأن أحدهم يتحدث.
رفعت "لارين" سلاحها، همست:
– «ثلاثة أصوات… واحد يتحرّك باستمرار. سنصعد بحذر.»
بينما كانا يصعدان، انزلقت قدم "لارين" على قطعة خشب مفكوكة، وكادت تسقط، لكن يد "جاسر" أمسكتها بسرعة، وجذبها نحوه.
للحظة قصيرة، وقعت نظراتهما في شركٍ لا فكاك منه.
همس:
– «لو سقطتِ، لن أتمكّن من إنقاذك كل مرة.»
أبعدت نفسها بقسوة، وتقدّمت دون أن ترد.
---
فوق، كانت الغرفة شبه مظلمة. فتح "جاسر" بابها فجأة، وفي الداخل كان رجل يرتدي قبعة، يُجهّز شيئًا على الطاولة. التفت إليهما، وسرعان ما أشهر سلاحه.
لكن "لارين" كانت أسرع هذه المرة…
انطلقت رصاصة في الهواء، اخترقت كتفه، وسقط أرضًا يتلوّى.
ركضت نحوه، وقيدته بإحكام.
همست في أذنه ببرود:
– «أنت ستتكلم… شئت أم أبيت.»
---
في الخارج، بعد انتهاء المهمة، وبينما كانت الشمس تميل نحو الغروب، وقفت "لارين" قرب السيارة، تراقب الأفق.
جاء "جاسر" من الخلف، وقال:
– «كنتِ سريعة… ودقيقة.»
– «لا أحتاج إلى شهادة منك.»
اقترب قليلاً، نبرته هادئة هذه المرة:
– «لكنكِ تحتاجين إلى حليف… وأنت تعلمين ذلك.»
– «لست متأكدة بعد… إن كنت حليفًا أم ذئبًا متنكرًا.»
اقترب خطوة أخرى، ونظر إليها مباشرة:
– «أحيانًا، حتى الذئاب… تُحب.»
تجمّدت نظراتها، لكنها تراجعت بسرعة إلى قناع البرود.
– «لا تخلط الأمور، جاسر. أنا لا أبحث عن عاطفة… بل عن الحقيقة.»
– «وإن تبيّن أن الحقيقة تؤلمك؟»
– «سأواجهها… حتى النهاية.»
---
في تلك الليلة، فتحت "لارين" حاسوبها المحمول، وبدأت تراجع ملف "جاسر "…
لكن المفاجأة كانت هناك:
صفحة مفقودة… وسطر مشفّر… واسم لم يظهر من قبل:
"عمليّة: شفق الجنوب"…
ارتجف قلبها، وهمست:
– «ما الذي تُخفيه عني يا جاسر؟»