ارض زيكولا 2 - الفصل 3 - بقلم توفيق الجحيفي | روايتك

اسم الرواية: ارض زيكولا 2
المؤلف / الكاتب: توفيق الجحيفي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 3

الفصل 3

فانطبعت الدهشة على وجه خالد , و تسرب إليه قلقه حين شعر أن ذكاءه قد قلّ بالفعل منذ دخوله تلك المدينة , و أن قدرته على التفكير قد قلّت قليلاً ..و لا يعرف السبب .. و لكن ما يقوله يامن لا يصدقه عاقل حتى تذكر شيئاً .. فتحدّث إلى يامن : - كلامك مش صحيح .. أنا أكلت و شربت و اشتريت هدومى من غير مقابل .. فابتسم يامن : - صديقى .. هل لاحظت وجود الأسعار بالوحدات فى تلك الأماكن ؟ .. فتذكر تلك الوحدات التى سأل نفسه عنها من قبل : - أيوة فأكمل يامن : - وحدات الذكاء لا تُدفع باليد .. إنها تنتقل تلقائياً بيننا .. و طالما رأيت تلك الوحدات .. أقصد الأسعار , و تواجدت فى تلك الأماكن .. هذا يعنى أنك موافق على الشراء و على الأسعار التى رأيتها .. و ينتقل منك ثمن ما أكلته أو اشتريته إلى صاحب هذا المكان دون إرادتك .. الغرباء يسمونها لعنة زيكولا .. فقاطعه خالد هائماً : - أنا أكلت كتير .. و الزى ده كان مكتوب عليه أكبر وحدات .. و صاحبه قال إنه أغلى زىّ عنده .. و شكرنى لأننى غنى .. رد يامن :- بالفعل يا صديقى .. لقد لاحظت اليوم اختلافك قليلاً عن المرة الأولى التى رأيتك بها .. ثم نظر إلى إياد : - يبدو أن صديقنا قد فقد جزءً ليس بالقليل من ثروته ... تساءل خالد فى لهفة : - و أنت عرفت ازاى ؟ فابتسم يامن :- إن وجهك أصبح شاحباً بعض الشئ يا صديقى .. و أكمل : - كلما قلّ ذكاؤك زاد شحوب وجهك و بدا عليك المرض .. هكذا نعرف من هو الغنى و من هو الفقير .. كلما تكسب ثروة تكون طبيعى بل يزداد شبابك .. أما حين تخسر فستجد المرض يتسرب إلى جسدك .. و هكذا حتى يقترب يوم زيكولا فيقوم الجنود بجمع الأكثر مرضاً بالمدينة .. و يُعرضون على الطبيبة أسيل .. و هى من تحدد المريض حقاً و المريض بالفقر .. ثم تختار الثلاثة الأشد فقراً .. فقاطعه خالد : - لا , دى بلد مجانين .. ثم تركهما و جرى مسرعاً .. و قلبه يدق خوفاً , يخشى أن يكون ما قالاه واقعياً .. و أكمل جريه وسط الزحام - و أهل المدينة يرقصون و يمرحون , و بلغت الموسيقى ذروتها - يتحرك بصعوبة بينهم , و يحاول أن يخرج من هذا الزحام .. و يصطدم بالفتيان و الفتيات دون أن يعتذر .. ما يشغل باله أن يخرج إلى باب زيكولا .. و واصل جريه بعيداً عن أرض الاحتفال .. و يحدّث نفسه : - مش معقول يكون ده صحيح .. مش معقول .. و تعدو قدماه مسرعتين .. حتى اقترب من باب زيكولا , و قد ظهر العرق الغزير على جبينه .. فوجده قد أُغلق بالفعل و تواجد أمامه الكثير من الحرّاس .. فاقترب خالد من أحدهم ,كان ضخم الجثة .. و قال : - أنا عايز أخرج .. فضحك الحارس ساخراً : - تخرج ؟!! فصاح خالد : أيوة .. أخرج فضحك الحارس مجدداً .. ثم نظر إلى حارس آخر , و حدّثه : - إننا نترك احتفالات زيكولا و نقف هنا حتى يأتى السكارى .. و يعبثون معنا .. فصاح خالد : - أنا مش سكران .. أنا هخرج .. و دفع الحارس بيده .. فظهر الغضب على وجهه ثم لكم خالد لكمة قوية أعادته خطوات للخلف و سقط على الأرض و سالت دماؤه من حاجبه الأيسر .. فنهض على الفور , و عاد و وقف مرة أخرى أمام الحارس .. و لكنه نظر إلى درعه الذى يحمله و كان لامعاً كالمرآة .. و أمعن النظر به إلى صورته المنعكسة .. فاتسعت عيناه خوفاً , و تسارعت أنفاسه و خفق قلبه بقوة حين رأى وجهه شاحباً .. حتى قاطع تفكيره صوت الحارس الغليظ : - عد إلى حيث كنت و إلا سيكون السجن مصيرك .. فنظر إليه خالد خائب الأمل , واضعاً يده على حاجبه .. يريد أن يوقف دماءه .. و أدرك أن هذا الباب لن يُفتح كما أخبره إياد .. و أن حديث يامن إليه ما هو إلا الحقيقة التى خشيها .. بعدها عاد إلى شوارع المدينة .. يسير هائماً , يفكر كيف سيعيش عاماً فى تلك البلد الملعونة .. و يسأل نفسه ؛ عام ؟! .. إنه لم يستطع أن يعيش يوماً واحداً .. و عاد بتفكيره ؛ ماذا لو مرّ العام و كان أفقر من بالمدينة ؟ .. ماذا لو كان الأغبى ؟ , و علا صوته و سأل نفسه : - و جدّى ؟! هيقدر يعيش سنة من غيرى ؟ .. أنا كنت بقول يومين أو تلاتة و أرجع له .. - سنة ؟!! هعيش هنا سنة ؟! و ظل هائماً هكذا حتى أفاق حين صدمه حصانٌ , كان الحصان الذى يجر العربة الثرية - عربة أسيل - فصاح به سائقها يعنفه .. و توقفت العربة , و نزلت منها أسيل على الفور لتطمئن عليه .. و لكنه غادر شارداً .. و رغم نداءها إليه كثيراً فقد أكمل مسيره دون أن يلتفت .. فعادت إلى عربتها, و حدّثت نفسها : - لو كان شخصاً آخر .. لطلب تعويضاً على ذلك .. ثم أمرت السائق أن يتحرك من جديد .. مرت ساعات و خالد مازال يسير بالمدينة .. و لم يتوقف عقله عن التفكير .. حتى وجد نفسه يقترب من بحيرة واسعة .. فأسرع إليها و حين تذوق ماءها وجده عذباً .. فشرب منها كثيراً .. ثم أسند ظهره على شجرة بجوارها .. و ضحك حين جال بخاطره أن يأتى والد منى إلى تلك المدينة .. و أقسم أنه سيذبح على الفور .. حتى منى لو جاءت ستُذبح هى الأخرى .. يتذكر أصدقاءه و أنهم لا يمتلكون من الذكاء شيئاً بل سيذبحون كلهم .. ثم ضحك و حدّث نفسه ساخراً : - عايز آكل مقابل وحدتين ذكاء .. ثم ضحك مجدداً حين تذكر أحد أصدقائه .. و كان سميناً للغاية و يأكل كثيراً .. و أنه لو كان بزيكولا لفقد ثروته كلّها مقابل أن يأكل .. ثم تحدث إلى نفسه : - بتضحك يا خالد .. فعلا مصرى ابن مصرى .. نضحك فى أشد أوقات الكرب .. ثم سأل نفسه : - هتعمل إيه يا خالد ؟ فأجاب نفسه .. و كأنه شخص آخر : - هعيش زى الناس هنا .. أنت قدامك حل تانى ؟ فردّ كأنه الشخص الأول : - لا .. فابتسم .. و جعل صوته غليظاً : - يبقى تكيّف مع الوضع .. و أهلا بك فى زيكولا .. بعدها نظر إلى السماء التى خيّم عليها الليل فوجد ألعاباً نارية غريبة عما يعرفها تزينها , فابتسم : - يوم زيكولا .. ثم أكمل بعدما صمت برهةً: - كلها ساعات و ينتهى .. و أشوف زيكولا على طبيعتها .. ثم نظر إلى البحيرة و إلى شاطئها فلم يجد أحداً غيره .. فوجدها فرصة أن يستحم .. و ما إن تجرد من ثيابه .. و كاد يكون عارياً تماماً حتى شعر بحركة غريبة .. و سمع همساً و بعض الضحكات فالتفت فوجد فتاتين تنظران إليه .. فارتدى ملابسه على الفور , ثم أسرع عائداً إلى الشجرة مرة أخرى و أسند إليها ظهره من جديد .. و حدّث نفسه مازحاً : - لا .. أنا بقول أنام أحسن .. مرّ الليل , و أشرقت الشمس .. و خالد نائم بجوار شجرة شاطئ البحيرة .. حتى انتفض حين سمع صرخات .. و حين نظر بعيداً وجد امرأة تصرخ بأن ابنها يغرق فى البحيرة .. فأسرع إلى الماء بملابسه .. يريد أن يصل إلى ذلك الفتى , و الذى كان بعيدا ًبعض الشئ .. و لم يتخيل أن تكون البحيرة عميقة هكذا .. حتى اقترب منه فجذبه تجاهه , و عاد به مرة أخرى إلى الشاطئ .. - و قد فقد الفتى وعيه , و لم تتوقف أمه عن الصراخ -.. فأرقده على ظهره .. و بدأ يضغط بيده على صدره .. يريد أن ينعش قلبه .. يضغط بعض الضغطات المتتالية ثم يضع فمه على فم الفتى و يملأ صدره بالهواء .. ثم يعود ليضغط بعض الضغطات مرة أخرى .. و اجتمع الناس من حوله , و بينهم أسيل التى أسرعت إلى الفتى و طلبت من خالد أن يبتعد عنه لكنه لم ينظر إليها و لم يرفع نظره عن الفتى .. و أكمل ضغطه على صدره و إعطاءه من أنفاسه .. حتى شهق الفتى .. و شعر خالد بنبضاته حين وضع أصبعيه على رقبته .. فحمد الله ثم نظر إلى أمه قائلاً : - الحمد لله .. هو بخير .. فنظرت إليه الأم باكية , و احتضنت ابنها : - شكرا لك .. ثم سألته : - كم تريد مقابل هذا ؟ فأجابها : - أنا مش عايز حاجة .. أى حد مكانى كان هيعمل كدة .. خدى بالك منه بعد كدة .. , والناس ينظرون إليه فى غرابة .. حتى سألته أسيل : - كيف فعلت هذا ؟! .. و لماذا لم تتركنى أساعدك ؟! فرفع خالد رأسه .. و نظر إليها للمرة الأولى بعدما لم يفارق نظره الفتى حين كان ينقذه , و فوجئ بأنها صاحبة الصوت الذى طلب منه أن يتركه .. فشعر بقلبه يخفق سريعاً حين وجدها قريبة منه إلى هذا الحد .. لا تفصلهما سوى أقل من خطوة .. و حدّث نفسه فى سره ؛ أنها جميلة جمال لا حدود له , و نظر إلى شعرها الأسود الطويل , و عينيها الضيّقتين و رموشهما السمراء الطويلة .. و تذكر ضحكتها حين كانت ترمى الورد , و تضيق عيناها كلما ضحكت فتزيد جمالها جمالاً , و لاسيّما مع شفتيها الرقيقتين .. حتى نطق هامساً : - أسيل !! .. ففوجئت هى الأخرى بأنه من تجاهلها , و مضى حين اصطدم حصان عربتها به .. فسألته : - كيف فعلت هذا ؟ فضحك : - أول مرة أحس إنى اتعلمت حاجة مفيدة .. دى دورة اسعافات أولية كنت اتعلمتها فى القاهرة .. ثم أسرع , و أخرج وردة من ملابسه المبتلة .. و التى قد التقطها فى اليوم السابق .. و نظر إليها مبتسماً : - دى وردتك .. أنا محتفظ بيها .. فتجاهلت حديثه عن الوردة .. و سألته : - لماذا لهجتك غريبة .. ثم أكملت : - و أين القاهرة تلك ؟ فابتسم : - دى قصة غريبة جداً .. و أكيد مش هتعرفى القاهرة .. أنا مش من زيكولا .. ثم أراد أن يتحدث إليها بلهجتها فأكمل : - لست من زيكولا .. و قد دخلت إلى زيكولا أول أمس .. و لم أكن أعرف أن بابها سيُغلق .. فصمتت أسيل كأنها تتذكر شيئاً ما .. ثم نظرت إليه , و قالت : - مثلى تماماً .. يتبع...