نبضات عبر الزمن ( اول رواية مكتملة لي في حياتي) - الفصل العشرين : - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: نبضات عبر الزمن ( اول رواية مكتملة لي في حياتي)
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل العشرين :

الفصل العشرين :

الجمت الصدمة أمينة وجعلتها تطبق فمها وتلتزم الصمت بينما استأذنت منها هالة ودخلت الى الصالة حيث قضت اليوم كله الى جوار زينة وشيماء ، تتجنب نظرات أمينة الحارقة التي لاتنكر انها تأثرت بكلام هالة قليلا لكنها ومع ذلك لاتريد لابنها ان يخسر فرصته وحقه . لايمكن لابن منيرة ان يأخد منه كل شيئ . في الخارج كان عماد هو الاخر ، جالس الى جانب كريم في صمت مطبق وإلى جانبه ايضا والده وهاب وعمه توفيق . كان يفكر في كلام والده قبل ساعة عندما اخبره عماد ان لايطلب منه العودة الى المنزل فاخبره وهاب أنه لايريد منه العودة أساسا وانه سعيد لأنه خرج من ذلك البيت اللعين قبل أن يتدمر . اخبره أنه فقط يريد منه ان يتذكر ان لديه والده ويمكنه أن يطلب منه المساعدة في الوقت الذي يشاء. فليس معنى أنه غادر القاهرة يعني أن وهاب لم يعد والده . كما اخبره أنه فخور به لأنه فعل الشيئ الذي لم يستطع هو فعله سابقا . واعتذر منه لانه لم يستطع ان يدافع عنه كما يلزم امام جده . طلب منه ايضا ان يعيش حياة سعيدة برفقة زوجته بعيدا عن كل تلك المشاكل وان لايفكر في اي احد فلقد جاء الوقت الذي عليه ان يكون أنانيا ويفكر بنفسه وحياته فقط. زينة التي كانت واقفة الى جانب زوجها امسكت يدي هالة كي تودعها . فلقد تأخر الوقت ويجب عليها العودة مع عماد الى بيتهما خاصة ان الطريق يستغرق من هما بعض الساعات . زينة بأسف والحاح " لو فضلتي هنا ياهالة ايه رايك ؟ ترا عادي لو بتي الليلة دي هنا انتي وعماد." قالت ذلك وهي تنظر إليها ثم الى عماد الواقف خلفها ربتت هالة على يدي زينة وبابتسامة مطمئنة صغيرة وقالت" عارفة يازينة ...بس مش هقدر ، انتي عارفة حالنا ...وعماد عنده شغل.  " وأضافت عندما لاحظت عبوس زينة الذي تجلى في ملامح وجهها شديد الارهاق " لكن بوعدك انه هنزل بأول فرصة لعندك ...ولو عايزة تكلميني إسئلي شيماء عن رقمي . " عضت زينة شفتيها بتفكير ثم ارضخت لذلك قبل أن تبتسم بتعب وامتنان " شكرا ياهالة ...شكرا يارفيقتي" ابتسامة تلقائية ارتسمت على شفتي هالة بعد ان سمعت تلك الكلمة ( رفيقتي) وكأنها عادت بالسنين الى الوراء . كم مر منذ آخر مرة سمعت فيها تلك الكلمة ؟ مدة طويلة بلا شك فهي قد بنت حولها جدارا سميكا حال دون حصولها على الاصدقاء والاكتفاء بزملاء العمل و الدراسة لو أحتاجت الى مساعدتهم في يوم من الايام . فهي كانت قد تعلمت منذ حادثة خيانة زينة لها أنه لايوجد مايسمى بالصداقة الحقيقية في العالم وانه كي تحمي نفسها يجب عليها الابتعاد عن ذلك . هزت هالة رأسها وقالت " بشوفك قريبا ...اهتمي بنفسك كويس" ثم هزت راسها باحترام لكريم ، الذي هو الاخر رأسه ثم قال وهو يوجه كلامه الى عماد " أهتم بنفسك ياعماد ...وماتنساش كلامي" ابتسم عماد ورد " أيوه ياكريم ...بتبقوا على خير " ثم اخد بيد هالة وسارا ناحية السيارة . فور ان صعدا ، وضعت هالة حزام الامان ثم اسندت براسها على الكرسي بحركة تلقائية مسترخية. عماد وهو يشغل المحرك للانطلاق سأل هالة دون النظر إليها بحنو " تعبانة؟" ابتسمت هالة " شوية"' " تمام ارتاحي ...يادوب الساعة عشرة نكون وصلنا البيت باذن الله . " هزت هالة رأسها بالايجاب بينما اخدت تنظر عبر زجاج السيارة الى المناظر الليلية في صمت قطعته بعد لحظات " عارف ياعماد ..." همهم عماد متسائلا وهو يقود " لو حدي قالي أنه هيجي يوم أضحك فيه لزينة وكأنه حاجة ماحصلت وأسالها عن احوالها ماكنتش هصدقه " وضحكت " بس اليوم ...حسيت وكأنه كل زعلي وحقدي منها إختفى ، كأنه نسيت كل حاجة حصلت بينا ورجعنا صافيين من جيهة بعض . " وبحماس " متخيل أنه قضينا اليوم بطوله نحكي سوا ونفضفض لبعض وكأنه رجعنا بالسنين لورا يوم كنا اعز واحب الاصحاب." عماد بابتسامة " ده علشان شفتيها في محنة وقلبك حن عليها"' هزت هالة رأسها بتأييد "أيوه ياحبيبي كلامك صح" " ماكنتش هقدر اتجاهل أنه جدتها ماتت ومأحضرش العزا بس لأنه بينا عداوة قديمة."" انت ماشفتش ازاي كانت بتتعامل معاي وتحكي ...وكأنها مش زينة لي نعرفها خالص" ضحك عماد على تعليقها الاخير وضحكت هي ايضا . قبل أن تتذكر شيئا ما ، نظرت اليه بسرعة بنظرات غريبة جعلته يتردد ويسألها بدهشة " مالك ياحبيبي؟" هالة بهدوء مخيف" في حاجة حصلت لما قابلت اهلك اليوم؟" ابتسم عماد من قدرتها العجيبة على تغيير المواضيع بسرعة قياسية . لقد كانت تتحدث للتو عن علاقتها بزينة كيف تحول انتقل الموضوع اليه الان. " ماحصلتش حاجة " أجاب ببساطة نظرت له بامتعاض ، فتابع وهو يأخد يدها بيده يرفعها الى شفتيه ويقبلها بحنان "والله ياحبيبتي مافي حاجة ، انتي عارفة أمي . هتقول أنه لازم ارجع البيت وانه انا هدمر نفسي وهدمرهم معايا ...يعني حاجة مش جديدة وصرت متعود عليها . " " زعلان منها ؟ هي ام بالاخير وهتفكر بمصلحة ولادها وعيلتها." " لا ! أكيد مش هزعل منها " " طب عايز ترجع ياعماد ؟" " على فين ؟ للبيت؟" " أيوه" " لا " رد بجدية " مش هرجع !" " وحقك ؟ جدك قال أنه هيحرمك من كل حاجة لو مارجعتش" " مش مهتم ! ومش عايزه ...لو هو هيدمرني وهيدمرك معايا هعمل بيه ايه؟" وبمنتهى الجدية والثبات تابع كلامه ، كانت هذه هي المرة الاولى التي ترى هالة في عينيه شيئا مختلفا . كانت عيناه تشعان ببريق مختلف عن العادة ، مزيج من الأصرار والثقة والقوة . " انا مش عايز حاجة في الدنيا دي غير اني أعيش مرتاح معاكي . اعمل اللي عايزه اخد قراراتي بنفسي واتحمل مسؤوليتها سواء كانت صح ان غلط .اتعلم من اخطائي واطور نفسي بنفسي بدون مااسمع اهانات او مقارنات من اي احد . أعيش بالطريقة يلي أنا شايفهة مناسبة ومريحة بالنسبالي . ابتسمت هالة بسعادة وشعرت بالفخر به . تمنت في تلك اللحظة لو ان باستطاعتها معانقته لكنه كان يقود.  كان هذا ماارادت ان تسمعه منه . كانت تريد أن تراه يستقل عن الجميع وينجح بالطريقة التي يراها مناسبة له. " وانا معاك ياحبيبي" قالت بدعم قبل يدها مرة أخرى والتي لم يفلتها منذ امسكها "الله يخليكي ليا ومايحرمنيش منك أبدا " هالة بمزاح ودلع " طب هنوصل امتى انا تعبانة؟" ضحك عماد ورد " والله لو فضلت اسوق على مهلي كدة هنوصل في آخر الليل على أقل تقدير." " طب زود السرعة شوية مش عايزة ابات برا ...او اقلك بلاهة سوق على مهلك احسن !" مرت الساعتان عليهما في هدوء وصمت فهالة قد غرقت في النوم بينما كان عماد يقود السيارة التي اوقفها خارج منزل عمته . استدار قليلا بعد ان نزع حزام الامان لايقاظ تلك الغارقة في النوم وكم كان ايقاظها غاية في الصعوبة ماجعله يفكر في حملها والصعود بها.  لكنها فتحت عينيها في آخر المطاف بتعب وسألته وهي تتثائب " احنا وصلنا؟" رد عليها هو وهو يمسح على وجهها بحنان ويبعد الخصلات الملتصقة به ثم ينزع عنها حزام الامان " أيوه ياحبيبي ...خلينا ننزل بسرعة علشان تكملي نومك " بدت متكاسلة ومرهقة جدا ، فتح لها عماد باب السيارة وسحبها بلطف الى الخارج. ألقت نظرة الى المنزل الذي اخدت الأضواء الخافتة تنعكس عليه وبتذمر قالت " مش قادرة امشي!" عماد بتفهم " عارف ياحبيبتي انك تعبانة بس ندخل" نظرت هالة الى البيت و الطريق مرة أخرى ثم الى عماد وقالت باعتراض " لا مش قادرة" عماد وهو يحاول تفهمها " هالة..." فتحت هالة ذراعيها واردفت ببساطة " احملني ...مش قادرة امشي خالص" نظر إليها عماد بصدمة للحظات ، ثم زفر بقلة حيلة واقترب منها كي يحملها لكنها دفعته معترضة باستياء جعله ينظر لها بغيظ " لا مش عايزة كدة! احملني على ظهرك!" زفر عماد مرة أخرى ثم انحنى بقامته الطويلة قليلا كي يحملها ، فقفزت هي على الفور تلقي بثقلها كله عليه.  " امسكيني كويس " هالة بسعادة وحماس تشبه سعادة وحماس الاطفال الصغار"مش هقع ماتخافش! " قالت ذلك وهي تحيط رقبته بذراعيها . رفعها عماد مرة أخرى كي يتأكد من عدم ايقاعها ثم سار ناحية المنزل بخطوات متأنية يستمع الى ثرثرتها وهي تخبره " عارف اني على طول كنت عايزة اجرب شعور اتحمل كدة ...زي المسلسلات " ماجعله يفكر ان كانت متعبة فعلا ام لا.  " لا مش عارف" أردف بمرح تحول الى استياء وغيظ وهو يصيح فيها قليلا " هالة بالراحة هتخنقيني " عندما شددت من ذراعيها عليه . هايلة بذهول " بجد ؟! اسفة ياقلب هالة حقك علي!" ابتسم عماد في تلك اللحظة ، وهو يفكر كيف يمكن لامراة ناضجة وقوية مثل هالة أن تتحول الى طفلة صغيرة في بعض الأحيان . حديثها بتلك النبرة اللطيفة الحالمة ، وتصرفاتها الطفولية اللامبالية تجعله يشعر برغبة عارمة في حماية من اي شيئ يمكن أن يجابهها في هذه الحياة . سألته هالة بفضول " احنا هنصحي كل لي في البيت علشان ندخل ؟" ضحك عماد بسخرية وقال " أكيد لا ! عمتي قبل ما نسافر عطتني نسخة من مفتاح البيت علشان لو وصلنا متأخر . " ثم أضاف بتذكر " المفتاح بالجيب ياهالة طلعيه لو سمحتي " " تمام !" وبتحذير اضافت " بس احملني كويس مش عايز اقع " عماد بتأكيد " تمام !" سحبت هالة احدى ذراعيها من على رقبته وأخدت تبحث في جيوب المعطف الذي يرتديه " لايهالة مش بالجاكيت ...شوفي في جيب البنطلون" هالة بعصبية خافتة "لو قلت من الاول ...مش لاقية حاجة " " دوري كويس ياحبيبي " " عم دور ياعماد بس مش لاقياه ...يا! عماد ارفعني كويس حاسة حالي هقع بجد!" " عم برفعك ياهالة...بس إيدي تعبت شوية " قال بغيظ " هالة انا مش ثقيلة لهالدرجة " قالت باستياء تجاهلها عماد وسألها " لقيتيه ؟" وهي تسحب يدها من الجيب بملل ""مش لاقية حاجة ...شكلك ضيعته " زفر عماد بعصبية بسبب تعبه وطلب من هالة ان تتمسك جيدا به . ثم سحب يديه التي كانت تمسك بهالة من الأسفل  يدخلها في جيبه ببحث بينما يشدد من يده الاخرى عليها.  حتى وجد المفتاح.  هالة وهي تحاول اخفاء فشلها في العثور عليه " ماكنتش عارفة إنه جيب البنطلون ممكن يكون عميق لهالدرجة." ابتسم عماد رغما عنه وقال وهو يدخل المفتاح في ثقب الباب لفتحه " أيوه ممكن " كان منهكا وهو يصعد السلالم وعلى ظهره هالة. يتمنى الدخول الى غرفته والقاء نفسه على السرير المريح حتى لو لم ينم . ابتسم في وجه عمته التي ظهرت امامهما وسعدت برؤيتهما على تلك الحالة. فلطالما كانت امنيتها ان ترى عماد مرتاحا ويتصرف على طبيعته كما هو الان مع هالة التي يبدو انها هي مصدر الراحة.  فور دخولهما ، اقترب عماد من السرير ثم انزل هالة عليه برفق.  ليسير ناحية الخزانة ياخد بيجامته يسارع ناحية الحمام ياخد دشا خفيفا تاركا هالة هي الأخرى تغير ملابسها داخل الغرفة . هالة التي كانت قد انتهت بسرعة ، القت بنفسها على السرير تلتقط هاتفها للمرة الاخيرة قبل أن تنام وفي نفس الوقت تنتظر خروج عماد الذي فتح باب الحمام بعد لحظات وأخد يسير ناحية جهته بخطوات مجهدة وتقاسيم وجهه تدل على إعيائه الشديد . هالة التي لاحظت ذلك فتحت له ذراعيها تدعوه للنوم في احضانها . فاستجاب لها على الفور بلهفة ينعم بحنانها ودفئها الاخاد يريح رأسه على صدرها بينما هي اخدت تعبث بخصلات شعره بحنو وعشوائية حتى نام . كانت ممتنة له لهذا اليوم فرغم عمله وتعبه الا أنه اخدها واعادها وقاد لساعات طويلة فقط لتفعل ماارادته وتحضر الجنازة دون أن يشكو.  ابتسمت وهي تغمض عينيها عندما شعرت بانفاسه المنتظمة تلفح رقبتها فقررت النوم هي ايضا Omar Ashour 💎: الفصل الثاني والعشرين قضت هالة الايام التي تلتها بين البحث عن عمل والتعرف على ارجاء مدينة الفيوم.  ومن جهة اخرى المساعدة في الأعمال المنزلية قدر استطاعتها . في حين كان عماد يبذل جهدا كبيرا في عمله مع عمه وجهدا آخر في عمله الاضافي . فالبنسبة اليه كان العمل في المصنع غير كافي من اجل شراء منزل او حتى كرائه في الوقت العاجل.  لذلك كان يعود مرهقا في المنزل ، حيث يجد هالة نائمة بعد ان انتظرته لوقت طويل تاركة خلفها التلفاز مشتغلا . كريم الذي قد خرج من الشركة ، ركب سيارته باتجاه منزل عائلة زينة ينوي إعادتها معه بعد ان قضت ايام العزاء واياما أخرى . فور خروجه من السيارة انتبه الى باب البيت وقد كان مفتوحا قليلا . دفعه حتى تمكن من الدخول. لكن فور دخوله جاءه صوت صراخ زينة القاسي فتحرك بتلقائيا ناحية ذلك الوغد يلكمه بقوة فقد كان يحاول الاقتراب منها لكنها كانت تدفعه بقوة بذراعيها النحيلتين . زفرت زينة بارتياح تاخد انفاسها وهي تعود للوراء تترك المجال لكريم بأن يلكم ابن خالتها الذي دق عليها الباب فظنته كريم قد أحضر لها الطعام كما اعتاد طيلة الايام الماضية وسارعت لفتحه . لكنها فوجئت عندما رأت مكانه أكثر رجل تكرهه في هذا العالم على الاطلاق . حاولت اغلاق الباب على الفور لكن محاولتها باءت بالفشل فقد كان اقوى منها . قال الرجل وهو يلهث و يحاول تغطية وجهه بيديه لحمايته من لكمات كريم الوحشية والتي تترك له اي بقعة سليمة " ماتهدى يااخويا! ...ماوقف ! انا ماعملتش حاجة ..." لكن كريم لم يترك له المجال واستمر يضربه حتى غاب عن الوعي . ابتعد عنه باشمئزاز ثم قال بنبرة حدية شديدة  وعيناه تحولتا للون الاحمر من شدة الغضب " انتي ازاي تسمحي للحقير ده أنه يدخل ؟!" زينة رغم مشاعرها المتداخلة في تلك اللحظة من خوف وصدمة ردت عليه هي الأخرى بحدة مماثلة " ايه السؤال ده؟! فاكر اني كنت هسمحله يدخل لو كنت عارفة إنه هو ؟!" زفر كريم بعصبية وقال وهو ينظر إليها بنظرات فاحصة يتأكد من سلامتها " البسي حاجة عليكي وخلينا نمشي!" " على فين ؟" كريم بتهكم " على البيت ! على فين برأيك؟ ...ولاعايزة تفضلي هنا لوحدك والحقير ده يلاقي حجته ويفضل رايح جاي لعندك ؟!" زينة بغضب " راقب كلامك ياكريم ، مش هسمحلك تكلمني بالطريقة المش محترمة دي !" تقدم كريم ناحيتها بعصبية يسحبها من ذراعها دون معارضة منها ويسير بها ناحية معلاق الملابس يأخد معطفها ثم يخرج بها من المنزل تاركا ابن خالتها يحاول النهوض بصعوبة شديدة قبل أن يغلق عليه ذلك الكريم في الداخل " الغلط مش غلطك ...الغلط غلطي لأني سمحتلك تفضلي هنا لوحدك مع انك على ذمتي !" دفعته زينة بقوتها المتبقية وقالت بحدة والشرر يتطاير من عينيها " ده لي معصب حضرة جنابك ؟! إني لسة مراتك؟!" وتابعت بسخرية أزعجته " ماطلقني ياسيدي وارتاح مني ومن مشاكلي خالص ! مش الاتفاقية خلصت ؟ جدك راضي عنك وهيسمع كلامك علشان ماتسيبوش انت كمان . يبقى ايه هي لازمة إني أفضل مراتك ؟ او ايه هي لازمة جوازنا من الأساس ؟" وصاحت في وجهه في النهاية كريم بتحذير وغضب مكتوم " انتي عم تغلطي اوي بحقي يازينة ...ومش هقول انك تعبانة و زعلانة وه..." قاطعته زينة بصياح " هتعمل ايه ياكريم ؟!هتضربني؟! هتطلقني؟! ...تفضل ! " وفتحت ذراعيها بهستيرية " الساحة خالية و الدور دورك . ماانا  لوحدي حتى لو عملت كدة مش هتلاقي حد بيوقف في وشك ويقلك فاكر نفسك مين او مين سمحلك تعمل في بنتنا زينة كدة !" تلون وجه كريم بالصدمة ، وبالحزن وهو يرى تقاسيم الألم والحسرة مرسومة على وجهها المنمش ويستمع الى صوت شهقات بكائها التي تحولت الى نحيب حاد . ما جعل المارة ينظرون إليهم وعلى رؤوسهم علامات الاستفهام . شعر كريم بالارتباك للمرة الاولى ، ولم يعلم كيف يتصرف . لم يجد نفسه سوى يطلب منها ان تهدأ لكن لم يكن لكلامه اي فائدة فقد حالة زينة المعنوية مخربة تماما . تنفس بعمق ثم سار ناحيتها يأخدها في أحضانه يطبطب عليها بهدوء وحنان لعدة دقائق قبل أن تسحب زينة نفسها تنظر الى عينيه الجميلتين بعينيها المحمرتين والمنكمشتين بسبب بكائها . وكأنها تنظر لعينيه لاول مرة منذ زواجهما . لاتستطيع ان تنكر أنها شعرت بالراحة بين يديه ولاتستطيع ان تنكر ان كريم كان بالنسبة لها الامان المعنوي والمادي والذي لم تحصل عليه منذ صغرها. اخدها الى السيارة ، كما لو كان يأخد طفلة صغيرة . ثم صعد الى جانبها على مقعد السائق يبحث بيديه عن المحارم والماء ليناولهم إليها. شكرته بخفوت . دون أن ينظر إليها أخبرها " زينة انا مش كدة ...مش أنا لي هسيب حد وهو محتاج لي ...انا مش قاسي وقلبي حجر لهذه الدرجة . كمان مش أنا لي هتجرأ عليكي سواء كنتي لوحدك أو لا . " ضحكت زينة بسخرية متألمة " يعني دوب مااكون مش محتاجاك هتسيبني ؟" كانت زينة خائفة من فكرة أن يتركها كريم أيضا ، هي ستموت لو حدث ذلك لن تستطيع العيش بمفردها . لن تستطيع ان تكمل . كريم بصدمة وعصبية " عايز إفهم انتي ازاي بتحولي كلامي بالطريقة دي؟! عايزة تبينيني وحش ليه ؟! هتستفادي ايه؟!" ضغطت زينة على قارورة الماء بيدها فكادت ان تتسبب في سكبها عليها وعلى المقعد " أكيد مش هستفاد حاجة! بس انا عم أقول الحقيقة مش طول ماتتاكد اني بقيت كويسة انت هتتخلى عني وتختفي من حياتي زي الكل ؟!" لم يستطع كريم ان يفهم قصة زينة مع التخلي ، لطالما حاول ان يفعل ذلك لكنه لم يستطع " مين قال كده؟" " انت!!" " امتى ؟...ده انا قايلك الف مرة أنه مش هتخلى عنك" زينة لم تستطع تصديقه " كلهم قالوا كده بس شوف ...في النهاية انا لوحدي " " زينة لو كنت عايز اتخلى عنك كنت من الاول ماتجوزتكيش او طلقتك دوب ماحققت لي عايزه . بس انا عملت كده؟ لا! قوليلي انا قلتلك امتى أني هتخلى عنك ؟ امتى ؟ قولي ! ده انا رغم المصايب لي عملتيها بكندا وهنا وماقلتش حاجة عن اني اتخلى عنك ." زينة بعناد " قلت ...بس مش فاكرة " " انتي كده عم تظلميني يازينة ..." زينة بشك وهي تدقق في عينيه تحاول التماس الصدق من هما " يعني انت مش ناوي تطلقني ياكريم ؟" كريم بنفاذ صبر " لا ! وبالامارة هسألك دلوقتي ولااخر مرة في حياتي ...انتي عايزة تفضلي مراتي على طول ؟ عايزة تكوني سندي وقوتي واكون سندك وقوتك وامانك وكل حاجة بدون اي مصالح او انانية؟" نظرت له زينة بعدم تصديق للحظات ثم ردت بلهفة وكأنها تتمسك بطوق النجاة " أيوه!!" زفر كريم ، وارتسمت على وجهه ابتسامة خافتة " يبقى خلينا نخلص ونغلق ام السيرة دي !" كانت هالة جالسة على طرف السرير تتحدث بالهاتف وكأنها تحاول اقناع احدهم . " والله انا كويسة ياماما ومش ناقصني حاجة !" ..... " لا ياماما مش محتاجة حاجة ، ولو احتجت انا هتصرف" ..... " هلاقي ياماما شغل باذن الله أكيد مش هفضل كده بس محتاجة شوية وقت ...ارجوكي ماتقلقيش" محادثات قليلة وأغلقت هالة المكالمة ، تضع يدها على راسها بتفكير وتعب . انها ذات السيرة منذ سفرهما من القاهرة . عائلتها قلقة جدا عليها خاصة والدتها التي لاتنفك عن اخبارها بأنها سترسل لها المال وأن والدها يمكنه أن يساعدها في الخروج الى منزل خاص بها كما تسألها عن حصولها عن عمل ام لا . كانت هالة تشعر بالضغط الشديد ، لكنها مع ذلك حاولت ان تتحمل ففكرة جلوسها في المنزل بلاعمل كانت تؤرقها ومع ذلك كتمت الموضوع داخلها وكل احاسيسها فهي لم تكن تريد أن تجعل تأنيب الضمير يعود الى عماد من جديد فذلك كان قرارها هي ويجب عليها ان تتحمل مسؤوليته . فكرت في الخروج للتنزه كي ترفه عن نفسها قليلا وتنظم افكارها لكن لم تكن لديها لاالقدرة ولا الرغبة في ذلك. لذلك سحبت نفسها وقررت النزول للاسفل كملاذ اخير . ابتسمت عند رؤيتها لعم عماد وهو يتحدث الى زوجته بجدية فادركت ان عماد قد اتى معه بلاشك لتناول الغذاء . أسرعت في النزول ، سلمت على العم ياسين ثم اخدت تبحث بانظارها عن زوجها الذي اتى في الوقت المناسب فلقد كانت بحاجة ماسة لرؤيته كي تشعر بانها ليست بمفردها وان بامكانها حل كل شيئ مادام موجودا الى جانبها.  لكن وجهها تجهم على الفور وارتفع حاجبها عندما وقفت امام عتبة باب المطبخ وهي تراهما معا . ليس مجددا ! فكرت في قرارة نفسها . لكن يبدو ان عماد هو الذي فتح المجال لأسيل هذه المرة. تقدمت وهي ترى أسيل تناول عماد الطبق الذي ملأته له بنفسها بتلك الابتسامة الخبيثة الجميلة وكأنها تفكر في اغوائه ، ثم تستعد لملأ طبقها ايضا . اقتربت من عماد الذي انتبه لدخولها  والغضب يتملكها وقالت بابتسامة مزيفة عندما رأته يبتسم لها بصفاء وكأنه لم يفعل شيئا "ايه ده ؟ هو انت جيت ياحبيبي وماعرفتنيش؟" ونظرت اليه بحدة ثم الى الطبق الذي بين يديه ثم مرة أخرى الى تلك المتصنمة في مكانها والتي لم تتوقع دخول هالة في تلك اللحظة " مشكورة يااسيل ياقلبي ده انتي قمتي بالواجب " أسيل وقد شحب وجهها وبصعوبة ردت " العفو" ثم سألتها وكأنها تحاول أن تجعل الأجواء اكثر سلاسة والامر يبدو طبيعيا " لو عايزة تتغذي انا ينفع ..." هالة باعتراض سريع ولاتزال تلك الابتسامة الزائفة مرتسمة على شفتيها " لالا ياحبيبتي ...ماتعبيش نفسك" وتابعت بحدة شديدة جعلت عماد ينظر لها باستغراب"'وبعدين انا عندي إيدي الحمد لله ولو عايزة آكل هعرف اكل نفسي بنفسي ويلي معي كمان " قالت بمغزى قررت أسيل الابتعاد فهي لاتريد ان تغرق في مواجهة مع هذه الهالة بعد ان وضعت الغطاء على القدر بسرعة وتركت طبقها الفارغ جانبا " تمام ...انا هروح اشوف ماما لو عايزة مني حاجة ...يلا سلام " هالة بوجه متجهم تقلد نبرة صوتها " سلام " وهي تفتح يدها وتغلقها كحركة للتوديع. فور ان غادرت ، استدارت هالة الى ذلك الذي يتناول طعامه وكأن شيئا لم يحدث تنظر له بغيظ .وبعصبية وحركة سريعة سحبت الطبق من امامه . نظر لها بدهشة تحولت الى استياء وقال " ليه ؟" . وبعصبية اخدت الملعقة من يده ايضا وردت بحدة خافتة " علشان تفضل مركز معايا ! ماحضرتك وكأنك مش واخد بالك انت عملت ايه " عماد بتجهم حيث لم لم تعجبه حركات هالة " وانا عملت ايه ؟" سألته هالة بنفس النبرة لكن بخفوت كي لايسمعها احد من الخارج " من امتى بتاكل انت وأسيل سوا ؟ مش المفروض تستناني أنا او تناديني علشان نتغذا سوا " عماد بدهشة " انتي بتقولي ايه ؟ انا مااكلتش معاها " " لا! كنت هتاكل معاها ...ماهي حضرتها ناوية تغذيك وتتغدى معاك بالمرة !" عماد بتحذير " هالة حبيبتي انتي عم تغلطي ...أسيل ماكانتش هتعمل كدة " هالة بذهول وهي تضرب براحة يدها صدرها " يابجاحتك وبدافع عنها عنها كمان " وتابعت بغيرة واضحة "هي مراتك ولاانا ؟! مش المفروض انا لي أبقى أغذيك او أعشيك ولاحضرتك مش قادر تطلع من دور الخطيب السابق وهي كمان !" انتفض عماد من مكانه بغضب ، وقرر المغادرة فهو لم يكن يريد ان يتعصب عليها لكن يبدو انها ستجعله يفعل ذلك في النهاية . اوقفته وهي تمسكه من ذراعه بغضب وغيرة " لا مش هتمشي ياعماد !" عماد بتجهم " بس انا مش عايز اتناقش في نفس الموضوع " باصرار " لاهنتناقش !" بحدة " هالة ..." هالة تتجاهله وتتحدث " مش ملاحظ انكم مش قاعدين تحترموا المسافة والحدود لي بينكم . "نظر لها عماد باستنكار فتابعت " ايش معنى كل مرة ألاقيها تسألك فطرت ؟ تغذيت ؟ تعشيت ؟ هتتاخر ؟ تعبان ؟ اجيبلك قهوة ؟ اجيبلك شاي ؟ ...وفي النهاية الاقيها معاك على نفس الطاولة لا ولوحدكم كمان !! " كانت تتحدث بغيرة وعصبية لم تعد قادرة على السيطرة عليهما " عماد على فكرة الموضوع صاير اوفر اوي مش قصة ابن عم وبنت عمته وخلاص ...ده انتوا لولا قدر ربنا كنتوا هتكونوا راجل ومراته!!" زفر عماد بتعب ، فقد كان يعلم ان كلام هالة صحيح وهو الاخر قد لاحظ تصرفات أسيل منذ وصوله لكنه قرر تجاهلها وعدم الاخد بها حتى لا تحدث اي مشاكل على الأقل طيلة فترة إقامته هنا . وتمنى ان ايضا لو ان هالة ايضا تتجاهلها او على الأقل تتحملها . عماد بحنو وهو يقربها منه "انتي فاهمة الموضوع غلط ياحبيبتي ...الموضوع مش كده القصة ومافيها أنه..." لكن هالة قاطعته بغيرة وانتقام وكأنها تحاول أن تجعله يشعر بمشاعرها ولو قليلا "'طب انا لو عملت كده وسألت الأسئلة لي المفروض اسألهالك انت جوزي حبيبي لحد ثاني ...لابن عمي مثلا او لكريم ابن عمك انت مثلا وقعدت معاه لوحدنا على نفس الطاولة واكلنا سوا هتحس بايه ؟ هتقول أنه القصة كمان مش كده ؟ مش انا وهو نعرف بعض كمان من زمان " نظر لها عماد بعدم تصديق تحول الى غضب تراه للمرة الاولى في عينيه . دفعها بعيدا عنه وقال باستسلام " لا انتي مش معاكي كلام خالص" ثم سار خارج المطبخ . تاركا إياها متجمدة في مكانها للحظات تستوعب ماقالته وتتاكد أنه لو كان زوجها رجل آخر كان أقل ماسيفعله أنه سيصفعها عدة مرات لتحدثها عن رجال آخرين في وجوده.  العمة التي كانت قريبة منهما لاحظت خروج عماد العاصف من المطبخ فأدركت ان شيئا ما قد حدث . اقتربت من هالة التي كانت قد جلست على الكرسي ببرود شديد . " حصل ايه يابنتي؟" سألتها بحنان وقلق " لا وعلى حاجة ياطنط ماتقلقيش " حاولت ان ترسم على وجهها ابتسامة لكنها بدت واضحة انها لاتستطيع.  " يابنتي الكبار معمولين علشان يقلقوا على الصغار ويساعدوهم " قالت وهي تجلس على كرسي آخر . نظرت لها هالة بتفكير ، تسأل نفسها ان كان من الصحيح اخبارها خاصة انها ليست من النوع الذي يفضل مشاركة مسائله ومشاكله الخاصة للاخرين . ابتسامة العمة الحانية المطمئنة جعلتها تخبرها بما حدث بينها وبين عماد باختصار . العمة التي أستمعت لها حتى النهاية دون اي احكام قالت بدون ذهول عندما انتهت هالة من السرد " بس أنا لي طلبت من أسيل تغذيه لعماد لأني كنت مشغولة مع ابوها وهو كان مبين عليه تعبان وجعان " " اش معنى ؟ ...اذا كان جيعان يغذي نفسه بنفسه ليه لازم يطلب من حد ثاني ." " ازاي يابنتي ؟ الستات في البيت و الراجل يشتغل لنفسه . " " طب كان يناديلي انا ...مراته!" " ياحبيبتي جوزك ماكنش ناوي يروح يتغذا من الأساس بس انا ضغطت عليه علشان صحته وضغطت عليه برضه يروح مع أسيل على المطبخ . وكل لي عملته أنه ملتله صحنه مش اكثر . وااده على الأكل انا يلي عملته بايدي ولاانتي بتغيري عليه مني كمان ؟" اردفت ممازحة " لا ! بس هو كان قادر يناديني علشان ناكل سوا . " قالت بعناد " يوه ياهالة! ...انا عارفاكي عاقلة وفاهمة ...ياقلبي كان جاي لعندك من الأساس بس انا قلتله خليك مرتاح وهناديكي بنفسي بس انتي صرتي تعرفي عمك اديش عنيد وبيحب الكلام . صعب يسمعلي الكلمة من اول مرة ." " يعني هو كان جاي لعندي؟ " قالت بشك " أيوه !" لم تستطع منع شعورها بالسعادة عندما علمت ان عماد يفكر بها في غيابها . وبتأنيب الضمير ايضا لانها رفضت أن تستمع له وقالت ماقالته . وقد كان هذا واضحا لعمته التي اخبرتها وهي تربت على يدها بدعم " يلا قومي يابنتي زي الشاطرة راضي جوزك قبل يرجع للشغل ، يلا ياحبيبتي !" هزت هالة رأسها ، ثم سارت باتجاه غرفتها بقلق .