نبضات عبر الزمن ( اول رواية مكتملة لي في حياتي) - الفصل الخامس عشر : - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: نبضات عبر الزمن ( اول رواية مكتملة لي في حياتي)
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الخامس عشر :

الفصل الخامس عشر :

زينة فهمت فورًا أن هالة تتحدث عن الحادثة القديمة في المدرسة، عندما أخبرت زينة المدير بأنها كانت تغش في الامتحانات رغم أنها لم تكن قد فعلت. لكن جروح الماضي كانت عميقة في قلب هالة، فظل الحقد يغلي في صدرها. شعرت زينة بالحزن، وبصوت منخفض وبأسف شديد رغم أنه لن يصل الى قلب هالة الحاقد عليها أبدا قالت "إنتي لسه زعلانة مني عشان اللي حصل؟ إحنا كنا صغار وأنا مكنتش ناضجة وقتها... مكنتش فاكراها هتكبر كدة والله العظيم " أحست هالة بأن صدرها يضيق من سماع تلك الكلمات. نظرت إليها بعينين مليئتين بالغضب المكبوت، وردت بنبرة حادة اكثر من ذي قبل "وأنا كمان كنت صغيرة، وعشت حاجات مش عادلة. فممكن الأفضل ليكي إنك متحاولييش تقنعييني دلوقتي. خلاص... فات الأوان". زينة شعرت بالثقل في كلمات هالة، وكان واضحًا أن الوقت قد مر كثيرًا على أي محاولة لتصحيح الأمور بينهما. لم تستطع هالة تحضير اي شيئ وغادرت المطبخ بحنق ، عادت الى غرفتها كي تأخد حقيبتها وتتجه الى عملها فهذا الافضل لها . خطواتها كانت ثقيلة ومزاجها متعكر بعد اللقاء بزينة التي قد بدأت محاولاتها لاصلاح الماضي بينهما .  دخلت الى الغرفة في حالة مزاجية سيئة جدا كما لو كانت تحمل حملا ثقيلا على كتفيها . اقتربت ناحية حقيبتها الموضوعة على الكرسي لتحضرها وتغادر لكنها توقفت في مكانها للحظة عندما خرج عماد من الحمام يجفف شعره المبلل بهدوئه المعتاد والذي سألها بابتسامة صغيرة على وجهه ببساطة "  هتخلصي شغلك امتى ؟" كان سؤالا بسيطا ، لكن هالة التي تشعر بان مزاجها قد ساء أكثر من اي وقت مضى اجابت بحدة لم تكن معتادة عليها و خصوصا مع عماد " مش عارفة " لاحظ عماد تغير نبرة صوتها ،فوقف في مكانه للحظة وهو يلاحظ التوتر في ملامح وجهها . سألها بنبرة قلقة " هالة انتي كويسة ؟" هالة التي كانت تريد المغادرة فهي على وشك الانفجار اكتفت برد قاسي آخر " أيوه ، انا كويسة !" ثم حاولت الخروج من الغرفة بسرعة ، لكن عماد حال دون ذلك عندما امسكها من ذراعها برفق ليمنعها من الرحيل .هالة التي كانت على وشك الانفجار شعرت بغضب هائل يسيطر عليها ، في تلك اللحظة شعرت بانها لم تعد قادرة على التحمل أكثر وانفجرت في وجهه وكأن الكلمات التي خرجت من فمها خرجت من دون تفكير تقول كل مايأتي على بالها ومايختلج داخلها " مافيش داعي انك تتدخل بشؤوني ! مش لازم عليك تستناني ولاتدور علي بعد كدة ! الافضل ليك بهالوقت تدور على واحدة ثانية تتجوزها  لاني في النهاية هتطلق منك ياعماد ...انا مش قادرة أعيش هنا اكثر من كدة!" كانت كلماتها تقطر بالمرارة تحمل في طياتها مشاعر قاسية من الألم والغضب ، كان تعلم تماما ان كلماتها جارحة لكنها لم تكن قادرة على إيقاف نفسها . عماد الذي كان يقف امامها ، أرخى يده من على ذراعها . كان وجهه شاحبا يتغير مع كل كلمة تقولها .  نظراته تعكس الصدمة والالم وكأن كلماتها قد اصابت قلبه تماما فماكان يخشاه قد تحقق الان ،وظل صامتا وكأن الكلمات قد تجمدت داخله. اما هالة فقد شعرت بشيئ غريب يعتصر قلبها في كل لحظة ومع كل كلمة  تخرج من شفتيها المتشققتين كانت تسأل نفسها ( ليه اتعصب عليه ؟ هو ملوش ذنب ...ماعملش حاجة غلط) لكنها لم تجد جوابا واضحا لكل تلك الاسئلة . وبعد ان قالت كل ما لديها وجدت نفسها في فراغ كبير جعلها تشعر بعدم الراحة ولم تجد غير الخروج من الغرفة كحل للتملص من كل ما تشعر به من سوء اتجاه نفسها واتجاه تلك اللحظة . وبينما كانت تسير في الممر بخطوات سريعة وكأنها تهرب من شيئ ما يطاردها ، كانت تلعن نفسها سرا على غضبها الغير مبرر عليه لكنها كانت تعلم في اعماقها ان كلماتها هذه كانت تعبيرا عن شيئ اكبر ، شعور بالضياع والالم لم تجد له مخرجا الا بالانفجار . مرت ساعات عمل هالة ببطء شديد ، وبينما كانت تركز على مهامها كانت افكارها مشغولة بعماد وملامح وجهه التي كانت ماتزال عالقة في ذهنها بعد ان انفجرت عليه بكلمات جارحة .كان قلبها يعتصر ألما كلما تذكرت كيف صرخت عليه رغم أنه لم يفعل شيئا يستحق ذلك . مر الوقت عليها وهي توبخ نفسها تتساءل لما تصرفت بتلك الطريقة القاسية . كانت الساعة الرابعة عندما انتهت من عملها لكن قلبها لم يكن في مكانه .بينما كانت تخرج من المستشفى كانت خطواتها  تتسارع بشكل لا ارادي تأمل ان تجد عماد ينتظر خارج سيارته ،الابتسامة المعتادة على وجهه يلوح لها من بعيد كما اعتاد طيلة الايام السابقة.  لكنها بدات تشك في الامر بعدما حدث بينهما اليوم .وقد تأكد شكها عندما وصلت الى المكان المعتاد فعماد لم يكن موجودا لانتظارها . تأملتها الظنون ، لكنها قررت العودة الى المنزل . اخدت حماما ساخنا ، وارتدت ملابسها المرتبة ذات اللون الاسود .وفي كل لحظة كانت تتحرك فيها كانت عيناها ترقبان هاتفها تفكر بالاتصال به أو ان ترسل له رسالة لكنها لم تستطع فعل ذلك . وقررت تركه والنزول الى أسفل حيث قضت بقية وقتها مع شيماء وامينة . ازداد قلقها مع مرور الوقت ، فقد اقترب موعد العشاء وعماد لم يعد بعد وهو الذي كان لايتاخر عليه . كانت نظراتها تذهب الى الساعة المعلقة كل دقيقة ، تشعر بقلق غير طبيعي وغير مفهوم . عندما نزل الجد بدر من غرفته باتجاه الطاولة . سألتها امينة والدة عماد بقلق " فين عماد ؟ ليه لسة مااجاش ؟" اجابت هالة بتوتر محاولة اخفاء قلقها " مش عارفة ...يمكن تاخر بالشغل " بدأ كريم الاخر يلاحظ ان الوقت تأخر وعماد لم يأتي بعد ، وحتى لايقع في مشكلة مع جده طلب من الجميع ان ينتظروه قليلا . ومع ان بدر قد بدأ متضايقا منه الا أنه لم يقل شيئا . وانتظر على كرسيه المهيب بصمت . امينة التي لاحظت غياب ابنها بشكل اكبر طلبت من زوجها وهاب أن يتصل به يساله ان كان سيتأخر اكثر  لكنه لم يرد. ثم فجأة ، دخلت مدبرة المنزل وهي تجري مسرعة ، علامات الهلع واضحة على وجهها والتي كانت قد ذهبت لتفتح الباب ظنا منها ان عماد قد نسي مفاتيحه.كانت على وشك التكلم لكن شهقة وهاب الذي رد على هاتفه في تلك اللحظة قائلا " الله اكبر!" جعلتها تتوقف . نظر الى والده بدر بصدمة والذي سأله بصوته العميق " في ايه ياوهاب ؟" وهاب القى القنبلة في الوسط وقال وهو يضع يبعد هاتفه عن اذنه  " العافية شعلت في متجر عماد " اصيبت امينة بالصدمة ، وكادت ان تسقط على الارض لولا ان مدبرة المنزل وشيماء سارعوا لاسنادها . هالة التي كانت واقفة بالقرب منهن ، شعرت ان قلبها قد توقف عن الخفقان ، جسدها يتأرجح بين الخيال والواقع وعقلها مشوش بماسمعته للتو . حاولت ان تتمالك نفسها لكنها لم تستطع كبح صوتها الذي خرج في شكل سؤال مرير " عماد ...كان هناك ؟ في المتجر ؟" أجابها وهاب بنبرة ثقيلة تعكس قلقه الداخلي على ولده " مفيش خبر عنه لسة " لكن الجملة كان وقعها على هالة كالصاعقة ، اذ انقبض قلبها بشكل مؤلم وهي تحاول أن تمنع عقلها عن التفكير في أي شيئ سيئ . في حين انفجرت امينة التي كانت مقيدة بابنتها التي تدرف الدموع والمدبرة في وجه وهاب صارخة " ازاي مافيش خبر عن عنه؟! أتصل بيه ...روح شوفه ...اعمل حاجة ياوهاب !!" وهاب كان عاجزا عن الإجابة ، كل شيئ اصبح ضبابيا وهو يبحث فقط عن طريقة للتواصل بها مع عماد . كريم الذي بدأ يشك في حدوث امر لابن عمه طلب من وهاب الاتصال بالشخص الذي يعمل معه . لكنه اخبره بانه لايملك رقمه . كانت الصدمة واضحة على كريم الذي لم يستطع تصديق ماسمعه وقال " ازاي مافيش معاك رقمه ؟!" امام هذا الموقف ، حاول الجد بدر تهدئة الاوضاع وطلب من كريم ان يهدأ ولاينفعل. لكن هالة التي لم تستطع التوقف عن التفكير في عماد وفيما يمكن أن يكون حدث له كان قلبها يصرخ وعقلها يغلي .ركضت بسرعة الى غرفتها ، صعدت السلالم بخطوات متسارعة لتبحث عن هاتفها . كانت تعرف ان لديها رقم مساعد عماد الذي كانت تطلب منه في بعض الأحيان أن يحضر لها بعض الاشياء من متجر عماد عندما يكون مشغولا . في تلك اللحظات وهي تبحث عن اسمه باصابع مرتعشة كانت تدعو الله من صميم قلبها ان لايكون قد حدث له شيئ سيئ فهي لن تستطيع التحمل لو حدث ذلك . تذكرت كلماتها له هذا الصباح فلم تستطع تمالك نفسها وسقطت دموعها بغزارة وهي تضع الهاتف في اذنها تنتظر الرد وقلبها في حالة من القلق الشديد . لكن لم يكن هناك رد ،حاولت الاتصال به مرات ومرات لكن دون اي فائدة . كانت على وشك ان تجلس على الارض فقدماها لم تعد قادرتان على حملها اكثر ، لكن المدبرة داهمت غرفتها وهي تلهث وعلى وجهها ابتسامة واسعة " عماد هنا ! عماد وصل يابنتي !" اسرعت هالة تسبقها الى الأسفل ، لاتصدق ماسمعته . توقفت في مكانها عندما راته في المدخل يعانق والدته وشقيقته الصغرى . وقفت بعيدا عنه تراقب الموقف وكل مشاعرها قد اختلطت بين الفرح والقلق . بدا لها بخير وبصحة جيدة ، لكن ذلك لم يكن السبب الوحيد لارتباكها . كانت هي ...فهي الان التي ليست بخير . سحبت نفسها بصعوبة الى المطبخ وقد شعرت بان الارض تدور تحت قدميها واصابها اعياء شديد وعرق بارد . كانت تشعر بنفسها غير قادرة على التنفس وغير قادرة على الحركة . زينة التي كانت تراقبها منذ البداية ، تبعتها الى المطبخ واعطتها كاسا من الماء ، الذي اخدته منها دون مراوغة . طلبت منها أن تتنفس بهدوء وسيمر الامر فهذه ليست الا نوبة هلع في ذلك الوقت ، كان عماد يتحدث الى جده بدر الذي سأله " انت عارف مين اللي حرق المتجر ياعماد؟" عماد " لالسة ...الشرطة اجت وقالت أنه وقت ماتلقي القبض على الفاعل هتكلمني " شيماء التي كانت تعانق شقيقها من ذراعه قالت بسعادة " الحمد لله على سلامتك ياابيه ...كنا هنموت من رعبتنا عليكي" ابتسم عماد لها بخفة، وعيناه تبحث عن هالة في كل مكان . فهو لم يراها منذ وصوله . كان على وشك ان يسأل لكنه استدار فورا عندما شعر بيد زينة تربت على كتفه ثم تهمس في اذنه بهدوء دون أن يلحظها احد " هي فوق ...بالاوضة " عماد كان بحاجة إلى بعض الراحة بعد يوم طويل. استأذن من الجميع بصوت هادئ، وأخبرهم أنه سيصعد إلى غرفته. كان ذهنه مشغولًا، وعقله لا يكاد يهدأ. كان يفكر في هالة طوال الوقت، ويريد رؤيتها بشدة في تلك اللحظة. صعد السلالم بخطوات سريعة، ودق الباب على نحو خفيف ثم فتحه ببطء ليجد ان الغرفة غارقة في الظلام، إلا من ضوء المصباح الصغير على الطاولة، الذي كان يبعث بأشعة خافتة على الأثاث. نطق اسمها بصوت عفوي، وقد كانت نظرته تبحث عنها في الظلام. وأخيرًا، وجدها تقف أمامه. نظر إليها للحظة، وعينيه مليئتين بالقلق والتساؤلات. كان ينوي أن يسألها عن سبب بقاء الغرفة مظلمة إلى هذا الحد، ولكنه فوجئ عندما قفزت إليه فجأة تعانقه بشدة. كأنها تتأكد من وجوده أمامها، وانه ليس مجرد خيال صنعه عقلها "هالة!" نطق باسمها بارتباك، وصوته كان خافتًا قليلاً. كانت الشهور الأولى من العلاقة بينهما مليئة باللحظات الهادئة والبسيطة لكن هذه اللحظة كانت مختلفة تمامًاعن ماسبقها من اللحظات. بدأ يرتبك أكثر فأكثر، حين  سمع صوت شهقات بكائها التي تصاعدت، شعر بجسدها يرتجف بين يديه. لم يكن يتخيل يومًا أنه سيرى هالة تبكي بهذه الطريقة الهستيرية .شعور غريب اجتاح  صدره، مزيج من الحزن والقلق، وكان يسعى جاهداً ليهدئها. كانت تعانقه بشدة، يدها تتسلل بين خصلات شعره الناعم وكأنها تحاول أن تجد فيه بعض الاطمئنان. اخدت تردد كلمات غير مفهومة، مثل "الحمد لله" و"آسفة"،  مرارًا وتكرارا بينما دموعها كانت تتناثر على وجهه. مرت خمس دقائق إليهما و كانت أطول من أي وقت مضى في حياته. قرر عماد ان يبعدها عنه قليلاً، لينظر في وجهها الذي كان محمرًا وملطخًا بالدموع. قال لها بحنان، وهو يمسح دموعها برفق "أنا كويس، مفيش حاجة حصلت." تنفست هالة بصعوبة، وهي تحاول أن تهدأ بعد بكائها الطويل، ثم قالت بصوت يكاد يخرج بين شهقاتها "كنت خايفة، عماد... كنت خايفة يحصل لك حاجة... لو كنت  أو..." ابتسم عماد ابتسامة هادئة وهو يمسح على وجهها.و رد عليها بصوت مطمئن "مفيش حاجة حصلت. أنا هنا... وعمري ما هسيبك." قام بتقبيل أرنبة أنفها برقة شديدة، وكأنها كانت لحظة يستطيع من خلالها ان يعبر فيها عن حبه لها.ثم ابتعد عنها قليلاً، محافظًا على المسافة التي شعر أنها ستكون مناسبة في تلك اللحظة، حتى لا يتجاوز الحدود معها. ولكن هالة، التي كانت لا تزال تحت تأثير مشاعرها المكبوتة، فاجأته وهي تسحبه فجأة إليها، تقبله بشدة،و بشغف لم يره في عيونها من قبل. كانت قبلة مفعمة بالقلق والحب، كأنها لم تستطع أن تحتمل أي مسافة بينهما. استجاب لها على الفور، واستمر في تقبيلها، حتى بدأ يسير بها تدريجيًا ناحية السرير ليقعا عليه الشعور بالراحة، الذي شعر به عماد في تلك اللحظة، كان مزيجًا من العاطفة والشغف. ولكنه في نفس الوقت شعر بشيء آخر، شيء كان يدور في ذهنه طوال الوقت. ابتعد عنها قليلًا، ليأخذ نفسًا عميقًا. كان يعلم أنه لو استمر في هذا اللحظة، فقد يتجاوز أكثر من الحدود. ومع ذلك، كان يحتاج إلى أن يتأكد من شيء ما في تلك اللحظة الحاسمة في الغرفة التي غمرها ضوء خافت دافئ، كانت الأجواء مشحونة بمزيج من التوتر والشغف. جلس عماد على حافة السرير، يلتقط أنفاسه بصعوبة وهو يحاول التحكم في مشاعره، بينما كانت هالة تجلس بجواره، ظهرها مستقيم وعيناها مثبتة عليه بثبات، لا تحمل أي تردد. وجهها المحمر لم يكن خجلًا بل تأثرًا واضحًا بالموقف، لكنها، كما هي دائمًا، كانت قوية وواثقة. رغم تلك المشاعر التي تجمعت بداخلها مما جعلها تشعر وكأنها على وشك الانفجار . لاحظت اضطرابه وتردده اللذان كانت تعلم سببهما .فقررت أن تأخذ زمام المبادرة. وبصوت هادئ  لكنه مليء بالصدق، قالت " أنا النهارده كنت خايفة جدًا... مش هخبي عليك. يمكن أول مرة في حياتي أحس بالخوف ده. كنت مرعوبة... مرعوبة جدا  فكرة إنّي ممكن أخسرك..." توقفت لحظة تجمع قوتها فمجرد تذكر ذلك الامر يجعلها تشعر بالخوف مرة أخرى. ثم أكملت بثبات وهي تضع يدها على يد عماد، تُلزم نظراته بعينيها " أنا آسفة ياعماد  قلت كلام صعب عليك قبل كده، ويمكن  اكون جرحتك " اضافت بتأكيد " صدقني كنت مشوشة وندمت على كل كلمة." عماد رفع رأسه نحوها، عيناه مليئتان بالقلق والتساؤل. أمسك يدها برفق وسألها بصوت خافت لكنه جاد "هالة... إنتي فعلًا عايزة الطلاق؟ قوليلي بصراحة." ضحكت هالة ضحكة قصيرة، مزيج من الاستنكار والثقة، ثم قالت بجرأة واضحة "طلاق إيه بس يا عماد؟ إزاي تفكر كده؟ أنا لو كنت عايزة أمشي كنت مشيت من أول يوم! ." ظل ينظر إليها بحيرة، فتابعت هي بنبرة أقوى "إنت فعلًا مش شايف اللي بعمله؟ مش شايف إزاي ببصلك؟ إزاي بحاول أقرب منك؟" رد بتردد، كأنه يحاول إيجاد تفسير "كنت فاكر إنك بتتصرفي كده عشان إحنا نعرف بعض من زمان... يعني عادي." هزت هالة رأسها بإحباط واضح، ثم اقتربت منه ووضعت يدها على خده بثقة وحنان، عيناها تلمعان بجرأة لم تُخفِ أي شيء "لا يا عماد، أنا بحبك. بحبك أكتر مما ممكن تتخيل. ومش هسمحلك تشك في ده ولو للحظة." ابتسم عماد ابتسامة خفيفة، لكن قبل أن ينطق بأي كلمة، اقترب منها وخطف قبلة دافئة من شفتيها، وكأنها طريقته للتعبير عن مشاعره دون حاجة للكلمات . كان على وشك ان يبتعد عنها لكن هالة التي شعرت بالبرودة تتسلل إليها من ابتعاده عنها كانت أسرع منه ،و أمسكت بوجهه بيديها الصغيرتين، وقبلته بحرارة، دون أن تنتظر رد فعله. في لحظة، تغير كل شيء. عماد، الذي كان يحاول كبح مشاعره، ترك نفسه لها. أسندها برفق على السرير ، عيناه لم تترك عينيها، وهو يرى فيها كل القوة والجاذبية التي جعلته يقع في حبها دون أن يدرك. كانت مثيرة الى  أقصى الحدود خاصة بتلك الحمرة التي زينت شفتيها وخديها . أغمضت هالة عينيها، وابتلعت ريقها كأنها تعطيه الضوء الأخضر ليقترب منها وينتهك حرمة جسدها . تداخلت أصابعها في أصابعه، وكأنها تقول له بصمت، "أنا معاك... للآخر." في تلك الليلة، كانت هالة زوجته بكل ما تحمل الكلمة من معنى، بجرأتها وحبها وثقتها التي لا تعرف حدودًا. في صباحٍ هادئ يغمره دفء الضوء الخافت، كان عماد مستغرقًا في نومٍ عميق، أول مرة يشعر براحة بهذا الشكل منذ وقت طويل. كيف لا؟ وهالة، التي أصبحت محور عالمه، نائمة في حضنه، تملأ قلبه بالسكون الذي افتقده طويلًا. منذ أن دخلت حياته، بات يعشق تفاصيلها الصغيرة، وتفاصيل يومه الذي تكون جزءًا منه. استيقظ ببطء، فتح عينيه ليجدها نائمة بسلام. رأسها مدفون في حضنه، أنفاسها المنتظمة تضرب صدره برفق كأنها إيقاع نبضه الجديد. ابتسامة دافئة ارتسمت على شفتيه وهو يراقبها، يشعر وكأنه يحلم. امتدت يده ليبعد خصلة من شعرها عن وجهها، لكنه توقف حين شعر أن حركته قد توقظها. وفجأة، كسر رنين هاتفه السكون. التفت بسرعة، مدّ ذراعه العاري نحو الطاولة بجانب السرير وأمسك الهاتف بسرعة كي لا يزعج نومها. وضع الهاتف على أذنه مباشرة ورد بكلمة واحدة بعد ان استمع الى كل ماقاله المتصل "تمام." أنهى المكالمة وألقى نظرة سريعة عليها، لقد كانت تغط في نوم عميق . ثم أخذ نفسًا عميقًا. بحركة هادئة وانسيابية، حرر نفسه من حضنها دون أن يوقظها. أمسك رأسها برفق شديد، وضعه على الوسادة، وعدّل الغطاء عليها ليضمن أنها مرتاحة ودافئة قبل أن يتحرك بعيدًا، انحنى ليطبع قبلة على جبهتها، وكأنه لا يستطيع مقاومة حبها حتى وهي نائمة. بعدها، سار نحو الحمام بهدوء. ماهي الا دقائق حتى استيقظت هالة من بعده فتحت عينيها سريعًا، ثم نظرت إلى جانبها لتجد السرير فارغًا. زفرت بارتياح حين سمعت صوت الماء من الحمام، فأدركت أنه لم يبتعد. أسندت رأسها على الوسادة، ويدها ترتفع تلقائيًا إلى شفتيها، تتحسس آثار قبلاته من الليلة السابقة. تذكرت تفاصيل الليلة الماضية. كيف همس لها بكلماته الصادقة، وكيف اعترف بحبه لها مرات عديدة، وكيف ردّت هي بتصريحات جريئة لم تصدق أنها قالتها. حرارة وجهها ارتفعت وهي تسترجع كل ذلك، وخجلت من نفسها للحظة. لكنها سرعان ما هزت رأسها بعزم، تحاول طرد هذا الإحراج فهو بالنهاية زوجها وحبيبها ومن حقه ان يسمع كل ذلك . دفعت الغطاء عن قدميها ونهضت ببطء. ارتدت ما وجدته أمامها ثم سارت تبحث عن هاتفها في ارجاء الغرفة، لكن ما إن وصلت إليه حتى فوجئت بعماد يخرج من الحمام. كان قد انتهى من استعداده للخروج، يرتدي ملابسه وقد بدا في كامل أناقته ووسامته. ابتسم لها فور أن رآها وقال بصوته الدافئ "صباح الخير." نظرت إليه للحظة، ثم ردّت بصوت خافت "صباح النور." نظر إلى ساعته في يده ثم قال "لسه بدري عليكي " اقتربت منه بخطوات ثابتة حتى وقفت أمامه مباشرة، لا تفصل بينهما أي مسافة.  طبع قبلة خفيفة على خدها قبل أن يسأل "هتعملي إيه النهارده؟ عندك شغل؟" هزت رأسها نافية وقالت "لا، قررت آخد أجازة." نظرت إليه بحماس مفاجئ وسألته وقد خطرت في بالها فكرة رائعة "طب ما تاخد النهارده أجازة برضه؟ نقضي اليوم مع بعض! ايه رأيك ؟" تنهد عماد بحزن وابتسم معتذرًا، ورد بصدق "والله نفسي، بس عندي شغل مهم النهارده." تغيرت ملامح هالة على الفور، وعبست وهي تقول بنبرة عصبية مكتومة "شغل إيه؟ مش المحل اتحرق امبارح؟" زفر عماد بيأس وكأنه يحاول إقناع طفلة صغيرة. أمسك بيديها وقربهما من شفتيه ليطبع عليهما قبلة خفيفة وقال بنبرة حنونة "عارف، بس الشرطي اللي ماسك قضية الحريق كلمني، وقال إنهم قبضوا على اللي عمل كده." شهقت هالة بدهشة وسألته بسرعة "مين؟" هزّ عماد كتفيه وقال "معرفش، بس لازم أروح المركز أعرف مين وعمل كدة  ليه." زفرت هالة بقلة حيلة وكأنها تستسلم للأمر، ثم قالت بصوت خافت يتخلله قليل من الدلال "طيب... ما تتأخرش عليّ." ابتسم لها بحب وقال "مش هتأخر، هحل الموضوع وأرجعلك." التفتت هالة نحو الخزانة تبحث عن شيء ترتديه، ثم قالت وهي تفتح الأبواب "ماشي، هستناك." هزّ عماد رأسه مبتسمًا برضا، لكنه توقف فجأة عند الباب وكأن فكرة خبيثة خطرت له. التفت إليها وقال ببساطة "على فكرة... لازم تلبسي حاجة طويلة النهارده." التفتت هالة إليه بتعجب وسألته "ليه؟" اكتفى بالاشارة الى رقبتها التي كانت مليئة بعلامات ملكيته التي تركها عليها من ليلة أمس . فهمت هالة ما يقصده، وامتلأ وجهها بالاحمرار. كانت على وشك أن تصرخ فيه من شدة الإحراج، لكنه أغلق الباب بسرعة وهو يضحك، تاركًا إياها تشتعل غضبًا وخجلًا في نفس الوقت. خرج عماد من غرفته بخطوات هادئة وعلى وجهه ابتسامة عريضة، فقد كان المشهد الذي رآه منذ لحظات يبعث في نفسه نوعًا من التسلية. منظر هالة وهي تغطي رقبتها بيدها بخجل ووجنتاها محمرتان كان كافيًا ليرسم تلك الابتسامة العفوية على وجهه. لكنها ما لبثت أن اختفت بسرعة عندما وقعت عيناه على كريم، ابن عمه، الذي كان واقفًا بالقرب من المدخل. تلاشت تلك المشاعر البسيطة ليحل محلها وجه خالٍ من أي تعبيرات، محايد كما اعتاد أن يظهر. انتبه كريم لوجود عماد، فتقدم نحوه وهو يلقي عليه التحية بنبرة هادئة، ليكتفي عماد برد التحية عليه دون أن يقول اي شيئ . توقف للحظة، مترددًا في البقاء أو الانصراف، فمنذ متى كان هناك حديث بينهما أصلاً؟ لكن كريم قطع الصمت بسؤاله "إيه الأخبار في قضية المحل؟ حصل جديد؟" رد عماد بصوت هادئ وباختصار "لسه... أنا في طريقي للمركز دلوقتي." بادر كريم بسؤال آخر وغير متوقع "تحب أجي معاك؟ أساعدك بحاجة؟" في البداية، فكر عماد في الرفض مباشرة، لكن نبرة الاهتمام الصادقة في صوت كريم جعلته يتوقف للحظة. لم يرد على الفور، فقط نظر إلى كريم بنظرة غامضة. لكن كريم فهم صمته بسرعة وأردف قائلاً "طب استنى، أجيب موبايلي واجي معاك." شعر عماد بشعور غريب من السعادة، شعور لم يستطع تفسيره. منذ متى لم يخرج مع كريم؟ ربما مرت سنوات. اكتفى بهز رأسه موافقًا وانتظر. ___ كانت الساعة تشير إلى الثالثة عصرًا. في المنزل، تلقت هالة رسالة من عماد يخبرها بأنه سيتأخر لأن الأمر يبدو أنه سيستغرق وقتًا أطول. لم تنزعج، بل جلست بجانب شيماء، تتحادثان وتستغلان الوقت في الحديث عن أمور عائلية وذكريات طفولة. قررت شيماء أن تأخذ هالة إلى غرفتها، وأخرجت ألبوم صور قديم خاص بعماد. بدأت هالة تتأمل الصور بعناية، تراقب ملامح زوجها وهو ينمو تدريجيًا من طفل صغير إلى رجل. كل صورة كانت تعكس جانبًا مختلفًا من حياته، وكل واحدة بدت وكأنها تروي قصة. ابتسمت وهي تدقق في التفاصيل، وشيماء بجانبها تشرح وتروي الأحداث التي صاحبت التقاط الصور. _ في هذه الأثناء، كان عماد برفقة كريم في مركز الشرطة. الذي لم يتركه للحظة واحدة، فقد بدا حريصًا على دعمه رغم قلة الحديث بينهما. بعد التحقيقات، عرف عماد أن المتسبب في إحراق متجره لم يكن إلا مراهقًا يبلغ من العمر 16 عامًا، قام بذلك بدافع الانتقام بعد طرد والده من العمل. المراهق ظن أن عماد هو السبب في طرد والده، لذا قرر الانتقام بهذا الفعل المتهور. لكن الحقيقة كانت صادمة. عماد لم يكن يعرف والد المراهق شخصيًا، واكتشف أن والده طُرد بسبب خطأ بسيط، رغم أنه كان يمر بظروف قاسية؛ أم مريضة، وخمسة أطفال يحتاجون إلى الرعاية والتعليم. رأى عماد والد الصبي يتوسل إليه أن يسامحه، طالبًا منه إطلاق سراح ابنه الذي لا يزال صغيرًا. وهو يقول "اعمل فيا أنا اللي انت عايزه، ارفع عليا قضية لو عايز، بس سيب الواد... ده لسه صغير، حياته قدامه." تردد عماد للحظة، ثم نظر إلى المراهق الذي بدا خجلاً من نفسه، وقرر أن يسامحه. وضع يديه على كتفي الصبي وقال بهدوء "اللي عملته غلط، وماينفعش يتكرر. عشان تساعد أبوك، لازم تركز في دراستك وتتعلم، مش تضيع مستقبلك." كريم الذي كان يراقب بصمت شعر بإعجاب كبير تجاه موقف عماد. لقد أثبت أنه ليس فقط رجلًا مسؤولًا، بل أيضًا صاحب قلب كبير قادر على التفهم والتسامح. كان المطبخ يعج بالحركة والدفء، حيث وقفت هالة وشيماء بجانب مدبرة المنزل يساعدن في ترتيب طاولة العشاء. الأجواء كانت هادئة ومريحة، وكل منهن كانت تركز على مهمتها. هالة كانت تضع الأطباق بعناية، مدققة في ترتيبها لتبدو مثالية، بينما شيماء تحاول إضفاء جو من المرح ببعض التعليقات الطريفة. أما مدبرة المنزل، فكانت تنقل الأطباق من المطبخ وتراقب العمل بصمت وعلى وجهها ابتسامة تدل على شعورها بالراحة قطع هذا المشهد دخول أمينة مع وهاب.التي ابتسمت  عندما رأت شيماء تنهمك في العمل ونظرت إليها باستغراب واضح، وقالت بمزاح "هو إيه اللي بيحصل هنا؟ يا بنتي مش متعودة أشوفك ماسكة شغل! شكلك اتأثرتي بمرات أخوكي." ضحكت شيماء وهي ترد على والدتها بمرح "مين قال ؟ انا شاطرة علا فكرة من زمان كنت مشغولة بس." لكن وهاب لم يشارك في المزاح، إذ بدا منشغلاً بشيء آخر وسأل هالة مباشرة "عماد فين؟ ما شفتوش من الصبح." رفعت هالة عينيها نحوه بابتسامة صغيرة وأجابت "جاه اتصال من المركز الصبح ، وقال إنه هيتأخر شوية." تدخلت أمينة، التي بدت مهتمة بالأمر، وسألت بجدية "ليه؟ حصل حاجة جديدة؟" ردت هالة بهدوء "بصراحة أنا مش عارفة التفاصيل، غالبًا هيحكيلنا لما يرجع." هزت أمينة رأسها بتعبير يملؤه الضيق وقالت بنبرة تحمل بعض الشماتة "ربنا ياخد الحق من اللي خرب شغل ابني." بينما كان الجميع منشغلين بالكلام، ظهرت زينة عند باب المطبخ. كانت ملامحها شاحبة وباهتة، وكأنها تحمل همًا خفيًا. نظرت إلى الموجودين وسألت بلطف غير معتاد "تحبوا أساعدكم في حاجة؟" رفعت هالة رأسها ونظرت إليها بطرف عينها للحظة، ثم عادت لإكمال ما كانت تفعله متجاهلة وجودها. رغم أن زينة ساعدتها المرة الماضية ، إلا أن هذا لايعني تحسن العلاقة بينهما فهي لم تنسَ ما فعلته لها منذ زمن بعيد. ردت شيماء على زينة بابتسامة صغيرة مجاملة "شكرًا يا زينة، خلصنا كل حاجة خلاص." عاد الحديث بين أمينة وزوجها وهاب، حيث اقتربت منه وهمست "ابوك  فين؟" رد وهاب بهدوء "في مكتبه غالبًا، أكيد بيتفرج على الاخبار." لكن ما إن أنهى جملته، حتى ظهر الجد بدر بنفسه في المكان، يسير بخطوات ثقيلة وبملامح غاضبة. صمت الجميع فجأة، وكأن هواء الغرفة قد تجمد. هالة، التي اعتادت على غضب الجد المتكرر، قررت أن تتجاهله كليًا كما تفعل دائمًا. لكن هذه المرة، كان الأمر مختلفًا. عيناه الحادتان توجهتا نحوها مباشرة، وسألها بنبرة صارمة "جوزك فين؟" شعرت هالة بارتباك مفاجئ لم تستطع إخفاءه، وردت بسرعة تحت انظار الجميع "هو... هو بره، وهييجي قريب." تدخل وهاب على الفور، محاولًا تهدئة الموقف، وسأل والده بقلق "في إيه يا حج؟ حصل حاجة؟" في تلك اللحظة، أمينة أمسكت بذراع وهاب وكأنها تبحث عن الأمان في موقف بدا مشحونًا. نظر بدر إلى ابنه بعينين غاضبتين وقال بسخرية ومرارة "ابنك ده! أنا مش فاهم ازاي بيفكر وازاي يبقى من عيلة العيالي؟! بارك له... سحب الشكوى من اللي حرق متجره!" شهقت أمينة بصدمة، ووضعت يدها على فمها، بينما كانت ملامحها تعبر عن مزيج من الغضب وعدم التصديق. نظرت إلى وهاب وكأنها تسأله: إزاي عماد يعمل كده؟ وهاب، الذي بدا مشوشًا هو الآخر، سأل والده بنبرة جادة "إزاي عرفت بالموضوع؟" رد بدر بصوت غاضب وساخر "اتصلت بمركز الشرطة أتأكد إن اللي عمل المصيبة دي هياخد عقابه.  بس عرفت إن حفيدي المتسامح غفر له! ولا حتى  أخد تعويض عن اللي اتحرق!" ساد الصمت للحظات ثقيلة. نظرت هالة إلى شيماء، التي بدت متوترة وقلقة، ثم عادت بتركيزها إلى بدر. في داخلها، شعرت بأن هناك شيئًا عميقًا دفع عماد لاتخاذ هذا القرار الغريب، وكان عليها معرفة السبب. كانت الأجواء في الصالة خانقة ومتوترة، الكل يترقب لحظة وصول عماد، خاصة بعد أن بدأ الجميع في الشعور بقلق شديد بسبب تأخيره. كانت الملامح على وجوه الحاضرين توحي بقلق غير مريح، وبينهم كان الجد بدر، الذي يجلس في المنتصف مع عبوس على وجهه لا يخفى على أحد ولم يفارقه ابدا.كانت نظراته الحادة والمصممة تجعل الجو أكثر ثقلًا. هالة، التي حاولت إخفاء توترها، كانت عينها تراقب الباب بين لحظة وأخرى، والأفكار تتسابق في ذهنها. شعرت بأن شيئًا غير طبيعي يحدث، وأن الوضع سيصبح أكثر تعقيدًا. في هذه اللحظات، قررت هالة إرسال رسالة لعماد تخبره عن حالة التوتر التي تسود الغرفة، محذرة إياه أن الجد بدر  غاضبًا. لكن رسالتها تأخرت، وحين عاد عماد أخيرًا، كان برفقته كريم. أطلقت هالة تنهيدة ، لكن لم يكن هناك وقت للحديث. إذ كان الجد بدر أسرع منها، وأمر عماد بأن يتبعه إلى مكتبه فورًا، دون أن يعطيه فرصة للتحدث مع أحد. عندما اقترب عماد من باب المكتب، شعر بشعوره  المعتاد . كان قلبه ينبض بسرعة، وكان التوتر يسكنه رغم محاولاته في إبقاء أعصابه هادئة   . فبينما كان  يمشي خلف جده في الممر، الذي فور دخوله أغلق  الباب خلفه بعنف، كما لو أنه كان يهمس في أذنه بأن ما سيحدث الآن لن يكون لطيفًا. تبعته هالة التي كانت تراقب المشهد من بعيد، تشعر بالقلق يتصاعد في صدرها. اقتربت منه بسرعة لتحذره "جدك غضبان بسبب سحبك للشكوى." ابتسم عماد بتردد وهو ينظر إليها بنظرة تشبه الوعد بأن الأمور ستكون بخير. كان يعلم في قلبه أن ما سيحدث داخل المكتب سيكون محكًا حاسمًا. لكنه قد عاهد نفسه من قبل أنه لن يسمح لجده أن يشوش حياته أو يزعزع استقراره بسبب ما يراه هو مجرد مواقف خاطئة. عندما خرج عماد من غرفة الجد، كان الصوت العنيف للصراخ ما زال يتردد في أذنه. كان شعور الغضب والارتباك يملأ قلبه، لكن عزيمته كانت أقوى. عندما فتح الباب، كان صراخ الجد بدر يملأ المكان، مما جعله يتراجع بخطوات ثقيلة في ممرات البيت، يحاول تجنب نظرات الجميع التي تلاحقه من كل جانب. كان متوترًا، عيون الجميع كانت متوجهة إليه، والده، ووالدته. كان جوًا مليئًا بالقلق، والمشاعر المتناقضة تتناثر في كل زاوية من المكان. عندما رآه والده يخرج من الغرفة، اقترب منه سريعًا، عينيه مليئة بالأسئلة "في إيه يا عماد؟ جرى إيه؟ قالك إيه جدك؟" عماد، الذي كان يحاول أن يظل هادئًا، نظر إلى والده بنظرة حزينة وهو يبتلع كلمات كانت مؤلمة على لسانه. كان يشعر بأن العالم كله يتداعى حوله، لكن قراره كان قد اتخذ بالفعل. لم يكن بحاجة إلى أن يفسر أكثر. نظر إلى هالة بقلق، وقال بصوتٍ هادئ، لكنه يحمل من الحزم ما يكفي "حضري شنطتك ياهالة إحنا هنمشي من هنا." الدهشة أصابت الجميع ، أمينة فور سماعها لهذه الكلمات فكرت هل من المعقول أن ابنها سيترك كل شيء؟ أجابت بصوت مرتجف، مليء بالصدمة "إزاي يعني؟ عماد، في إيه؟ ليه هتمشي دلوقتي؟! " أصوات صراخ أمينة بدأت تعلو، لكن عماد كان في حالة من التوتر الذي جعله يتجاهل كل شيء حوله. كان قلبه يخفق بشدة، لكنه قرر أن يظل ثابتًا. أخذ نفسًا عميقًا، وأجاب بلطف، مع أنه كان يغلي من الداخل " أحنا لازم نخرج من هنا باوامر من جدي" والده، الذي كان ينظر إليه بحيرة وقلق، حاول أن يوقفه، وقال بصوت خافت، محاولًا تهدئته "استنى شوية، عماد، احكيلي إيه اللي حصل، مش ممكن تسيبنا كده." عماد، الذي كان متأكدًا من قراره، أوقفه بحركة يده " إحنا لازم نمشي يابابا." أمينة، التي كانت على وشك الانهيار، بدأت تصرخ بغضب "عماد انت بتقول ايه ؟! ايه بتطلع من البيت دي ؟! قوم روح اعتذر من جدك لحد مايسامحك، علشان خاطر العيلة، ياعماد!" الكلمات كانت مؤلمة جدًا لعماد، خاصة أنه شعر بأن والدته لا ترى ألمه وحيرته. نظر إليها بنظرة مليئة بالخيانة، ولكن قلبه لا يستطيع أن يقف ضدها، فقال بهدوء، وقد امتلأ قلبه بالحزن "أنا مش غلطان علشان اعتذر ياماما " امينة باصرار " عماد روح اعتذر لجدك دي مسؤوليتك ولاعايز جدك ..." قاطعها عماد بنفاذ صبر " ليه مش عايزة تفهميني ؟ ليه مش عايزة تدعميني مرة واحدة ياماما ؟" أمينة لم تتحمل عناد ابنها الغير مبرر، فصرخت في وجه هالة وهي تنفجر غيظًا "إنتي كمان يا هالة! مش شايفة جوزك بيهدم بيته؟ قولي له يرجع! لازم يرجع ويعتذر لجده." هالة، التي كانت تقف صامتة وتشعر بتأثر بالغ من الموقف، كانت تراقب الوضع بنظرة مليئة بالحيرة، لكنها قررت أن تتدخل أخيرًا. حاولت أن تفتح فمها للرد، لكن عماد أمسَك يدها بشدة، وهو ينظر إلى والدته بعينين مليئتين بالغضب. "مش هدمّر حياة حد. جدي مش عايزني انا بس ...فماتخافيش لأنه ده المعتاد، مش كده؟" أمينة، التي كانت قد تجاوزت كل الحدود ولم تستطع تحمل كلماتها صفعت وجهه بقوة. الصوت كان مدويًا، وكانت الصفعة قوية جدًا لدرجة أن وجهه استدار بفعلها. هالة، التي كانت تراقب المشهد، صرخت في وجه أمينة كرد فعل لاارادي وقالت " ليه ؟! " لكن عماد، رغم صفعة والدته التي تركت أثرًا في وجهه، لم يرد. كانت الدموع تملأ عينيه، لكنه كان مصرًا على موقفه. واكتفى بالنظر إلى والدته بنظرة مليئة بالحزن ثم قال " ماتقلقيش انا مش هدمر اي حد " حينها، انفجرت أمينة في وجهه بغضب "ما فيش حاجة اسمها مش هدمّر حد! لازم تعتذر لجدك.، لازم تحط عيلتك قدامك! مش هتمشي وتسيبنا كده!" لكن عماد، الذي كان يضغط على يد هالة بكل قوته، لم يلتفت إليها. نظر إلى والده وقال باقتضاب "أنا مش هعتذر. أنا لازم أمشي." ثم نظر إلى أمينة، التي كانت تراقب نظراته بحقد. أخذ خطوة إلى الوراء، وقال بهدوء أكبر "أنا مش هدمّر حد علشان جدي ." وأخيرًا، أدار ظهره وابتعد، هالة كانت تسير خلفه، وهي تمسك بيده بشدة، وكأنهما يعبران معًا هذا العاصفة التي تعصف بحياتهما. في تلك اللحظة، كانت مشاعر الحزن، والخذلان، والتمزق الداخلي قد اجتمعت كلها في قلب عماد، لكنه قد اتخد قراره بالفعل وكان لا بد له من المضي فيه. فور دخولهما إلى الغرفة، توقفت قدما عماد في منتصف الغرفة، كان قلبه ينبض بسرعة وكأن شيئًا ما ثقيلًا يعصر صدره. نظراته كانت مشوشة، ضائعة بين الألم والحيرة. كان ينظر إلى هالة بعينين مليئتين بالأسف، فهو الآن يدرك أنه يدمر حياتها، كما يدمر حياته. تذكر كيف تدخلت في الأمر، فقط لأنها زوجته، كان  يحمّل نفسه المسؤولية. لكن حين شعرت هالة بأن هناك شيئًا غير معتاد في عينيه، اقتربت منه بحذر.  رفعت  يدها تتلمس خده، حيث تركت صفعة والدته الحمراء أثرها الواضح على وجهه. نظرتها كانت مليئة بالحنان، وكأنها تحاول أن تمسح عن قلبه الألم، أن تعيد له بعضًا من الراحة. وهي تردد " حرام عليها ...بتوجعك ؟" عندما لمست خده، شعر عماد بشيء ما يعيده إلى الواقع، كأن لمستها كانت تعيد له جزءًا من الأمل الذي فقده. حاول أن يبتسم، لكن شفتيه كانتا ترتجفان، وعينيه كانتا غارقتين في الحزن. كانت عقله عاجزًا عن التفكير، كأن كل الطرق التي كانت أمامه قد أغلقت فجأة. لم يكن يعرف ماذا عليه أن يفعل بعد ذلك، كيف سيبدأ خطواته التالية. لكن هالة، التي لم تكن بحاجة لكلمات لتفهم ما يدور في رأسه، ابتسمت له ابتسامة مليئة بالأمل، وحاولت أن تطمئنه. ثم دون أن تتردد، طبعت قبلة سريعة على فمه، وكأنها تعطيه ما يكفي من القوة لمواجهة ما هو قادم. ثم أسرعت إلى الخزانة، وأخذت تخرج ما استطاعت من ملابس لها ولعماد بسرعة، محاولة أن تجهز كل شيء لمغادرتهم بأسرع وقت