نبضات عبر الزمن ( اول رواية مكتملة لي في حياتي) - الفصل الرابع عشر: - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: نبضات عبر الزمن ( اول رواية مكتملة لي في حياتي)
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الرابع عشر:

الفصل الرابع عشر:

خرجت هالة من الغرفة ممسكة بذراع عماد بحزم ، وكأنها تحاول التمسك به لتثبيت نفسها أو ربما لاخفاء ألمها . خطواتها كانت قوية في البداية ،لكنها كانت تشعر بزيادة الضغط على قدمها المصابة مع كل خطوة . التقيا في الخارج قرابة من باب غرفة كريم بأمينة ووهاب اللذين بدت عليهما علامات الحيرة والتساؤل . سألت أمينة بعينين قلقتين وصوت مستفسر " ايه اللي حصل ؟ سمعت صريخ ...في حاجة حصلت؟" التقطت هالة أنفاسها بسرعة وأجابت بابتسامة هادئة تظهر ثقتها لكنها تخفي ألمها " انا كمان افتكرت كدة ...بس مافيش حاجة كله تمام" نظر وهاب نظرة متشككة الى عماد ، لكنه لم يقل شيئا . مكتفيا بالنظر الى هالة التي ماان ابتعدا واقتربا من غرفتهما حتى تحولت خطواتها من واثقة الى عرجاء . ركز على قدمها التي كانت تحركها بصعوبة فأدرك انها تؤلمها . عندما وصلا الى الغرفة ، فتحت هالة الباب وارتمت سريعا جالسة على الاريكة .وضعت يدها على كاحلها فشعرت بانتفاخه . هنا سألها عماد بقلق " رجلك بتوجعك ؟" حاولت هالة التظاهر بالقوة وردت بسرعة وعلى وجهها ابتسامة متوترة " مافيش حاجة ...حاجة بسيطة بس " لكنه لم يقتنع ، اقترب منها ثم جلس على ركبتيه امامها . بدأت تشعر بالتوتر فحاولت ان تمنعه لكن يده كانت اسرع وهو يخلع لها الكعب الذي كانت ترتديه الاول ثم الثاني برفق شديد . امسك بقدمها اليسرى برفق ، فلاحظ فورا انها كانت متورمة بشكل واضح . وقف عماد فورا وقال بنبرة حازمة " خليكي في مكانك انا هجيبلك حاجة للورم . " حاولت هالة التحدث ،لكن كلماته كانت حاسمة . غادر الغرفة بسرعة وعاد بعد لحظات حاملا كيسا صغيرا من الثلج ،جلس بجانبها مرة أخرى واخد يضع الثلج على كاحلها المصاب بحرص شديد . عندما لامس الثلج بشرتها شعرت بالبرودة تنتشر في جسدها ، لكن حرارة وجهها ارتفعت فجأة بسبب قربها الشديد من عماد واخد قلبها ينبض بسرعة غير مألوفة . سألها عماد وهو ينظر في عينيها بقلق " بردانة ؟" هزت هالة رأسها على الفور نافية فهي في الحقيقة لم تكن تشعر بالبرد أبدا ، فحرارة وجهها وجسدها طغت على تلك البرودة التي شعرت بها في البداية. اخدت عيناها تتابعه بصمت وهو يحرك الثلج على كاحلها صعودا ونزولا ،نظراتها كانت طويلة ومليئة بالافكار . حتى رفع عماد رأسه فجأة والتقت اعينهما . كانت النظرة بينهما صامتة لكنها مليئة بالمشاعر المكبوتة التي حاول كل واحد منهما اخفائها او التظاهر بعدم وجودها . لحظة بدت وكأن الزمن توقف فيها وفجأة اقترب عماد منها عماد أكثر ودون اي انذار قبلها برفق . هالة التي لم تكن تتوقع حركته تلك تجمدت في مكانها ،لكن سرعان ماتجاوبت معه دون وعي . كانت لحظة قصيرة لكنها عميقة حتى قطعها صوت طرق الباب . ابتعد عماد عنها فورا ، وكأنه استيقظ من حلم ...اجمل حلم حلم به منذ ولادته . قام وأخد نفسا عميقا لتهدئة اعصابه ، بينما بقيت هالة جالسة على الاريكة .وجهها أحمر بالكامل وكانت انفاسها متقطعة وكأنها تحاول هي الأخرى استيعاب ماحدث للتو . فتح عماد الباب ، ليجد المدبرة وافقة خلفه بهدوء .  تخبره ان العشاء قد جهز وماعليهم سوى النزول قريبا . هز عماد رأسه بالايجاب ، واجاب بهدوء رغم ارتباكه " ماشي ، هننزل كمان شوية " أغلق الباب واستدار نحو هالة التي كانت ماتزال في مكانها تنظر الى الارض بوهن لم تعتد عليه . عندما لاحظت نظراته نهضت بسرعة من مكانها وقالت وهي تتجه نحو الحمام حافية القدمين " هتجهز للعشا " حاولت ان تخرج نبرة صوتها الطبيعية لكنها رغم ذلك لم تستطع وبدت مرتبكة . سارعت ناحية الحمام ، وقد تناست امر قدمها كليا لوهلة تغلق الباب من خلفها تاركة عماد واقفا في مكانه ينظر نحو الباب المغلق وعلى وجهه علامة إرتباك واضحة قبل أن يجلس على طرف الاريكة يشابك يديه ببعضهما البعض يفكر . __ تجمع أفراد العائلة على طاولة الطعام يتناولون وجبة العشاء في مشهد يبدو مألوفا . اخدت الاحاديث تتناقل بين بعضهم البعض بين يوميات العمل وأخبار العائلة . لكن وسط هذا كله ، كانت هالة غارقة في صمتها وتفكيرها . كانت تأكل ببطء وعقلها لايهدأ . لقد كانت تفكر في وضعها الحالي بشدة . فمنذ البداية كانت قد قررت الطلاق عندما وجدت ان هذا الزواج بلا أمل خاصة وان عماد لم يخترها بحرية بل اجبر على الزواج بها بسبب عائلته .ولكن الان ومع مرور الوقت وبعد ان لاحظت تصرفات عماد معها التي اصبحت اكثر لطفا واكثر راحة شعرت بشيئ مختلف . هذه التصرفات الصغيرة جعلتها تتساءل : هل يمكن أن تنجح هذه العلاقة بينهما ؟ هل من الافضل لها ان تمنح فرصة لعماد وفرصة لها هي الأخرى ؟ بينما كانت تفكر ، حسمت امرها ، عليها مواجهته . عليهما الحديث بصراحة عن مستقبلهما معا . انتهى العشاء ، وبدأ الجميع بمغادرة الطاولة . وهنا رأت هالة الفرصة المناسبة واقتربت من عماد بخطوات هادئة ،وبدون تردد امسكت بطرف كنزته بحركة عفوية لكنها تحمل دفئا خاصا . عندما نظر إليها ، رأت في عينيه بعض الدهشة لكنها تجاهلت ذلك وقالت بصوت هادئ لكنه واضح ومليئ بالاصرار "عماد احنا لازم نتكلم " هز عماد راسه سريعا وكأنه كان يتوقع طلبها وقال بهدوء وعلى وجهه ابتسامة صغيرة " تمام ...انا كمان كنت عايزة اتكلم معاكي " لكن قبل أن يبدا اي حوار بينهما ، جاء صوت والده وهاب من الامام يناديه بلهجة جادة "'عماد تعال معاي بسرعة ! في شغل مهم بالشركة ولازم نطلع حالا !" نظر إليها عماد سريعا وقال بأسف صادق " آسف ياهالة ...بس خلينا نأجل الكلام لآخر الليل ...او على الصبح " هالة التي شعرت بالضيق بسبب حظها العاثر ، ابتسمت في وجهه بهدوء وردت " معلش ...انا هكون مستنياك" بعد ان غادر عماد رفقة والده ، ظلت هالة في مكانها للحظات تراقب طريقه . مزيج من المشاعر تجمعت في داخلها دفعة واحدة : قلق ، أمل ، وترقب . كما اخدت تفكر فيما ستقوله في المساء عند عودته . هل تخبره بصراحة انها تريد العيش معه كزوجة له ؟ ام تنتظر حتى يتحدث هو الاول ويخبرها بحقيقة شعوره نحوها ومايتوقعه لعلاقتهما . قررت الصعود لغرفتها بخطوات متثاقلة كي تستريح قبل عودته ، لكن استوقفها   صوت كريم يناديها في الممر . استدارت نحوه بوجهها المتجهم فقد كانت علاقتهما لاتحتاج الى اي كلام ولم تتوقع م أن يطلب الحديث معها خاصة بعد ماحدث قبل ساعات قليلة. قال كريم بنبرة هادئة " ممكن دقيقة؟" ردت عليه هالة بحذر لكن باحترام " تفضل" " بتعرفي مكان عماد ؟ دورت عليه ومالقيتوش " " عماد طلع مع ابوه ...بس بتدور على جوزي ليه ؟" نظر إليها كريم للحظة وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة ثم قال " انا كنت عايز اعتذر لحضرتك عن اللي حصل قبل كدة . كنت عصبي وماقدرتش اتحكم بنفسي ودفعتك " شعرت هالة بالدهشة ،لكنها ام تظهرها على الفور .لم تتوقع أن كريم بشخصيته الحادة سيأتي للاعتذار منها. اخدت لحظة للتفكير قبل أن تردف " ماشي ...اعتذارك مقبول " لكنها أضافت بنبرة صارمة  " بس لازم تعتذر من عماد كمان . " ابتسم كريم بخفة وكأن كلماتها أثرت فيه بطريقة ايجابية ورد " عارف ! ...علشان كدة كنت بدور عليه ...كنت ناوي اعتذر له كمان " لم تقل هالة شيئا ، لكنها شعرت ببعض الراحة . فقد كان اعتذار كريم خطوة غير متوقعة لكنها تظهر ان هناك تغييرا يحدث ولو كان بسيطا . كريم من ناحيته شعر بالاطمئنان على عماد ، فلديه الان زوجة قوية تقف بجانبه وخلفه . تدعمه وتحميه حتى وهو غائب . ورغم ان كريم لم يكن يعرف هالة جيدا الا أنه شعر بشيئ من التقدير لها فهي في كل مرة تؤكد له انها ليست زوجة عادية . _____ مرت الساعات على  هالة وهي جالسة على السرير تضم قدميها الى صدرهاتشاهد التلفاز أمامها الذي يعرض أحد البرامج التي لم تتمكن من التركيز عليها. كانت عيناها تحدقان في الشاشة، لكن عقلها كان شاردًا بعيدًا، منشغلًا بلحظة تنتظرها منذ الصباح. اللحظة التي يدخل فيها عماد إلى الغرفة، ليبدأ الحديث الذي تواعدا عليه.كانت تشعر بتوتر يرافقه شيء من الحماسة، فقد كانت تريد أن تفهم أخيرًا ما يدور في رأسه وما يخبئه قلبه عنها. تناهى إلى مسامعها صوت محرك سيارة قادم من الخارج. نهضت على الفور، وتوجهت نحو النافذة. أزاحت الستارة قليلًا، لتلمحه ينزل من السيارة بصحبة والده. كان الظلام يلف المكان، لكن ضوء السيارة أبرز ملامحه المألوفة التي حفظتها عن ظهر قلب. اخد قلبها يخفق بقوة فور رؤيته كما  شعرت بحماس يملؤها. أخيرًا عاد! راقبتهما وهما يدخلان المنزل، ثم اختفى الصوت وعاد السكون ليخيم من جديد. انتظرت هالة بضع دقائق وهي  تشعر أن الوقت يمضي ببطء شديد. اخدت تدور في أرجاء الغرفة كمن يحاول تهدئة نفسه، لكن القلق كان يزداد مع كل لحظة.لم تستطع الانتظار اكثر فأخذت السترة المعلقة بجانب السرير وارتدتها ثم خرجت من الغرفة بخطوات حذرة تبحث عن أي أثر لعماد. في الردهة، قابلت المدبرة التي كانت تحمل صينية شاي متوجهة نحو المكتب. سألتها هالة بنبرة قلقة: "ماشفتيش عماد ياطنط؟" ردت المدبرة بابتسامة مطمئنة: "هو في غرفة المكتب ، وطلب مني أجيب له الشاي." توقفت هالة للحظة، ثم مدت يدها وأخذت الصينية منها، وقالت بابتسامة لم تستطع ان تكبتها "اعطيني انا اللي هوديها له ." سارت نحو غرفة المكتب بخطوات مترددة، تحاول جمع شجاعتها. عندما وصلت إلى باب المكتب، لاحظت أنه كان مفتوحًا قليلاً. وقفت للحظة تحاول تهدئة أنفاسها كي تظهر امامه بمظهر طبيعي. لكن صوت الحديث بالداخل أجبرها على التوقف. كان صوت عماد واضحًا، وصوت والده أعمق وأكثر حدة. سمعت والده يقول: "بص، لو عاوز تطلقها، أنا ما عنديش مانع. لكن بصراحة، لو جابت لنا وريث يبقى أحسن. بعد كل ده، أنت اتجوزتها علشان كده، مش كده؟" تجمدت في مكانها. الكلمات ضربتها كالصاعقة. "يطلقني؟ وريث؟" عقلها لم يستوعب ما تسمعه. شعرت بأن الأرض تهتز تحت قدميها، وبأن الغرفة تضيق عليها. كلمات والده كانت باردة وقاسية، وكأنها مجرد أداة لتحقيق غاية شخص آخر. حاولت أن تتماسك، لكن شحوب وجهها وارتعاش يديها فضحا اضطرابها. بصعوبة، تراجعت إلى الوراء، وعادت إلى غرفتها تحمل الصينية بيدين ترتجفان . عندما دخلت الغرفة، وضعت الصينية على الطاولة بقوة. جلست على طرف السرير وهي تحاول استيعاب ما حدث. شعرت بغضب شديد يمتزج بألم لا يوصف. "كيف يمكنه أن يكون بهذه القسوة؟ ألا يكفي أنه تزوجني بلا رغبة؟ الآن يريد وريثًا ليطلقني؟" لم تتمكن من السيطرة على أعصابها. دفعت الصينية بعصبية، فسقط كوب الشاي على الأرض، متحطمًا إلى شظايا. جلست على السرير ودفنت وجهها بين يديها، تحاول أن تسيطر على نفسها فهاهي تنكسر للمرة الثانية بسببه. فقد كانت تنتظر حديثًا يبدد الغموض، لكنها الآن باتت تواجه حقيقة جارحة. "كل شيء بيننا كان كذبة. لم أكن أنا التي يريدها، بل كان يريد وريثًا مني." كانت الغرفة باردة، لكنها لم تشعر بالبرد. ما شعرت به كان أعمق وأكثر وجعًا، إحساس بالخذلان من رجل ظنت أنه ربما يحمل لها ولو ذرة من التقدير والمشاعر. في المكتب، وقف عماد يتحدث مع والده بلهجة حازمة وغير معتادة "بابا، أنا مش هطلق هالة. هي مش مجرد ست جبتها علشان تنجب وريث للعيلة. مش ممكن أتعامل معاها بالشكل ده. اللي بيني وبينها أكبر من أي حاجة رخيصة زي كدة" حاول والده أن يقاطعه، لكن عماد رفع يده، كأنه يطلب منه التوقف عن الحديث، ثم أكمل بنبرة أكثر صلابة "هالة جزء مني دلوقتي، ومهما حصل مش هسمح لحد يقلل منها أو يعاملها كأنها شيء." غادر المكتب بسرعة، قبل أن يمنح والده فرصة الرد. كان يشعر بنبضات قلبه تتسارع، ليس من الغضب فقط، ولكن من الحماس أيضًا. أخيرًا، قرر أن يواجه مشاعره، وأن يخبر هالة بالحقيقة التي ظل يخفيها لوقت طويل. صعد السلالم بخطوات سريعة، وكل ما كان يدور في رأسه هو أن يراها، أن يشعر بدفء وجودها بجانبه. فهو غير قادر ان ينكر انها قد اصبحت كل حياته ،يومه لايكتمل بدونها .وصل إلى باب الغرفة، توقف للحظة كي يهدئ نفسه. ثم فتح الباب بهدوء، ليجد الغرفة مظلمة، إلا من ضوء خافت ينبعث من مصباح الطاولة. وقعت عيناه عليها، جالسة على حافة السرير، ظهرها مستقيم وملامحها جامدة. كانت تنظر ناحيته ببرود لم يعتده منها. شعر  أن هناك خطبًا ما، لكنه رجح ذلك لتأخره عليها. اقترب منها بخطوات مترددة، ثم جلس إلى جوارها على السرير. نظر إليها وقال بنبرة مليئة بالأسف "عارف إني اتأخرت عليكِ، آسف." لم تلتفت إليه، واكتفت بالرد بصوت هادئ ومقتضب "مافيش مشكلة...ماانت كنت بتشتغل" شعر عماد بثقل كلماتها، لكنه قرر أن يمضي قدمًا. نظر إليها مجددًا وقال بعد ان اخد نفسا عميقا "هالة... أنا عاوزك تسمعيني. في حاجة مهمة لازم أقولها." لكنها قاطعته بحزم لم يتوقعه "لا يا عماد. أنا اللي عاوزاك تسمعني بالاول!" تفاجأ بنبرتها الجادة، لكنه أومأ برأسه موافقًا. انتظر بصمت، لكنه لم يكن مستعدًا لما قالته بعدها. بصوت ثابت ومباشر، نظرت إليه وقالت "أنا عاوزة الطلاق!." تجمدت ملامحه، وكأن الكلمات كانت خناجر تخترق قلبه. لم يستوعب ما سمعه، فسألها بصوت يملؤه الذهول "إيه؟! بتقولي إيه؟" أعادت كلامها بوضوح وكأنها تؤكد على نفسها ايضا "قلتلك... أنا عاوزة الطلاق. ومش هستنى سنة. أنا عاوزة الطلاق دلوقتي." عماد شعر بأن الهواء اختفى من الغرفة. نظر إليها بصدمة، كأنه يأمل أن تغير رأيها. وقال بصوت متحشرج "مش ممكن. مش هطلقك." تغيرت ملامحها فجأة، وتحول برودها إلى غضب "ليه؟! مش ده اللي كنا متفقين عليه؟ مش ده اللي أنت كنت عاوزه؟ إيه اللي تغيّر؟" بقي عماد صامتًا، يحاول إيجاد الكلمات المناسبة، لكن هالة لم تمنحه فرصة للرد. قالت بنبرة عصبية ساخرة وهي تنهض من على السرير "مش هتطلقني لغاية ما أجيب لك وريث للعيلة... مش كده؟" ارتعشت يداه، ونظر إليها بعينين مرتجفتين. سألها بصوت منخفض "سمعتي الكلام ده منين؟" ردت ببرود "سمعته بنفسي. كنت واقفة برا المكتب وسمعتك وإنت بتتكلم مع والدك." اقترب منها عماد محاولًا تفسير الأمر "لا يا هالة... ده مش حقيقي. أنا عمري ما فكرت فيكِ كده، ولا ممكن أتعامل معاكِ بالشكل ده أبداً." لكنها تراجعت للخلف، وقالت بصوت مفعم بالألم "إزاي؟! إزاي تقول كده؟ ماانت تجوزتني على هالاساس علشان ترضي عيلتك !" هز رأسه بسرعة، وقال بلهجة مليئة بالرجاء "لا! مش صح! أنا مش شايفك كده خالص." هالة حاولت أن تسيطر على نفسها، لكنها شعرت بدموعها توشك أن تسقط. رغم ضعفها الظاهر، قالت بصوت متهدج "طلقني يا عماد. خلصني." هنا، اقترب عماد أكثر، أمسك وجهها بكلتا يديه، ونظر في عينيها مباشرة. صوته كان ضعيفًا، لكنه صادق "هالة... اسمعيني. أنا مش شايفك كده. إنتِ أكتر من كده بكتير. إنتِ المرأة اللي أرتاح جنبها... اللي بحبها... واللي مش قادر أعيش من غيرها. بحياتي ماكنت فرحان او مرتاح آد ماكنت فرحان ومرتاح معاكي انتي فمتعمليش كدة فيني " شعرت هالة أن قلبها يوشك على الانفجار. كانت هذه الكلمات التي طالما أرادت سماعها. لكنها كانت ممزقة بين مشاعرها وكرامتها. التفتت بعيدًا وقالت بصوت خافت "حتى لو بتحبني... ده ما يغيرش حاجة .مايغيرش انك تجوزتني علشان اهلك وعلشان ترضي جدك وتجيبله الوريث" وأضافت بعناد بعد ان سحبت نفسها عنه " طلقني ياعماد !" رآها تحاول الابتعاد عنه، وشعر بالعجز. أدرك أنه أخطأ  لكنه ورغم ذلك ليس مستعدا لخسارتها بعد الان . في وسط ذلك الصمت الثقيل ، وقف عماد امامها بثبات ، الاصرار يلتمع في عينيه . وجهه كان جامدا خاليا من اي علامة للتردد فقد كان يعرف جيدا مايريده لاول مرة ومصمما عليه . وقال بصوت حاسم " انا مش هطلقك ياهالة ، ومش هعملها أبدا !" كانت هالة غير قادرة على تصديق كلامه ، وبعينين تشتعلين من الغضب والصدمة سألته عن السبب " ليه ؟! ...ليه مش هطلقني ؟!" الايكفي ان هذا القرار صعب عليها هي لماذا يزيد الامر صعوبة عليها اكثر ؟ اخد عماد نفسا عميقا ، ثم رد بمنتهى الجدية والصدق وكأنه يؤكد كل كلمة يقولها لها ولنفسه " انا قلتلك قبل كدة وهكرر ثاني ...انا بحبك ياهالة وهفضل اكررها لحد ماتصدقيني " هالة كانت تحاول التماسك امام كلماته التي كانت ذات تأثير قوي عليها ، فرغم غضبها منه ومن ماسمعته سابقا ومن سبب زواجهم ومن كل شيئ يقف في طريقهما شعرت بسعادة غامرة لم تظهرها في ملامحها بسبب اعترافه لها ولكن مع ذلك لن تسمح لمشاعرها في التحكم بها. ردت بعناد وهي تنظر بعيدا عن عينيه " خلاص ! انت هتفضل تقول كدة وانا هفضل أقول لك اني هتطلق منك مهما كان ! ده قراري " عماد رغم اصرارها ، ظل واقفا في مكانه بثبات كالجبل لم يتحرك او يضعف رغم ان كلماتها كانت مؤلمة جدا له . فكرة ابتعادها عنه بحد ذاته تؤلمه . هو لاينكر أنه كان قراره منذ البداية ، كان ينوي الطلاق منها عندما تطلب منه ذلك فهو لن يسمح لها بان تعيش مع شخص غير سعيد غير مرتاح في حياته المعقدة لكنه لم يكن يتوقع أنه لن يستطيع فعل ذلك في النهاية عندما يوضع في الامر الواقع . وبعناد قال هو الاخر وكانت هذه هي المرة الاولى التي يعاند فيها لاجله  . " وانا مش هطلقك ياهالة! ...مش هخليكي تسيبيني أبدا مهما كان " شعرت هالة بالدهشة بسبب اصراره الغير متوقع لكن تلك الدهشة سرعان ماتحولت الى غضب . كانت على وشك ان تتكلم وتستمر في عنادها إلا أنها ادركت انها لن تفعل شيئا غير ايجاع نفسها والكذب عليها . فهي لن تستطيع الطلاق منه او الابتعاد عنه أبدا خاصة بعد ان اكد لها مشاعره نحوها . نظرت اليه بضيق ، ثم سارت ناحية السرير ترتمي عليه ثم ترفع الغطاء عليها حتى راسها . تغمض عينيها مدعية النوم لكنها كانت تفكر ... لما تشعر بالالم رغم أنه اعترف لها بمشاعره ؟ لما تشعر ان هناك شيئا خاطئا ؟ لما لاتستطيع ان تستمع الى قلبها الذي يحثها على عيش احلامها التي صارت واقعا . فهي تحب عماد وهو يحبها لماذا لايعيشان كزوجين عاديين يحبان بعضهما ؟ كلمات وهاب أثرت عليها بالفعل وجعلت دفعة من المشاعر و الافكار تتزاحم عليها . زينة تلك الليلة في الغضب من كريم الذي رفع يده عليها اليوم للمرة الاولى ، ورغم ذلك ظل هادئا ومن يراه لايصدق حالته قبل الساعات . خرج من الحمام ليقصد السرير ، فقامت هي الأخرى تصرخ فيه بغضب وتتفوه بجمل غير متتابعة سألها بارهاق للمرة الاخيرة وهو على وشك الصعود على السرير " عايزة ايه يازينة  ؟ ثم تابع بجدية" عايزة نتطلق ؟" نظرت اليه زينة على الفور بصدمة ثم باستنكار وردت " ده اللي حضرتك عاوزه ...مااللعبة خلصت عندك ومش هتحتاجني اكثر " كريم بدهشة" بتقولي ايه يازينة بالله عليكي ؟" هنا وقفت زينة قبالته ترمي بنظراتها الحادة ناحيته وقالت بقسوة " بقول ايه ؟ مااحنا جوازنا من اوله مصلحة وحضرتك مصلحتك حققتها مش انت تجوزتني علشان تحمي نفسك من اختيارات جدك الانانية ومتكونش تحت سيطرته ؟ " كريم ببرود " ماتتلكميش وكأني جبرتك على حاجة يازينة ...زي ماانا تجوزت كرمال السبب ده انتي كمان تجوزتني علشان تحمي نفسك من ابن خالتك الغبي وتساعدي جدتك " " عارفة! مش محتاج كل مرة ذكرني بده ياكريم مش هأنسى ...بش شكلك انت لي قررت تتخلى عني وناوي طلقني بعد ما حليت مشاكلك مع جدك " زفر كريم بضيق ثم نظر إليها بهدوء وأردف بصدق وكأنه يؤكد عليها كل كلمة من كلماته " ماتقلقيش يازينة انا مش ناكر جميل . انتي هتفضلي معايا ، هحميكي وهوفرلك كل اللي انتي محتجاه وههتم بجدتك كمان زي ماوعدتك " ثم أضاف بتحذير عندما وجدها قد لانت ويبدو انها قد صدقته فهي بالنهاية كانت خائفة من ان يتخلى عنها " بس لو اتجرأتي مرة ثانية وعملتي حاجة زي دي ثاني مش هطلقك بس يازينة ...والله العظيم هتشوفي شغلات بحياتك ماتتوقعي اني هعملها " اكتفت زينة بهز راسها بهدوء قبل أن تتجه ناحية الحمام ، اغلقت الباب ثم استندت عليه براسها جالسة على الارض . زينة كانت تعرف كريم منذ الصغر ، كانا يتنافسان معا على المراتب الاولى لكنهما لم يكونا بذلك القرب الذي يسمح لهما بالحديث . كغيرها من الفتيات والنساء كانت معجبة به كشخص ذكي وناجح وكانت تطمح لان تكون مثله لكن كل ذلك إختفى عندما لم تكمل دراستها الجامعية واحتاجت للعمل لتعيل نفسها وجدتها .والاعظم من ذلك كان عندما قررت خالتها تزويجها من ابنها الذي لم تطقه يوما . فلم تجد غير قبول الزواج من كريم الذي سألها ذات مرة في رسالة عبر الواتساب وكأنه كان يعلم كل ما تعيشه . كان قد سألها وأخبرها ان زواجهم سيكون زواج مصلحة ، هي ترتاح من ابن خالتها وتضمن الرعاية الصحية لجدتها وهو يتخلص من كل السلاسل التي ينوي جده ان يقيده بها بعد عودته الى مصر . لتعيش منذ ذلك اليوم الى جانبه ،فيكون لها السند والحامي الذي اصبحت تخشى ان تفقده رغم أنه لايشعر ناحيتها باي شيئ غير انه يقوم بواجبه كزوج لها __ هالة بعد تلك الليلة مع عماد اصبحت تتجنبه كليا ، ليس لانها لاتزال غاضبة منه كما يظن بل لانها تحتاج وقتا لتفكر بشأن علاقتهما . ان كانت تريد لها الاستمرار ام تطلب الطلاق كما كانت تقول . لكن مع ذلك عماد لم ييأس من مقابلته للرفض طيلة الوقت وقرر في النهاية ان لايعاندها فإن عاندها فهي بالنهاية ستفعل ماتريده ولو كان ضد نفسها . مرت الايام عليه وهو ينتظرها كل يوم امام العمل كي يعيدها الى البيت ورغم اعتراضها المستمر المحبب كان يستمر في فعل ذلك ليس لاقناعها فقط بل لأنه يريد ذلك أيضا . _ في صباح هادئ، استفاقت هالة من نومها وهي تشعر بجوع شديد، فقد كانت الأيام الأخيرة مليئة بالتوتر والقلق لدرجة أنها لم تجد الوقت لتناول الطعام بشكل جيد. نزلت إلى المطبخ بسرعة، تبحث عن شيء بسيط تملأ به معدتها، لكن ما إن دخلت المطبخ حتى فوجئت بوجود زينة هناك، تقف بجانب الطاولة وتحمل سكينًا تقطع به الخضروات. التفتت زينة على الفور عندما سمعت صوت خطوات هالة، وألقت عليها تحية سريعة مع ابتسامتها المعتادة "صباح الخير يا هالة". هالة التي لم تكن في مزاج يسمح لها بتبادل التحيات اليوم خاصة مع زينة .نظرت إليها بنظرة باردة، وبصوت شبه جاف ردت "صباح النور". ثم توجهت نحو الثلاجة تبحث عن شيء تأكله. زينة، التي لاحظت البرود الشديد في رد هالة، حاولت إضفاء جو من اللطف فقالت "إنتي عايزة تشاركي معايا الأكل؟". كانت تعرف تمامًا أن هالة ليست من محبي الطبخ، ولن تحضر لنفسها شيئا جيدا لكن هالة لم تهتم بمحاولة زينة ، وأجابت بسرعة "لا، شكراً". ثم استمرت في البحث عن طعام، متجاهلة وجودها في المطبخ فهي لاتريد اي احتكاك معها ابدا زينة التي شعرت بالإحراج، اقتربت منها بخطوات خفيفة وقالت بصوت هادئ ولكن مليء بالتوتر "هالة، عارفة انك لسة زعلانة ...علشان كدة عايزة أعتذر عن المرة اللي فاتت... خالتي كانت متوترة ومالقيتش...". لكن هالة لم تكن مستعدة لسماع اعتذاراتها. قاطعتها بسخرية "أيوة، أكيد مالقيتش حد تلعب عليه غيري!". وأضافت بحدة، وهي تتنهد "مش لازم تعتذري، أنا بقيت معتادة على الحاجات دي. ثم أضافت بتلميح " دي مش أول مرة تحصلي". زينة فهمت فورًا أن هالة تتحدث عن الحادثة القديمة في المدرسة، عندما أخبرت زينة المدير بأنها كانت تغش في الامتحانات رغم أنها لم تكن قد فعلت. لكن جروح الماضي كانت عميقة في قلب هالة، فظل الحقد يغلي في صدرها. شعرت زينة بالحزن، وبصوت منخفض وبأسف شديد رغم أنه لن يصل الى قلب هالة الحاقد عليها أبدا قالت "إنتي لسه زعلانة مني عشان اللي حصل؟ إحنا كنا صغار وأنا مكنتش ناضجة وقتها... مكنتش فاكراها هتكبر كدة والله العظيم " أحست هالة بأن صدرها يضيق من سماع تلك الكلمات. نظرت إليها بعينين مليئتين بالغضب المكبوت، وردت بنبرة حادة اكثر من ذي قبل "وأنا كمان كنت صغيرة، وعشت حاجات مش عادلة. فممكن الأفضل ليكي إنك متحاولييش تقنعييني دلوقتي. خلاص... فات الأوان". زينة شعرت بالثقل في كلمات هالة، وكان واضحًا أن الوقت قد مر كثيرًا على أي محاولة لتصحيح الأمور بينهما. لم تستطع هالة تحضير اي شيئ وغادرت المطبخ بحنق ، عادت الى غرفتها كي تأخد حقيبتها وتتجه الى عملها فهذا الافضل لها . خطواتها كانت ثقيلة ومزاجها متعكر بعد اللقاء بزينة التي قد بدأت محاولاتها لاصلاح الماضي بينهما .  دخلت الى الغرفة في حالة مزاجية سيئة جدا كما لو كانت تحمل حملا ثقيلا على كتفيها . اقتربت ناحية حقيبتها الموضوعة على الكرسي لتحضرها وتغادر لكنها توقفت في مكانها للحظة عندما خرج عماد من الحمام يجفف شعره المبلل بهدوئه ال