الفصل الثالث عشر
الفصل13
في المساء، خفتت الأضواء في المنزل بعد يوم حافل. غادرت والدة هالة وهي تودع الجميع بحنان، بينما بقيت خالة زينة تنتظر كريم ليقلها إلى منزلها فقد كان بيت عائلة العيالي يقع بعيدا عن منزلها.
في تلك اللحظة، فور ان علمت منيرة بوصول زوجها ، قررت أن تعرض عليه الهدية التي أحضرها لها ابنهما
اتجهت إلى غرفتها مسرعة، فتحت خزانتها لتجد أن العلبة التي تحتوي على العقد قد اختفت. للحظة، لم تصدق عينيها، ثم صرخت بأعلى صوتها
"العقد! فين العقد؟!"
انتشر صوتها كالنار في الهشيم، فتجمع الجميع بسرعة عند باب غرفتها، فضولهم يسبقهم لمعرفة ما يجري.
في الصالة، كانت هالة تتحدث عبر الهاتف مع والدها تطمئنه ان والدتها عائدة الى المنزل لكنها قطعت المكالمة فور سماع الصراخ، نظرت إلى عماد الذي كان جالسا على الاريكة يقلب هاتفه ثم سألته بقلق:
"في إيه؟!"
رد عليها عماد بهدوء مشوب بالقلق:
"مش عارف، بس واضح إن في حاجة حصلت"
عندها، خرجت أمينة من الغرفة المجاورة، حيث كانت قد بدأت في تبديل ملابسها، واتجهت نحو منيرة التي كانت واقفة في منتصف الغرفة غاضبة ومضطربة وإلى جانبها زوجها يحاول تهدئتها.سألتها بصوت منخفض لتجنب إثارة الفوضى أكثر
"إيه اللي حصل يا منيرة؟ بتصيحي كدة ايه؟"
منيرة، التي كانت تبحث في كل مكان في الغرفة دون جدوى، رفعت رأسها وقالت بانفعال
"العقد اللي جابه كريم اختفى! مش لاقياه في أي مكان!"
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن تتجه نظرات منيرة بسرعة نحو زينة، التي كانت تقف بجانب كريم في الخارج والتي كان وجهها محايدًا، لكن نظرات منيرة كانت تحمل اتهامًا واضحًا.
تقدمت منيرة بخطوات ثابتة نحو زينة، وبصوت واضح، سألتها مباشرة:
"أنتِ... العقد فين؟!"
صُدم الجميع من السؤال، بينما شهقت زينة بصدمة مصطنعة وهي تهز رأسها بقوة
"وبتسأليني أنا ليه ؟! ايه هيعرفني انا مكانه؟!"
كريم، الذي كان يقف بجانب زوجته، رفع يده وكأنه يحاول إيقاف الأمور قبل أن تتصاعد، وقال بحزم
"ماما، لو سمحتي! ماينفعش تتكلمي كده مع زينة. دي مراتي،و مستحيل تعمل حاجة زي دي."
حاولت أمينة التدخل لتهدئة الوضع، وقالت لمنيرة
"هدّي نفسك، يمكن العقد في مكان تاني. دوري كويس قبل ما تتهمي حد."
لكن منيرة كانت واثقة، وأصرت بعناد
"أنا دورت في كل مكان! العقد اختفى، والبت دي كانت الوحيدة اللي اتحركت من مكانها النهاردة!"
امينة بدهشة " ايه تحركت من مكانها يامنيرة؟ ماكلنا قمنا من اماكننا ...الله يهديكي "
ثم، فجأة، تقدمت نحو زينة أكثر وأمسكت بذراعها بقوة، وأعادت السؤال بنبرة أكثر حدة
"أنتِ...عم قلك العقد فين؟!"
بدت زينة أكثر براءة مما توقعت منيرة، حيث شهقت بذهول واضح، وهي ترفع يديها وترد بانفعال
"أنا معرفش عن العقد حاجة! إزاي تتهميني كده؟! حرام عليكي !"
في تلك اللحظة، تدخلت خالة زينة، التي كانت تراقب المشهد بصمت، وقالت بنبرة حازمة
"يامدام كفاية كده! ماينفعش تتهميها بدون أي دليل. دا مش عدل."
لكن منيرة، التي كانت غاضبة جدًا، تذكرت فجأة أن زينة غادرت الغرفة لبعض الوقت أثناء جلوس النساء. فالتفتت نحو الخالة وقالت بتحدٍ
"وقت ما كنا قاعدين، البت دي قامت شوية. مين يقول إنها ماخدتش العقد؟"
الخالة، التي شعرت بالإهانة من هذا الاتهام، رفعت صوتها وقالت بغضب وهي تشير بنظراتها الى هالة التي كانت قد اخدت جانبا وقررت عدم التدخل
"ومعنى كده إيه؟ زينة لو قامت، كمان الست دي قامت! ليه ما تقوليش إنها هي اللي خدت العقد؟!"
بدت الدهشة واضحة على وجه هالة، التي لم تستوعب كيف انقلبت الاتهامات نحوها فجأة. وقبل أن تنطق بكلمة، تدخل عماد على الفور، متحدثًا بصوت قوي ومدافعًا عن زوجته
"هالة؟! مستحيل تعمل حاجة زي دي. متأكد إنها مالهاش علاقة."
ثم جاءت شيماء لتدعم كلام أخيها، وقالت بلهجة قاطعة:
"هالة مش ممكن تعمل كده. دا كلام فارغ، وكلنا عارفين ده كويس."
لكن الخالة، التي شعرت أن الجميع يهاجم زينة، لم تتمالك أعصابها، وصاحت
"وأنتو بتلمحوا على ايه؟! أنه زينة ممكن تعمل حاجة زي كدة ؟!
امينة تحاول تسوية الامور وتهدئة الجو " ماقلناش كدة يامدام أكيد احنا مابنشكش في زينة أبدا"
منيرة باعتراض " لا! مين قال ؟ انا بشك فيها وبقول أنه هي ."
امينة بقلة حيلة " يامنيرة ..."
توفيق بتعب" يامنيرة انتي بتقولي ايه الله يهديكي ؟ بتتهمي مرات ابنك ؟!"
منيرة باعتراض " مش مرات ابني! ، عايزة عقدي دلوقتي ياتوفيق قلها ترجعو "
ساد الصمت مجددًا، وانقسمت نظرات الجميع بين الحيرة والغضب. التوتر كان ملموسًا في الهواء، والأجواء أصبحت مشحونة أكثر مما يمكن احتماله.
كريم الذي وجد نفسه غير قادرا على السيطرة على أعصابه صاح بصوت مرتفع وحاد
" عاوزة ايه ياماما ؟ عاوزة تتاكدي أنه زينة مالهاش علاقة ؟ طيب، مافيش مشكلة ، تعالي فتشي اوضتنا!"
كانت كلمات كريم صادمة ، كأنها أربكت الجميع .زينة التي كانت تقف الى جواره نظرت اليه بعدم تصديق للحظة .لكن سرعان ماتماسكت وسوت ملامحها لتخفي اي أثر للصدمة .ثم القت نظرة سريعة عليه قبل أن تخطو بخطوات محسوبة . تبعت منيرة ابنها نحو الغرفة ، وعيون الجميع تتعقبهم بفضول وترقب .حين دخلت الغرفة ، بدأت تفتشها وكأنها تبحث عن إبرة في كومة قش .فتحت الخزائن، افرغت الادراج قلبت كل شيئ في المكان لكن محاولاتها باءت بالفشل . كان الصمت يثقل الأجواء بينما نظرت منيرة الى كريم بتردد وكأنها غير قادرة على تصديق ماتراه .
صوت خالة زينة قطع الصمت وبنبرة شامتة قالت
" شايفة ...اتهمتي البت ظلما !"
في تلك اللحظة ، عندما لاحظت زينة ابتعاد الاغلبية عنها اقتربت من خالتها ، انحنت قليلا لتهمس في اذنها بصوت يكاد يسمع " العقد عندك بشطنتك لما تخرجي من هنا ارميه في أي مكان . "
استدارت إليها خالتها تنظر إليها بعينين متسعتين من الصدمة وجسدها يرتجف . قابلتها زينة بنظرة برود ووعدتها قائلة " هفهمك كل حاجة بعدين ، بس دلوقتي خلينا عندي القصة على السكت "
لم يكن هناك وقت للمزيد من الشرح فقد اقتربت من هما منيرة فجأة بملامح متحفزة وقد تذكرت شيئا مهما وقالت بصوت مرتفع " لو العقد مش هنا ، يبقى عندك انتي في شنطتك مثلا " وأشارت باصبعها ناحية خالة زينة التي شحب وجهها على الفور ولااراديا نظرت الى زينة التي توترت هي الأخرى .
هذه المرة قاطعها توفيق صارخا وهو يرى من زوجته تتهم من هب ودب في سرقة شيئ يمكن أن تكون أضاعته بنفسها "كفاية بقى يامنيرة ! لحد هنا وخلاص الاتهامات دي مش مقبولة!"
كان وجه زينة وخالتها شاحبا ، كانتا تدركان ان الامر سينتهي فور نزول الجميع فقد كانت الحقيبة وداخلها علبة المجوهرات بالاسفل .وكما كان الامر نزل الجميع الى الطابق السفلي وقد سبقهم كريم . كانت منيرة تسير بخطوات سريعة ناحية الحقيبة رغم محاولات امينة المستميتة لمنعها .
" منيرة أهدي! ماتفتحيش شطنة الست كدة !"
لكن منيرة كانت مصممة ، وقبل ان تصل يدها الى الحقيبة صاحت الخالة بانفعال وهي توجه أصابع الاتهام من جديد الى هالة الواقفة في الزاوية هناك وإلى جانبها عماد وشيماء وقد قرروا عدم التدخل والاكتفاء بالمراقبة من بعيد .
"الست دي ! ...الست دي كانت واقفة قريب من اوضة منيرة يمكن هي اللي تكون اخدت العقد "
الصدمة اجتاحت المكان .هالة التي كانت تراقب في صمت منذ البداية لم تستطع تصديق ماتسمعه و نظرت الى الخالة بذهول .
عماد الذي لم يستطع تحمل ان تتهم هالة مرة ثانية تدخل فورا وقال بغضب مكتوم " حضرتك سامعة نفسك بتقولي؟! ...اللي بتقوليه ده مش منطقي أبدا"
حتى شيماء رفعت صوتها هي الأخرى وصاحت بغضب " هالة استحالة تعمل كدة !"
ردت الخالة بانفعال وهي تنظر الى زينة التي تسألها ماذا تفعل " زينة قالتلي انو لما طلعت من الصالة شافت الست دي هناك . "
منيرة التي بدا يدخلها الشك ، نظرت الى هالة بعينين ضيقتين وسألت زينة مباشرة " الكلام ده صح ؟ انت شوفتي هالة قريب من الاوضة ؟"
بدت زينة وكأنها على وشك الانهيار ، لم تكن تتوقع أن تاخد الامور منعطفا آخرا . ملامحها اخدت تتبدل بين التوتر والشعور بالذنب ولم تقو على الرد .
هنا سألها توفيق بنبرة حازمة " ردي يابنتي ، الكلام ده صحيح ؟ شفتي هالة او لا ؟"
زينة مرة أخرى لم تستطع الرد ،و اخدت تبادل هالة النظرات . حيث كانت تنظر لها هذه الاخيرة بضعف . كانت هالة تشعر انها تعيش نفس الكابوس مرة أخرى . ارادت ان تدافع عن نفسها ان تخبر الجميع انه لاعلاقة لها لكنها لم تستطع ان تنطق بكلمة واحدة . كان رأسها مشوشا ، مشوشا بذكريات عاشتها منذ زمن ويبدو انها لم تستطع ان تتخطاها الى الان . ومع ذلك القدر لم يرحمها و جعلها تعيش نفس التجربة مرة اخرى . شعرت بنفسها وكأنها فتاة صغيرة مرة أخرى تقف امام لجنة التحقيق بالمدرسة تحاول عبثا ان تثبت برائتها بعد ان خانتها صديقتها المقربة ، الصديقة التي شاركتها احلامها واسرارها وقفت امامها وشهدت ضدها بأنها غشت في الامتحان مما تسبب في إسقاطها وجعلها تخسر سمعتها وتفقد الثقة في نفسها وفي الآخرين .
امينة التي كانت متاكدة من براءة هالة قالت بترجي
" ماتقولي ياهالة انه ماعندكش علاقة بالموضوع !"
شعر عماد بغرابة في هالة ، ففي العادة كانت لتقيم الدنيا على من يتهمها ظلما لكنها الان صامتة لاتنطق بشيئ . امسك بيدها فوجدها باردة ، ظن انها ستنظر اليه ولكنها لم تفعل كانت مركزة فقط مع زينة او بالاحرى مع صورة زينة وكأنها انتقلت الى عالم لايوجد به سواهما .
هنا صرخت شيماء بصدمة
" مش دي العلبة ؟! " كانت تشير الى علبة مجوهرات منيرة الموضوعة فوق الرف .
ركضت منيرة ناحيتها ومعها توفيق ، ماان فتحتها ووجدت القلادة حتى زفرت بارتياح . وليست هي فقط بل الخالة ايضا . في حين زينة اكتست على وجهها ملامح الصدمة واخدت تتساءل بقلق كيف انتقلت العلبة من الحقيبة الى الرف . لكن ماهي لحظة حتى شعرت بأن قواها قد خارت وان الهواء انسحب منها . لقد علمت إجابة سؤالها ...أنه كريم !
لم تستطع حتى ان تنظر في وجهه ، والصدمة الاكبر التي كانت للجميع عندما قبلت اعتذار منيرة بعد ارغمتها امينة على الاعتذار لها ولهالة برحابة صدر . عماد الذي شعر بالقلق على هالة قام بسحبها بعيدا الى غرفتهما .
واخد يصعد بها السلالم ، كانت تسير خلفه كأنها جسد بلاروح ، خطواتها صامتة وثقيلة وكأن الموقف السابق قد استنزف طاقتها بالكامل . فتح عماد الباب ، ثم دخل واجلسها على الاريكة بلطف . كانت صامتة ولم تنظر الى وجهه حتى .
تجول بعينيه قليلا في ارجاء الغرفة يبحث عن زجاجة ماء . لكنه لم يجد شيئا . وبصوت حنون قال " هالة انا هنزل اجيب الماية وراجعلك على طول "
أومات براسها دون أن ترفع عينيها ، وظلت في مكانها شاردة في اللاشيئ .
عماد الذي خرج عاد بسرعة ، يحمل زجاجة الماء وكوب في يديه . عندما دخل الى الغرفة وجدها كما تركها ، جالسة في نفس الوضعية وجهها شاحب وعيناها تائهتين . لكنه لمح الابتسامة الضعيفة التي حاولت رسمها على وجهها عندما انتبهت على عودته .
وبصوت خافت مليئ بالارهاق
" انا هبقى كويسة ماتقلقش "
انحنى نحوها وساعدها على شرب الماء ، راقبها بحذر يحاول فهم مايدور بداخلها لكن ملامحها لم تفصح عن شيئ . ثم جلس بجانبها على الاريكة ، تاركا مسافة صغيرة جدا بينهما . ظل صامتا لبعض البعض ، كان يريد ان يعرف مايقلقها الى هذه الدرجة لكنه لم يرد ايضا ان يضغط عليها . اخد عقله يفكر في عدة أسباب تفسر هذا الضعف الذي يراه امامه ، فهالة التي يعرفها ليست من النوع الذي ينكسر او يصمت دون الدفاع عن نفسه فهذه الحالة التي تبدو عليها الان ليست طبيعية وكان متاكدا
ان هناك شيئا اعمق .
بصوت هادئ ومتعاطف قال دون أن ينظر إليها
" لو عايزة تتكلمي ؟ أنا موجود ...هسمعك "
لم تجب في البداية وظلت على صمتها وكأنها تفكر ان كانت تريد الحديث أم لا .ثم فجأة امالت رأسها وأسندته على كتفه .شعرت به يتوتر للحظة لكنه لم يتحرك ماجعل تلك المسافة بينهما تختفي تماما .
شعر عماد بان دقات قلبه قد صارت غير منتظمة للحظة ، لكن سرعان ماتمالك نفسه وانتبه إليها عندما بدأت تتحدث وقد خرج صوتها باردا خال من اي انفعال
" شكلي الخسارة اللي خسرتها زمان ماقدرتش انساها لحد دلوقتي ..."
نظر إليها بطرف عينه دون أن يقاطعها ، في حين كانت عيناها مثبتين على الارض ونبرة صوتها محايدة لكن مع ذلك لم تستطع اخفاء الألم الذي شعرت به
" من سنين عدت ، ايام الثانوية ...كان عنا امتحان مهم او انا كنت شايفته كدة عشان كلها بالنسبالي مهمة . انا بسبب اهمالي سبت شطنتي ورا مقعدي مفتوحة بدون ماالاحظ و الورق بتاع المادة اللي كنت بمتحن فيها وقع منها وانا ماكنتش واخدة بالي. لحد مااجت المشرفة علينا وفكرت اني لما شفتها رميت الاوراق على الارض علشان ماتعرفش اني كنت بغش . "
اخدت نفسا عميقا ثم تابعت
" حاولت اشرح لها ، قلت لها ده غلط وانه الورق بتاع المادة وقع مني من غير مالاحظ . بس هي ماصدقتنيش واخدتني على المدير ، وقالت له أنه انا غشيت . هناك استدعو زينة ...البت اللي كانت وقتها اقرب حد ليا كنت متاكدة انها هتدافع عني حتى لو البت الثانية شهدت ضدي وكلهم شكوا فيني . كنا دايما مع بعض ، ماكانش حاجة ممكن تخليني اشك فيها . "
بدأ صوتها يتغير قليلا ، يعلوه مرارة مكتومة وغضب
" لكن اللي حصل كان العكس . زينة شهدت ضدي وقالت يمكن اكون عملت كدة عشان ماذاكرتش كويس وكانوا عندي ظروف . كنت مش مصدقة علشان كل الكلام اللي قالته كان كذب ." ثم اضافت بسخرية "لما واجهتها عارف قالتي ايه ؟ ...انا عملت كدة علشان كنت خايفة تجيبي علامة أكثر مني وتروح مني المنحة بس مافكرتش أنه الامور توصل لهذي المرحلة "
" اللي عملته بسبب انانيتها كلفني سنة من حياتي ، سنة كاملة ضاعت بسبب شهادة كاذبة من اقرب واحدة كنت فاكرة انها صديقتي "
ظل عماد صامتا طيلة حديثها ، لكن عينيه كانتا تحملان خليطا من الغضب والحزن .
" علشان كدة علاقتك بيها صارت فاترة ...كنت مفكر انكم لسة اصحاب واحباب "
هزت هالة رأسها ببطء وقالت ببرود
" كنت فاكر ، بس الحقيقة ؟ ...احنا عمرنا ماكنا صديقتين .على الأقل مش زي ماانا فاكرة !"
قالت ذلك ثم اغلقت عينيها بهدوء ، تسترخي على كتف عماد قليلا تشحن طاقتها قبل أن تنهض من جديد .
_____
كانت خطوات زينة التي تتبع كريم هادئة جدا ، وكان قلبها يخفق بعنف وهي تحاول كبت ارتباكها . كل خطوة نحو الغرفة تحمل معها سؤالا يتردد وتتمنى ان لايكون صحيحا ....هل كريم هو الذي غير مكان العقد ؟
تركت الباب مفتوحا قليلا ، ثم تقدمت بهدوء مصطنع تحاول التصرف بطبيعية ، لكن عيناي كريم اللتان التفتا اطفأتا شعلة الامل الموجودة بداخلها بمرور الامر بسلام .
كان يقف امامها بثبات ، وصوته جاء حادا وواضحا وهو يسألها " قولي لي بصراحة ، هل خالتك اللي كانت ناوية تسرق العقد ؟ ولا انتي لي طلبتي منها تعمل كدة؟"
تجمدت زينة في مكانها وكأن الارض سحبت من تحت قدميها ، حاولت استجماع قوتها ثم رفعت حاجبيها بدهشة مصطنعة " انت بتقول ايه ؟ تسرق ايه ؟ مش لقيت العقد على الرف ؟"
كريم الذي لم يمنحها فرصة للمراوغة فقد كان يعرف زينة جيدا ،خطا نحوها بخطوات ثابتة وصوته يحمل نبرة غضب مكتوم " انا اللي حطيت العقد على الرف "
تراجعت زينة الى الخلف بخطوة ، محاولة الحفاظ على هدوئها وقالت بنبرة باردة " وانا مالي؟ ايه علاقتي بالموضوع؟"
قال كريم بوضوح قاطع رغم الاستفزاز الذي بدأ يشعر به
"لقيت العقد في شنطة خالتك يازينة !"
شعرت زينة ان افكارها تتشابك وكل شكوكها تحولت الى يقين ،جلست على طرف السرير وقد قررت الاستمرار في الانكار " وانا مالي بقى ؟! "
انتفض كريم بغضب ، وصوته اخترق الغرفة كالرعد وصاح " ايه مالك دي ؟! عم قلك عقد أمي كان بشنطة خالتك ؟ اللي جابو هناك ؟ ...مااكيد خالتك سرقته !"
شهقت زينة بدهشة غريزية ، لكن الغضب الذي كان تفجر بداخلها كان اكبر من ان تخفيه. وقفت بسرعة وعيناها تلمعان بالحدة
" ماتقولش كلام بالشكل ده على خالتي ! دي تهمة كبيرة !"
لكن كريم الذي بدأ صبره ينفذ ، فقد كان متاكدا من ان زينة لها علاقة بالامر سواء من بعيد او قريب رد بنبرة حادة كالسيف " انا لقيت العقد بشنتطها ! ودي مش صدفة !"
لم تتراجع زينة ، بل اقتربت منه ورفعت صوتها هي الأخرى " عارف ايه اللي مش صدفة ؟! أن والدتك الخبيثة يمكن هي اللي تكون عملت كدة !عايزة توسخ سمعة خالتي وسمعتي ! مش شايف حضرتك أنه ملي جيت على هالبيت وهي ورايا بتبهدلني وتذلني !"
كانت كلماتها كالسهم ، مما اشغل غضب كريم اكثر الذي كان يحاول تمالك اعصابه . انطلق نحوها بخطوات عنيفة وعيناه تشتعلان كالنار . مما جعلها تتراجع بصدمة هذه المرة وقد بدا لها أنه على وشك ان يفقد السيطرة تماما و على وشك الانفجار .
في ذلك الوقت ، تحركت هالة مبتعدة عن عماد قليلا بسبب صوت الصراخ الذي شق سكون المنزل ، نظرت ناحية الباب تحاول معرفة مصدر الصوت لكن ماهي لحظات حتى ادركت أنه قادم من الغرفة المجاورة ...غرفة زينة وكريم
نهض عماد من مكانه فورا وكأن شيئا بداخله دفعه للتحرك .كانت نظراته تعكس شيئا من الحيرة و المسؤولية وماهي لحظات حتى اندفع خارجا لكن قبل ذلك نظر الى هالة وقال بنبرة هادئة ممزوجة بالقلق
" هشوف حصل ايه وارجع "
هالة التي حاولت تجاهل الامر زفرت بتعب وهي تقول لنفسها " ماليش دعوة بزينة ...اللي يحصل ليها مش بيهمني " . هي بالفعل كانت غير مهتمة بها لكنها شعرت بشيئ آخر يكبحها عن ترك عماد وحده في مواجهة الموقف . انها تشعر دائما كأنها مسؤولة عنه ، كأن وجودها بجانبه أصبح واجبا لاتستطيع الهروب منه .
زفرت باستياء ، ثم خرجت من الغرفة تلحق به على مضض . وقفت عند المدخل فقد كان الباب مفتوحا ، وعيناها ترقبان المشهد الذي امامها بلامبالاة . زينة كانت تضع يدها على خدها تصرخ بغضب بينما كريم يقف امامها بوجه محتقن كبركان على وشك الانفجار .
نظرت هالة إلى زينة ببرود واضح رغم ذلك التعب الذي تشعر به منذ المساء . كلمات زينة الغاضبة ملأت الغرفة وهي ترفع صوتها وتلقي بالاهانات على كريم الذي تجرء على صفعها بلاتوقف . كريم الذي كان في أقصى درجات الغضب رفع يده مجددا وكأنه على وشك صفعها مرة أخرى لكن يد عماد تدخلت في اللحظة المناسبة وأمسكت بذراعه بقوة .
قال عماد بهدوء لكن بنبرة ثابتة
" كفاية ياكريم "
لم تكن في عينيه اية مشاعر ، مجرد فراغ يثير القلق . التفت اليه كريم وقال بحدة وهو يحاول سحب ذراعه
" سيبني ياعماد !"
لكن عماد لم يطلق سراحه ، بل بقي ممسكا بذراعه متجاهلا حدة كريم .استفزاز زينة لم يتوقف ، كلماتها كانت السياط تزيد من اشتعال الموقف .
فجأة وفي لحظة ، دفع كريم عماد بقوة مما جعله يترنح وقد كانت في عينيه رغبة في القضاء على زينة .
هنا تحركت هالة بخطوات حازمة ووقفت امام عماد بسرعة ، تسحبه لتجعله خلفها قبل أن تصرخ في وجه كريم بغضب شديد
" ازاي تدفعه؟!!"
قالت ذلك وهي تدفعه على صدره بقوة . لكن كريم الذي بدا فاقدا لاي سيطرة على نفسه لم يتراجع وقام بدفعها هي ايضا بعنف مما جعلها تفقد توازنها وتلوي قدمها ثم تصطدم بالجدار تمنع نفسها عن السقوط على الارض بتاوه مكبوت .
صرخ عماد بغضب حاد ، وانقض على كريم ممسكا بياقته بقوة ، كان من الواضح أنه على وشك توجيه ضربة له.لكن هالة التي كانت تتالم من ساقها لاحظت في تلك اللحظة اقتراب وهاب وخلفه امينة .
بسرعة ، اندفعت ناحية عماد تسحبه بصعوبة ممسكة بذراعه تحاول تهدئته فهي لم تكن ستسمح له بالوقوع في المشاكل امام والده ووالدته .