نبضات عبر الزمن ( اول رواية مكتملة لي في حياتي) - الفصل الثاني عشر : - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: نبضات عبر الزمن ( اول رواية مكتملة لي في حياتي)
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثاني عشر :

الفصل الثاني عشر :

على بعد خطوات، كان عماد يقف بجوار سيارته السوداء ، مرتديا قميصا ازرقا فاتحا وبنطالا رسميا . يداه في جيبه وعيناه تتطلعان نحو المدخل وكأنه ينتظرها . ارتبكت للحظة ، فهي لم تتوقع رؤيته أبدا . ملامح الدهشة كان واضحة جدا عليها لكن سرعان ماتحولت الى ابتسامة عفوية ، اقبلت نحوه بخطوات خفيفة ومعها حقيبتها التي كانت تتارجح مع كل خطوة تخطوها . عماد الذي انتبه إليها وهي تقبل نحوه ابتسم هو الاخر . توقفت امامه وقالت بابتسامة مشرقة " عماد انت هنا ؟" كان عماد مبتسما ، لكن نظراته كانت تحاول تجنب نظراتها للحظة من الخجل "  إه ، خلصت شغلي بدري ...فقلت أجي استناكي " اتسعت ابتسامة هالة وهي تقول " طب انا اتاخرت عليك ؟ ...لو كلمتني كنت خرجت بسرعة وماسبتكش تستنى كتير " هز عماد راسه نافيا بهدوء وهو يسير نحو سيارته ، وسارت هي خلفه " لاعادي مافيش مشكلة " . خطواتهما كانت متناغمة ، صوت كعب حذائها الخفيف يتردد في الصمت .وقد كان الجو مريحا بالنسبة لهما رغم برودته . بحركته المعتادة ،فتح عماد باب السيارة لها وعندما جلست اتجه الى الجانب الاخر كي يركب ، لكن صوت شهقتها الخفيفة اوقفه . هالة بشهقة خفيفة " افتكرت سيارتي ...هي هنا " كتم عماد ضحكته وهو يجلس على مقعد القيادة " ماتقلقيش هبعت حد يجيبها " هالة بتنهيدة ارتياح " شكرا " وضعت  حقيبتها جانبا ، وبحركة سريعة وضعت حزام الامان . نظرت اليه فوجدته يقود بانتباه . كانت على وشك ان تفتح حديثا معه تساله عن يومه لكن هاتفها اخد يرن . اخرجته من حقيبتها ، ثم نظرت الى هوية المتصل عبر الشاشة فوجدتها والدتها . ردت هالة بحماس " الو !...ازيك ياماما ؟" بهجة بنبرة مليئة بالحنان " ازيك يابنتي ؟ اخبارك ايه ؟ وحشتيني اوي ياحبيبتي " " انتي كمان واحشاني ياماما ، طمنيني عنك وعن بابا و الاولاد ...انتوا كويسين مش كدة ؟" " كويسين كلنا الحمد لله . اسمعيني ياحبيبتي اتصلت عشان اعلمك أنه جاية بكرة لعندك . ازورك في بيتك ياحبيبتي " هالة بابتسامة واسعة " بجد ؟! اهلا وسهلا فيكي بتنورينا ياماما !" ثم التفتت الى عماد ووجهها يضيئ حماسا تخبره أن والدتها قادمة غدا  فابتسم بترحيب . بهجة " عماد معاكي ؟ سلميلي عليه ياهالة " هالة بتأكيد " حاضر ياماما ..." ثم سألتها" طب بابا جاي معاكي ياماما ؟ هو وحشني اوي كمان " ضحكت بهجة قائلة " لا ياحبيبتي ، ابوكي ناطر يوم بكره من زمان . هيفضل بالبيت مع الاولاد وعازم .ده هو عزم صحابه عشان يتفرجوا على الماتش سوا " ضحكت هالة بخفة " طيب ماشي ...هستناكي ياماما " الفصل12 كانت اضواء منزل عائلة العيالي تنير الحديقة امامه ، بينما توقفت سيارة عماد بسلاسة امام المدخل . نزلت هالة أولا وهي ترتب حقيبتها على كتفها . ثم تبعها عماد بخطوات هادئة . تقدما ناحية الصالة التي كانت تعج باصوات النساء . كانت منيرة لاتزال في البيت جالسة على الاريكة الكبيرة وبجوارها امينة . وشيماء على الكرسي المقابل لهما تتصفح هاتفها . هالة وهي تبتسم " مساء الخير " ابتسمت منيرة " مساء النور ياهالة ...ايه الاخبار ؟ " امينة بحنان " الحمد لله على السلامة " ثم القت نظرة على ابنها وقالت " عماد ابوك سأل عنك " عماد بهدوء " هو فين دلوقتي؟" " بالمكتب ، اطلع شوفه عايز ايه " وجه عماد نظرة الى هالة التي هزت راسها بابتسامة صغيرة ، ثم استأذن من الجميع وغادر . جلست هالة بالقرب من حماتها ، ثم قالت بحماس خفيف وهي تضع حقيبتها جانبا " كنت عايزة اقولك حاجة ياطنط امينة ...ماما كلمتني وانا جاية وقالتلي أنه هي جاية تزورنا بكره " بدت على امينة الفرحة وردت " بجد ؟ اهلا وسهلا فيها بتنورنا ...لازم نستقبلها احسن استقبال " هزت هالة راسها بتأكيد ثم قالت بنبرة هادئة تتخللها بعض الجدية " أيوه ...عشان كدة قلت اتكلم مع حضرتك بشأن التجهيزات " " أكيد قوليلي وانا هتكفل بكل حاجة " بينما كانت هالة وامينة تستكملان حديثهما حول التحضيرات وانضمت إليهما شيماء التي كانت تقدم رايها ايضا . دخلت زينة بملابسها المرتبة والانيقة وماان رأت الجميع مجتمعا اقتربت بتعبير فضولي . سألت بثقة " فيه ايه ؟ مالكوا قاعدين كدة ؟" شيماء بابتسامة " طنط بهجة والدة هالة جاية بكره عشان تزورنا " أومات زينة راسها دون اكتراث ، كانت على وشك الجلوس هي الأخرى . لكن منيرة التي كانت تنظر الى زينة بحدة منذ وصولها سألتها بفضول " طب ماتدعي اهلك انتي كمان ؟ ...مادام الفرصة متاحة قدامنا ..." ثم تابعت بسخرية " ماانتي عارفة احنا حتى ابسط الاشياء عنك ماصحلناش نعرفها " تجمدت ملامح زينة فجأة واختفت ابتسامتها الواثقة . وبنبرة آلية ردت " اهلي ماتوا الله يرحمهم " ثم اضافت وهي تحاول الظهور بمظهر متماسك امام الجميع " بس لو حضرتك مصرة تتعرفي علي ماعنديش مشكل أنه ادعو خالتي . ماهي كمان تعتبر فرد من أفراد عيلتي ." امينة التي قررت التدخل بلطف بسبب الأجواء المتوترة قالت بتأكيد " أكيد يازينة ! خليها تيجي احنا عايزين نتعرف عليها كمان ." كانت هالة تنظر الى زينة بشيئ من القلق ، او شيئ من الحزن لاجلها رغم انها لاتحبها . حاولت استعادة تركيزها وتجاهل امرها فواصلت الحديث مع شيماء ووالدتها . فمالديها الان اهم ،يجب عليها ان تستقبل والدتها احسن استقبال وترفع من مكانها امام عائلة عماد متجنبة بذلك اي مواجهة اخرى لها معها . عاد الجو بعد ذلك الى الهدوء رغم ذلك التوتر الذي ظل عالقا في الهواء خاصة بين منيرة وزينة ، وبين زينة وهالة التي حافظت على برودها الواضح . __ في صباح اليوم التالي ، استيقظت هالة مبكرة ، ارتدت ملابسها بأناقة بسيطة تعكس ذوقها في اختيار الملابس . ثم نزلت الى المطبخ لتباشر الاشراف على الاستعدادات . عندما دخلت ، وجدت ان المطبخ يعج بالحركة . فقد كانت السيدة امينة قد سبقتها واخدت تنسق كل شيى بخبرة وسرعة ، تتحرك بين الاواني واطباق الحلويات بمساعدة مدبرة المنزل وفاء . أخبرت امينة هالة انها قد قامت بدعوة شقيقتيها اللتان كانتا متحمستين للتعرف عليها وعلى والدتها فلم تجد هالة في ذلك اي حرج فلطالما كانت والدتها من النوع الاجتماعي والذي يحب الجلسات النسائية . لم تمض دقائق كثيرة حتى انضمت إليهما منيرة التي كانت قد قضت الليلة معهما . دخلت المطبخ بثقة ،مرتدية عباءة حريرية أنيقة .ثم قالت بنبرة توحي بالفضول " لو سمحتوا تعالوا معايا ...هوريكم حاجة هتعجبكم " هالة وحماتها تبادلتا النظرات سريعا ، ثم تبعتاها الى غرفة الجلوس حيث جلست في المنتصف . عندما جلس الجميع ، دخلت زينة بهدوء خطواتها كانت متأنية وابتسامتها الواثقة لم تفارق وجهها لكن نظرة عينيها كانت مشوبة بالتوتر فمنيرة كانت قد جاءت إليها خصيصا ونادتها للنزول . وليس ذلك فقط فقد قضت أمس ليلة عصيبة بعد ان تشاجرت مع كريم مرة أخرى . امام منيرة ، كانت توجد علبة صغيرة مخملية بلون ازرق داكن .مدت يدها بحركة مقصودة وامسكت بها ثم قالت بابتسامة تفيض بالتفاخر وهي تفتحها  " شايفين دي ؟ كريم ابني حبيبي ماقدرش يشوفني زعلانة فقام جبلي الهدية دي عشان يراضيني .وقالي ياماما انتي اغلى حاجة عندي ومايغلاش عليكي حاجة." فتحت العلبة بحركة بطيئة ،كأنها تمنح اللحظة طابعا دراميا .ظهرت من داخلها قلادة بديعة بتصميم فاخر مصنوعة من احجار كريمة متلئلئة . امينة وهالة تبادلتا نظرات الاعجاب ،بينما زينة ظلت متماسكة رغم ان ملامحها قد تراجعت لوهلة قبل أن تستعيد توازنها وكأن الامر لايعني لها شيئا . علقت أمينة بحماس صادق " ماشاء الله ، القلادة جميلة جدا .واضح انها غالية اوي!" ردت عليها منيرة بنبرة مليئة بالتلميح وهي تنظر مباشرة الى زينة وكأنها تبعث لها برسالة تحذير على الطريقة الغير مباشرة " أيوه ...شايفة ابني ياامينة ...مايقدرش يزعل امه او يسيبها قلقانة منه . واي حاجة تزعلني هيعرف ازاي يتخلص منها ويراضيني بالنهاية ...بعدين انا امه والام ماتتعوضش باي حاجة بالدنيا دي." زينة رغم الكلمات الواضحة التي كانت موجهة لها .ابتسمت بهدوء مستفز وقالت " ماشاء الله ياطنط ، كريم دايما عارف يختار اللي يفرحك .ربنا يخليه ليكي " منيرة بحدة " لا ياستي مش دايما . لما يجيبلي وحدة مش عارفين اصلها وفصلها منين يبقى مش عارف يختار . لما يجيني ويقلي انا تجوزت عكس التقاليد والاعراف يبقى مش عارف يختار . لما يجبلي وحدة باين عليها انها خبيثة وطمعانة فيه يبقى مش عارف يختار ." امينة التي لاحظت الجو وقد توتر مرة أخرى قالت " مش كدة يامنيرة ...البت ..." قاطعتها منيرة بانفعال وهي تقف " مالها البت ؟! مالها قوليلي؟! ...هي اللي اختارت بنفسها وهي اللي قبلت تكون عروسة لعيلة مايعرفوش عنها ولا حاجة ...فاكرة أنه لما اتجوزت كريم يبقى خلاص هتعيش زي الفل . مش عارفة إنه زي ماتجوزها قادر يطلقها . " امينة " يامنيرة البت يتيمة وغلبانة ...مش كدة ...حرام " زينة بنبرة حادة ومخيفة " انا مش غلبانة " تجمدت امينة في مكانها تنظر إليها بذهول ، في حين ضحكت منيرة بسخرية وهي تشير بيدها إليها " شوفتي البجحة اللي عم تقوليلي عنها حرام " امينة التي لم تجد ماتقوله ، تنهدت بصمت ثم غادرت برفقة هالة التي لن تسمح لشجار الكنة والحماة بتعكير مزاجها . تاركتين اياهن في مواجهة صامتة . زينة التي ورغم احتراقها من الداخل أطبقت على شفتيها باحكام وخرجت من الغرفة لكنها قبل ذلك وعدت نفسها بانها ستجعل هذه المنيرة تدفع الثمن لا محالة كان يوما مليئا بالحركة ، حيث بدأ الضيوف يتوافدون واحدا تلو الاخر . كانت والدة هالة اول من وصلت .عند الباب وقفت هالة وإلى جانبها عماد يرحبان بوالدتها . على رغم هدوء عماد المعتاد الا أنه ابتسم بخفة عندما رأى والدة هالة تقترب وقال " اهلا وسهلا ياحماتي ، نورتينا " هالة التي بدت مشرقة في فستانها الانيق امسكت بيد والدتها بحنان وقالت بلطف " وحشتيني ياماما ، تعالي عشاني ترتاحي جوة " كانت ملامح بهجة مليئة بالاشتياق والفخر ، فقد بدت ابنتها مرتاحة ومتصالحة في بيتها الجديد . وماذا تتمنى الام اكثر من ذلك ؟ سارت هالة الى جانبها وهي تدخل يدها في ذراعها تتحدثان بهدوء عن الاحوال . قالت بهجة بصوت خافت مشوب بالقلق والفضول " طمنيني يابنتي ، اخبارك مع عماد ايه؟ كل حاجة ماشية تمام ؟" ابتسمت هالة ابتسامة هادئة وردت بصدق " احنا كويسين ياماما الحمد لله " كانت كلماتها صادقة لكن يتخللها نبرة من التردد ، بسبب طبيعة علاقتهما الغريبة والتي فضلت أن تبقى بعيدة عن اي قلق عائلي . رحبت امينة ببهجة بحرارة ، ثم استاذنتها فهي تنتظر وصول شقيقتيها . تراقب الباب بعينين متلهفتين وماان وصلتا حتى اتسعت ابتسامتهما وفتحت ذراعيها لاستقبالهما . " أخيرا جيتو ! وحشتوني اوي !" ____ بدأ البيت يمتلئ بالاحاديث و النقاشات ، كان الجميع جالسا على الارائك داخل الصالة الزينة يتبادلون المجاملات والابتسامات . الجو كان مليئا بالمودة رغم أن بعض الأنفس كانت تحمل بداخلها مشاعر متباينة. في الزاوية جلست خالة زينة التي بدت نسخة طبق الأصل عن ابنة اختها ، بدا وكان النمش قد ورثته زينة من عائلة والدتها .غير ان شخصيتها كانت مختلفة  ، نظراتها كانت تائهة وكأنها في المكان الخطأ ممزوجة بشيئ من القلق والانبهار من المكان . اختارت ان تظل صامتة تراقب الأجواء من حولها دون أن تتفاعل الا عندما تسالها منيرة باقتضاب بعض الاسئلة الغريبة عن زينة او عنها. بهجة التي لمحت زينة جالسة ، تعرفت عليها الفور . سحبت هالة من ذراعها فجأة وسألتها بصوت خافت " دي مش زينة ياهالة ؟ بتعملي اي هنا ؟" تنهدت هالة وردت "حضرتها مرات كريم ابن عم عماد " شهقت بهجة بخفوت " ايه؟! ازاي؟! ...ايه الصدف دي ؟" هالة ببرود " شايفة ..." بهجة بتحذير " ماتقربيش منها ياهالة فاهمة ؟ ...البت دي ماتقدريش تتوقعي هي قادرة تعمل ايه عشان نفسها ! اصحك ياهالة...قادرة تخربلك جوازك! " هالة بقلة حيلة " تمام ياماما تمام ...أساسا انا مابتعاطاش معها " في تلك الاثناء ، قررت امينة وشقيقتها مغادرة الصالة لبعض الوقت وتوجهتا الى المطبخ . اما هالة التي كانت مستمتعة بتواجد والدتها تذكرت امرا يتعلق بالتجهيزات فقررت الذهاب للتأكد منه . بينما كانت تمشي نحو المطبخ ، سمعت صوتا خافتا يتسلل من الداخل .توقفت عند الباب ، وبفضول ممزوج بشيئ من القلق اصغت الى الحوار خاصة وانها سمعت اسم عماد . كانت شقيقة امينة تتحدث في تلك اللحظة بقلق على مصير شقيقتها " انا مش مرتاحة عليكي ياامينة ، كريم رجع ومش بس لوحده جاب معاه مراته . وكلنا متاكدين أنه هياخد كل الأعمال من ايد عماد " تنهدت امينة تنهيدة يائسة وردت " أنا عارفة ، كنت متوقعة اليوم ده . كريم لما يرجع من كندا هيبقى حديث الكل . مهما حاولت ومهما قلت عماد مش هيبقى زي كريم " تابعت حديثها بخيبة امل " انتي عارفة اني عملت كل حاجة عشان عماد يكون نسخة من كريم . بس مافيش فايدة ! دايما كريم ياخد كل الأضواء . " شعرت هالة ان كلام امينة وشقيقتها عبارة عن سهوم تخترق قلبها ، مشاعر مختلطة غمرتها في تلك اللحظة . غضب غير مبرر تجاه امينة لحكمها القاسي على عماد وحزن عميق على زوجها الذي بدا وكأنه في سباق دائم لايمكنه الفوز فيه . كانت كلمات شيماء تتردد في ذهنها حين قالت أنه لا أحد يثق بعماد في هذا البيت وانهم دائما يريدونه ان يبقى نسخة من ابن عمه . شعرت وكأن حديثهما كان تكرارا لتلك الافكار المؤلمة وسلسلة المقارنات التي لاتتوقف . لم تحتمل اكثر ودفعت الباب فجأة ، مبتسمة بتصنع لتقطع الحديث قائلة ببرود " طنط امينة المدبرة فين؟ كنت عايزة اتاكد من شوية حاجات " تفاجات امينة بظهورها وردت بسرعة " إه ، في غرفة التخزين ، شوفيها هناك " أومات هالة براسها دون أن تعلق . كانت انفاسها ثقيلة وافكارها تتصارع داخلها لكنها قررت ان تحافظ على هدوئها . فوجئت بكريم الذي كان يقف قريبا منها وبدا أنه هو الاخر استمع الى الحديث الذي دار بين والدة عماد وشقيقتها . بمنتهى الهدوء قال " ماتقوليش لعماد اللي انتي سمعتيه " رفعت هالة حاجبها باستغراب ثم قالت بعصبية وكانها تبحث عن شخص للانفعال عليه " وحضرتك تبقى مين عشان تقولي أقول ايه ومااقولش ايه لجوزي؟ " ثم سارت مبتعدة عنه . وبتعليق عابر قالت شقيقة امينة هما على وشك الخروج من المطبخ " بس بصراحة ...مرات عماد ست جميلة وانيقة جدا " امينة بابتسامة صغيرة " ده حقيقي ، انا فخورة انها كنتي ...جادة ومحترمة وشخصيتها قوية " ضحكت الشقيقة باستهزاء قائلة " يعني عكس عماد تماما " في الصالة ، كانت هالة قد عادت الى الصالة وجلست بجانب والدتها التي فور ان رات تقاسيم وجهها المتجهم سألتها " مالك ياهالة؟ في حاجة حصلت؟" هالة التي تذكرت نفسها رسمت ابتسامة سريعة على وجهها وردت " لاء ياماما مافيش ولاحاجة " لكن نظراتها الحادة كانت تقول عكس ذلك . في الوقت ذاته كانت منيرة التي لم تتوقف عن اغاظة خالة زينة باسئلتها المزعجة تستمتع بوجود المزيد من التوتر . خاصة وان زينة كانت غير موجودة في تلك اللحظة ففور ان غادرت هالة غادرت هي الأخرى في الاتجاه الاخر وفكرة واحدة تدور في راسها وهي الانتقام من منيرة على اهانتها . عادت زينة الى الصالة وماان جلست حتى سالتها خالتها بفضول " كنتي فين ؟" ردت عليها بابتسامة عريضة وعينيها تلمعان بخبث " كنت في الحمام " همست الخالة في اذنها " حماتك صعبة اوي يابت يازينة ...والظاهر انها بتكرهك اوي " ازدادت ابتسامة زينة اكثر وضحكت بخفة وهي تهمس " بس انا بحبها ولايهمك " توقفت الاحاديث بين النسوة فور دخول كريم بخطواته الثابتة وابتسامته الهادئة التي كانت تبدو واثقة كالعادة . أثار حضوره اهتمام الجميع وخاصة منيرة التي نهضت على الفور كأنها لم تر ابنها منذ اعوام . اقتربت منه وعانقته بحرارة تتمتم بفخر " حبيبي كريم والله نورت البيت كله بوجودك ، انت دايما مصدر فخر ليا " كانت نظراتها مليئة بالفخر والاعتزاز ، كما لو ان كريم انجازها الشخصي الاكبر . وقف كريم بجانبها يرد عليها التحية بابتسامة باهتة  . لم توفت شقيقة امينة الفرصة فأضافت بلهجة مليئة بالاعجاب " بصراحة كريم مثال للراجل الناجح  ، ياريت  كل الشباب يبقوا زيه !" كانت كلماتها كافية لجذب انتباه الجميع ، لكنها جعلت امينة الجالسة بهدوء بجانب منيرة تشعر بتوتر واضح . حاولت ان تحافظ على هدوئها لكن وجهها كشف عن شعور الحرج والاضطراب الذي تعاني منه. زاد الموقف توترا ، عندما تابعت شقيقة امينة حديثها " ياامينة ، ياريت عماد يبقى زي كريم ...لازم عليه يتعلم منه . شوفي كريم درس بكندا حتى ورجع للعيلة كرجل اعمال كبير" كان الحديث اشبه بطعنة ، خاصة مع جلوس هالة على مقربة والغير المبشر بالخير تستمع بصمت وعيناها ترقبان كل التفاصيل . بينما امينة التي شعرت وكانها في موقف هجومي حاولت ان تبتسم ولو بخفوت . حينها تدخلت الشقيقة الاخرى وسألت بنبرة فضولية " عماد وكريم في نفس السن مش كدة ؟" ردت منيرة بسرعة وكانها كانت تنتظر الفرصة لتوضح تفاصيل تعرفها جيدا " لا! عماد أكبر من كريم بسنة واحدة " رفعت الشقيقة حاجبها بدهشة وقالت " بجد ؟! كنتم دايما فاكرة انهم في نفس العمر " ابتسمت منيرة وقالت بنبرة تحمل شيئا من الاعتزاز والشماتة .واوضحت بنبرة خالية من المجاملة " ده لأنه عماد اعاد سنته الدراسية مرة ، علشان كدة صاروا في نفس السنة الدراسية ." كان هذا التعليق بمثابة الشرارة التي اشعلت غضب هالة . التي بقيت ساكنة للحظة لكنها كانت تضع يدها على فنجان القهوة تحركه ببطء . ثم فجأة حركته بقوة حتى اصدر صوتا حادا جذب انظار الجميع نحوها . رفعت هالة نظرها أخيرا ، وبتعبيرات جادة ونبرة حازمة قالت ببطء وكانها تقصد ايصال كل كلمة " غريب جدا ...انا كنت فاكره أنه مفهوم النجاح اتغير من زمان . يعني مش كل شخص فشل في سنة من حياته يبقى فاشل طول عمره . او هل لازم الواحد يسافر بره بس عشان نقدر تقول عليه أنه نجح .بظن أنه مش بس دي المعايير اللي تحدد أنه الشخص ناجح او فاشل في كتير معايير ثانية وكل واحد ينجح بطريقته بالنهاية . " ابتسمت ابتسامة باردة وكأنها تريد توجيه رسالتها بوضوح وأضافت "لأنه لو مشينا بالمعايير  هنبقى كلنا فاشلين ...لأنه ولا واحد فينا سافر للخارج ." ساد الصمت في الصالة للحظات ، لكن ملامح الحرج ظهرت على بعض الوجوه . لم تتوقف هالة هنا بل تابعت بعد ان وضعت الفنجان على الطاولة برفق ونبرة صوتها تزداد قوة وهي تنظر الى تلك الشقيقة التي تمنت لو استطاعت ان تنهض من مكانها وتضربها . " جوزي عماد ، مش محتاج يبقى زي اي حد ومش محتاج يتعلم من اي احد ولامحتاج يتقارن معا حدا ثاني او يعيش حياته علشان يكون ناجح . لانه بصراحة يبقى ده هو الفشل الحقيقي ...أنه يعيش مش كنفسه وبشخصيته " كانت كلماتها كالرعد في صالة امتلأت بالصمت المطبق ، الجميع ينظرون إليها بوجوه تعكس الصدمة والاندهاش . استندت زينة على الاريكة وهي تعقد ذراعيها على صدرها تكتم ضحكتها الفخورة . حتى كريم الواقف لم يستطع اخفاء ابتسامته الخافتة التي ظهرت فجأة على شفتيه . ثم سار مبتعدا عن المكان دون أن يقول اي كلمة . تاركا هالة التي اخدت قطعة من الحلوى بهدوء  من الطبق وكأنها لم تقل شيئا خارجا عن المألوف . كانت تعلم بانها قد تجاوزت الحد المسموح لها ولكنها مع ذلك لم تندم على ماقالته فهي لن تسمح لاحد بان يخطأ في حق عماد وهي موجودة . امينة التي شعرت بان الجو اصبح مشحونا حاولت كسر الصمت وقالت بصوت متصنع المرح " طيب ياجماعة ...ايه رايكم ندخل الغذاء ؟ كل جاهز ومستني " تجاوب معها الجميع على الفور ، في حين بهجة التي تابعت كلام ابنتها بصمت حتى النهاية ولم تتدخل ربتت على يدها برفق ماجعلها تنظر إليها بدهشة . كانت عيناها تحملان نظرة فخر لاتخطئها العين . فقد كانت فخورة بابنتها التي لم تردد في الدفاع عن زوجها بثبات وقوة رغم ان الجميع كان ضدها .