الفصل الحادي عشر
كانت اضواء منزل عائلة العيالي تنير الحديقة امامه ، بينما توقفت سيارة عماد بسلاسة امام المدخل . نزلت هالة أولا وهي ترتب حقيبتها على كتفها . ثم تبعها عماد بخطوات هادئة . تقدما ناحية الصالة التي كانت تعج باصوات النساء . كانت منيرة لاتزال في البيت جالسة على الاريكة الكبيرة وبجوارها امينة . وشيماء على الكرسي المقابل لهما تتصفح هاتفها .
هالة وهي تبتسم " مساء الخير "
ابتسمت منيرة " مساء النور ياهالة ...ايه الاخبار ؟ "
امينة بحنان " الحمد لله على السلامة " ثم القت نظرة على ابنها وقالت " عماد ابوك سأل عنك "
عماد بهدوء " هو فين دلوقتي؟"
" بالمكتب ، اطلع شوفه عايز ايه "
وجه عماد نظرة الى هالة التي هزت راسها بابتسامة صغيرة ، ثم استأذن من الجميع وغادر .
جلست هالة بالقرب من حماتها ، ثم قالت بحماس خفيف وهي تضع حقيبتها جانبا
" كنت عايزة اقولك حاجة ياطنط امينة ...ماما كلمتني وانا جاية وقالتلي أنه هي جاية تزورنا بكره "
بدت على امينة الفرحة وردت
" بجد ؟ اهلا وسهلا فيها بتنورنا ...لازم نستقبلها احسن استقبال "
هزت هالة راسها بتأكيد ثم قالت بنبرة هادئة تتخللها بعض الجدية " أيوه ...عشان كدة قلت اتكلم مع حضرتك بشأن التجهيزات "
" أكيد قوليلي وانا هتكفل بكل حاجة "
بينما كانت هالة وامينة تستكملان حديثهما حول التحضيرات وانضمت إليهما شيماء التي كانت تقدم رايها ايضا . دخلت زينة بملابسها المرتبة والانيقة وماان رأت الجميع مجتمعا اقتربت بتعبير فضولي .
سألت بثقة " فيه ايه ؟ مالكوا قاعدين كدة ؟"
شيماء بابتسامة " طنط بهجة والدة هالة جاية بكره عشان تزورنا "
أومات زينة راسها دون اكتراث ، كانت على وشك الجلوس هي الأخرى . لكن منيرة التي كانت تنظر الى زينة بحدة منذ وصولها سألتها بفضول " طب ماتدعي اهلك انتي كمان ؟ ...مادام الفرصة متاحة قدامنا ..." ثم تابعت بسخرية " ماانتي عارفة احنا حتى ابسط الاشياء عنك ماصحلناش نعرفها "
تجمدت ملامح زينة فجأة واختفت ابتسامتها الواثقة . وبنبرة آلية ردت " اهلي ماتوا الله يرحمهم "
ثم اضافت وهي تحاول الظهور بمظهر متماسك امام الجميع " بس لو حضرتك مصرة تتعرفي علي ماعنديش مشكل أنه ادعو خالتي . ماهي كمان تعتبر فرد من أفراد عيلتي ."
امينة التي قررت التدخل بلطف بسبب الأجواء المتوترة قالت بتأكيد " أكيد يازينة ! خليها تيجي احنا عايزين نتعرف عليها كمان ."
كانت هالة تنظر الى زينة بشيئ من القلق ، او شيئ من الحزن لاجلها رغم انها لاتحبها . حاولت استعادة تركيزها وتجاهل امرها فواصلت الحديث مع شيماء ووالدتها . فمالديها الان اهم ،يجب عليها ان تستقبل والدتها احسن استقبال وترفع من مكانها امام عائلة عماد متجنبة بذلك اي مواجهة اخرى لها معها .
عاد الجو بعد ذلك الى الهدوء رغم ذلك التوتر الذي ظل عالقا في الهواء خاصة بين منيرة وزينة ، وبين زينة وهالة التي حافظت على برودها الواضح .
__
في صباح اليوم التالي ، استيقظت هالة مبكرة ، ارتدت ملابسها بأناقة بسيطة تعكس ذوقها في اختيار الملابس . ثم نزلت الى المطبخ لتباشر الاشراف على الاستعدادات .
عندما دخلت ، وجدت ان المطبخ يعج بالحركة . فقد كانت السيدة امينة قد سبقتها واخدت تنسق كل شيى بخبرة وسرعة ، تتحرك بين الاواني واطباق الحلويات بمساعدة مدبرة المنزل وفاء .
أخبرت امينة هالة انها قد قامت بدعوة شقيقتيها اللتان كانتا متحمستين للتعرف عليها وعلى والدتها فلم تجد هالة في ذلك اي حرج فلطالما كانت والدتها من النوع الاجتماعي والذي يحب الجلسات النسائية .
لم تمض دقائق كثيرة حتى انضمت إليهما منيرة التي كانت قد قضت الليلة معهما . دخلت المطبخ بثقة ،مرتدية عباءة حريرية أنيقة .ثم قالت بنبرة توحي بالفضول
" لو سمحتوا تعالوا معايا ...هوريكم حاجة هتعجبكم "
هالة وحماتها تبادلتا النظرات سريعا ، ثم تبعتاها الى غرفة الجلوس حيث جلست في المنتصف . عندما جلس الجميع ، دخلت زينة بهدوء خطواتها كانت متأنية وابتسامتها الواثقة لم تفارق وجهها لكن نظرة عينيها كانت مشوبة بالتوتر فمنيرة كانت قد جاءت إليها خصيصا ونادتها للنزول . وليس ذلك فقط فقد قضت أمس ليلة عصيبة بعد ان تشاجرت مع كريم مرة أخرى .
امام منيرة ، كانت توجد علبة صغيرة مخملية بلون ازرق داكن .مدت يدها بحركة مقصودة وامسكت بها ثم قالت بابتسامة تفيض بالتفاخر وهي تفتحها
" شايفين دي ؟ كريم ابني حبيبي ماقدرش يشوفني زعلانة فقام جبلي الهدية دي عشان يراضيني .وقالي ياماما انتي اغلى حاجة عندي ومايغلاش عليكي حاجة."
فتحت العلبة بحركة بطيئة ،كأنها تمنح اللحظة طابعا دراميا .ظهرت من داخلها قلادة بديعة بتصميم فاخر مصنوعة من احجار كريمة متلئلئة . امينة وهالة تبادلتا نظرات الاعجاب ،بينما زينة ظلت متماسكة رغم ان ملامحها قد تراجعت لوهلة قبل أن تستعيد توازنها وكأن الامر لايعني لها شيئا .
علقت أمينة بحماس صادق
" ماشاء الله ، القلادة جميلة جدا .واضح انها غالية اوي!"
ردت عليها منيرة بنبرة مليئة بالتلميح وهي تنظر مباشرة الى زينة وكأنها تبعث لها برسالة تحذير على الطريقة الغير مباشرة
" أيوه ...شايفة ابني ياامينة ...مايقدرش يزعل امه او يسيبها قلقانة منه . واي حاجة تزعلني هيعرف ازاي يتخلص منها ويراضيني بالنهاية ...بعدين انا امه والام ماتتعوضش باي حاجة بالدنيا دي."
زينة رغم الكلمات الواضحة التي كانت موجهة لها .ابتسمت بهدوء مستفز وقالت " ماشاء الله ياطنط ، كريم دايما عارف يختار اللي يفرحك .ربنا يخليه ليكي "
منيرة بحدة
" لا ياستي مش دايما . لما يجيبلي وحدة مش عارفين اصلها وفصلها منين يبقى مش عارف يختار . لما يجيني ويقلي انا تجوزت عكس التقاليد والاعراف يبقى مش عارف يختار . لما يجبلي وحدة باين عليها انها خبيثة وطمعانة فيه يبقى مش عارف يختار ."
امينة التي لاحظت الجو وقد توتر مرة أخرى قالت
" مش كدة يامنيرة ...البت ..."
قاطعتها منيرة بانفعال وهي تقف
" مالها البت ؟! مالها قوليلي؟! ...هي اللي اختارت بنفسها وهي اللي قبلت تكون عروسة لعيلة مايعرفوش عنها ولا حاجة ...فاكرة أنه لما اتجوزت كريم يبقى خلاص هتعيش زي الفل . مش عارفة إنه زي ماتجوزها قادر يطلقها . "
امينة " يامنيرة البت يتيمة وغلبانة ...مش كدة ...حرام "
زينة بنبرة حادة ومخيفة
" انا مش غلبانة "
تجمدت امينة في مكانها تنظر إليها بذهول ، في حين ضحكت منيرة بسخرية وهي تشير بيدها إليها
" شوفتي البجحة اللي عم تقوليلي عنها حرام "
امينة التي لم تجد ماتقوله ، تنهدت بصمت ثم غادرت برفقة هالة التي لن تسمح لشجار الكنة والحماة بتعكير مزاجها . تاركتين اياهن في مواجهة صامتة . زينة التي ورغم احتراقها من الداخل أطبقت على شفتيها باحكام وخرجت من الغرفة لكنها قبل ذلك وعدت نفسها بانها ستجعل هذه المنيرة تدفع الثمن لا محالة
كان يوما مليئا بالحركة ، حيث بدأ الضيوف يتوافدون واحدا تلو الاخر . كانت والدة هالة اول من وصلت .عند الباب وقفت هالة وإلى جانبها عماد يرحبان بوالدتها . على رغم هدوء عماد المعتاد الا أنه ابتسم بخفة عندما رأى والدة هالة تقترب وقال " اهلا وسهلا ياحماتي ، نورتينا "
هالة التي بدت مشرقة في فستانها الانيق امسكت بيد والدتها بحنان وقالت بلطف " وحشتيني ياماما ، تعالي عشاني ترتاحي جوة "
كانت ملامح بهجة مليئة بالاشتياق والفخر ، فقد بدت ابنتها مرتاحة ومتصالحة في بيتها الجديد . وماذا تتمنى الام اكثر من ذلك ؟ سارت هالة الى جانبها وهي تدخل يدها في ذراعها تتحدثان بهدوء عن الاحوال .
قالت بهجة بصوت خافت مشوب بالقلق والفضول
" طمنيني يابنتي ، اخبارك مع عماد ايه؟ كل حاجة ماشية تمام ؟"
ابتسمت هالة ابتسامة هادئة وردت بصدق
" احنا كويسين ياماما الحمد لله "
كانت كلماتها صادقة لكن يتخللها نبرة من التردد ، بسبب طبيعة علاقتهما الغريبة والتي فضلت أن تبقى بعيدة عن اي قلق عائلي .
رحبت امينة ببهجة بحرارة ، ثم استاذنتها فهي تنتظر وصول شقيقتيها . تراقب الباب بعينين متلهفتين وماان وصلتا حتى اتسعت ابتسامتهما وفتحت ذراعيها لاستقبالهما .
" أخيرا جيتو ! وحشتوني اوي !"
____
بدأ البيت يمتلئ بالاحاديث و النقاشات ، كان الجميع جالسا على الارائك داخل الصالة الزينة يتبادلون المجاملات والابتسامات . الجو كان مليئا بالمودة رغم أن بعض الأنفس كانت تحمل بداخلها مشاعر متباينة.
في الزاوية جلست خالة زينة التي بدت نسخة طبق الأصل عن ابنة اختها ، بدا وكان النمش قد ورثته زينة من عائلة والدتها .غير ان شخصيتها كانت مختلفة ، نظراتها كانت تائهة وكأنها في المكان الخطأ ممزوجة بشيئ من القلق والانبهار من المكان . اختارت ان تظل صامتة تراقب الأجواء من حولها دون أن تتفاعل الا عندما تسالها منيرة باقتضاب بعض الاسئلة الغريبة عن زينة او عنها.
بهجة التي لمحت زينة جالسة ، تعرفت عليها الفور . سحبت هالة من ذراعها فجأة وسألتها بصوت خافت " دي مش زينة ياهالة ؟ بتعملي اي هنا ؟"
تنهدت هالة وردت "حضرتها مرات كريم ابن عم عماد "
شهقت بهجة بخفوت
" ايه؟! ازاي؟! ...ايه الصدف دي ؟"
هالة ببرود " شايفة ..."
بهجة بتحذير " ماتقربيش منها ياهالة فاهمة ؟ ...البت دي ماتقدريش تتوقعي هي قادرة تعمل ايه عشان نفسها ! اصحك ياهالة...قادرة تخربلك جوازك! "
هالة بقلة حيلة " تمام ياماما تمام ...أساسا انا مابتعاطاش معها "
في تلك الاثناء ، قررت امينة وشقيقتها مغادرة الصالة لبعض الوقت وتوجهتا الى المطبخ . اما هالة التي كانت مستمتعة بتواجد والدتها تذكرت امرا يتعلق بالتجهيزات فقررت الذهاب للتأكد منه . بينما كانت تمشي نحو المطبخ ، سمعت صوتا خافتا يتسلل من الداخل .توقفت عند الباب ، وبفضول ممزوج بشيئ من القلق اصغت الى الحوار خاصة وانها سمعت اسم عماد .
كانت شقيقة امينة تتحدث في تلك اللحظة بقلق على مصير شقيقتها " انا مش مرتاحة عليكي ياامينة ، كريم رجع ومش بس لوحده جاب معاه مراته . وكلنا متاكدين أنه هياخد كل الأعمال من ايد عماد "
تنهدت امينة تنهيدة يائسة وردت " أنا عارفة ، كنت متوقعة اليوم ده . كريم لما يرجع من كندا هيبقى حديث الكل . مهما حاولت ومهما قلت عماد مش هيبقى زي كريم " تابعت حديثها بخيبة امل " انتي عارفة اني عملت كل حاجة عشان عماد يكون نسخة من كريم . بس مافيش فايدة ! دايما كريم ياخد كل الأضواء . "
شعرت هالة ان كلام امينة وشقيقتها عبارة عن سهوم تخترق قلبها ، مشاعر مختلطة غمرتها في تلك اللحظة . غضب غير مبرر تجاه امينة لحكمها القاسي على عماد وحزن عميق على زوجها الذي بدا وكأنه في سباق دائم لايمكنه الفوز فيه . كانت كلمات شيماء تتردد في ذهنها حين قالت أنه لا أحد يثق بعماد في هذا البيت وانهم دائما يريدونه ان يبقى نسخة من ابن عمه .
شعرت وكأن حديثهما كان تكرارا لتلك الافكار المؤلمة وسلسلة المقارنات التي لاتتوقف . لم تحتمل اكثر ودفعت الباب فجأة ، مبتسمة بتصنع لتقطع الحديث قائلة ببرود
" طنط امينة المدبرة فين؟ كنت عايزة اتاكد من شوية حاجات "
تفاجات امينة بظهورها وردت بسرعة
" إه ، في غرفة التخزين ، شوفيها هناك "
أومات هالة براسها دون أن تعلق . كانت انفاسها ثقيلة وافكارها تتصارع داخلها لكنها قررت ان تحافظ على هدوئها . فوجئت بكريم الذي كان يقف قريبا منها وبدا أنه هو الاخر استمع الى الحديث الذي دار بين والدة عماد وشقيقتها . بمنتهى الهدوء قال " ماتقوليش لعماد اللي انتي سمعتيه "
رفعت هالة حاجبها باستغراب ثم قالت بعصبية وكانها تبحث عن شخص للانفعال عليه " وحضرتك تبقى مين عشان تقولي أقول ايه ومااقولش ايه لجوزي؟ "
ثم سارت مبتعدة عنه .
وبتعليق عابر قالت شقيقة امينة هما على وشك الخروج من المطبخ " بس بصراحة ...مرات عماد ست جميلة وانيقة جدا "
امينة بابتسامة صغيرة " ده حقيقي ، انا فخورة انها كنتي ...جادة ومحترمة وشخصيتها قوية "
ضحكت الشقيقة باستهزاء قائلة " يعني عكس عماد تماما "
في الصالة ، كانت هالة قد عادت الى الصالة وجلست بجانب والدتها التي فور ان رات تقاسيم وجهها المتجهم سألتها " مالك ياهالة؟ في حاجة حصلت؟"
هالة التي تذكرت نفسها رسمت ابتسامة سريعة على وجهها وردت " لاء ياماما مافيش ولاحاجة "
لكن نظراتها الحادة كانت تقول عكس ذلك .
في الوقت ذاته كانت منيرة التي لم تتوقف عن اغاظة خالة زينة باسئلتها المزعجة تستمتع بوجود المزيد من التوتر . خاصة وان زينة كانت غير موجودة في تلك اللحظة ففور ان غادرت هالة غادرت هي الأخرى في الاتجاه الاخر وفكرة واحدة تدور في راسها وهي الانتقام من منيرة على اهانتها .
عادت زينة الى الصالة وماان جلست حتى سالتها خالتها بفضول " كنتي فين ؟"
ردت عليها بابتسامة عريضة وعينيها تلمعان بخبث " كنت في الحمام "
همست الخالة في اذنها " حماتك صعبة اوي يابت يازينة ...والظاهر انها بتكرهك اوي "
ازدادت ابتسامة زينة اكثر وضحكت بخفة وهي تهمس " بس انا بحبها ولايهمك "
توقفت الاحاديث بين النسوة فور دخول كريم بخطواته الثابتة وابتسامته الهادئة التي كانت تبدو واثقة كالعادة . أثار حضوره اهتمام الجميع وخاصة منيرة التي نهضت على الفور كأنها لم تر ابنها منذ اعوام .
اقتربت منه وعانقته بحرارة تتمتم بفخر
" حبيبي كريم والله نورت البيت كله بوجودك ، انت دايما مصدر فخر ليا "
كانت نظراتها مليئة بالفخر والاعتزاز ، كما لو ان كريم انجازها الشخصي الاكبر . وقف كريم بجانبها يرد عليها التحية بابتسامة باهتة .
لم توفت شقيقة امينة الفرصة فأضافت بلهجة مليئة بالاعجاب " بصراحة كريم مثال للراجل الناجح ، ياريت كل الشباب يبقوا زيه !"
كانت كلماتها كافية لجذب انتباه الجميع ، لكنها جعلت امينة الجالسة بهدوء بجانب منيرة تشعر بتوتر واضح . حاولت ان تحافظ على هدوئها لكن وجهها كشف عن شعور الحرج والاضطراب الذي تعاني منه.
زاد الموقف توترا ، عندما تابعت شقيقة امينة حديثها
" ياامينة ، ياريت عماد يبقى زي كريم ...لازم عليه يتعلم منه . شوفي كريم درس بكندا حتى ورجع للعيلة كرجل اعمال كبير"
كان الحديث اشبه بطعنة ، خاصة مع جلوس هالة على مقربة والغير المبشر بالخير تستمع بصمت وعيناها ترقبان كل التفاصيل . بينما امينة التي شعرت وكانها في موقف هجومي حاولت ان تبتسم ولو بخفوت .
حينها تدخلت الشقيقة الاخرى وسألت بنبرة فضولية
" عماد وكريم في نفس السن مش كدة ؟"
ردت منيرة بسرعة وكانها كانت تنتظر الفرصة لتوضح تفاصيل تعرفها جيدا " لا! عماد أكبر من كريم بسنة واحدة "
رفعت الشقيقة حاجبها بدهشة وقالت " بجد ؟! كنتم دايما فاكرة انهم في نفس العمر "
ابتسمت منيرة وقالت بنبرة تحمل شيئا من الاعتزاز والشماتة .واوضحت بنبرة خالية من المجاملة
" ده لأنه عماد اعاد سنته الدراسية مرة ، علشان كدة صاروا في نفس السنة الدراسية ."
كان هذا التعليق بمثابة الشرارة التي اشعلت غضب هالة وجعلها تنفجر . التي بقيت ساكنة للحظة لكنها كانت تضع يدها على فنجان القهوة تحركه ببطء . ثم فجأة حركته بقوة حتى اصدر صوتا حادا جذب انظار الجميع نحوها .
رفعت هالة نظرها أخيرا ، وبتعبيرات جادة ونبرة حازمة قالت ببطء وكانها تقصد ايصال كل كلمة
" غريب جدا ...انا كنت فاكره أنه مفهوم النجاح اتغير من زمان . يعني مش كل شخص فشل في سنة من حياته يبقى فاشل طول عمره . او هل لازم الواحد يسافر بره بس عشان نقدر تقول عليه أنه نجح .بظن أنه مش بس دي المعايير اللي تحدد أنه الشخص ناجح او فاشل في كتير معايير ثانية وكل واحد ينجح بطريقته بالنهاية . "
ابتسمت ابتسامة باردة وكأنها تريد توجيه رسالتها بوضوح وأضافت "لأنه لو مشينا بالمعايير دي هنبقى كلنا فاشلين ...لأنه ولا واحد فينا سافر للخارج ."
ساد الصمت في الصالة للحظات ، لكن ملامح الحرج ظهرت على بعض الوجوه . لم تتوقف هالة هنا بل تابعت بعد ان وضعت الفنجان على الطاولة برفق ونبرة صوتها تزداد قوة وهي تنظر الى تلك الشقيقة التي تمنت لو استطاعت ان تنهض من مكانها وتضربها .
" جوزي عماد ، مش محتاج يبقى زي اي حد ومش محتاج يتعلم من اي احد ولامحتاج يتقارن معا حدا ثاني او يعيش حياته علشان يكون ناجح . لانه بصراحة يبقى ده هو الفشل الحقيقي ...أنه يعيش مش كنفسه وبشخصيته "
كانت كلماتها كالرعد في صالة امتلأت بالصمت المطبق ، الجميع ينظرون إليها بوجوه تعكس الصدمة والاندهاش . استندت زينة على الاريكة وهي تعقد ذراعيها على صدرها تكتم ضحكتها الفخورة . حتى كريم الواقف لم يستطع اخفاء ابتسامته الخافتة التي ظهرت فجأة على شفتيه . ثم سار مبتعدا عن المكان دون أن يقول اي كلمة . تاركا هالة التي اخدت قطعة من الحلوى بهدوء من الطبق وكأنها لم تقل شيئا خارجا عن المألوف . كانت تعلم بانها قد تجاوزت الحد المسموح لها ولكنها مع ذلك لم تندم على ماقالته فهي لن تسمح لاحد بان يخطأ في حق عماد وهي موجودة .
امينة التي شعرت بان الجو اصبح مشحونا حاولت كسر الصمت وقالت بصوت متصنع المرح
" طيب ياجماعة ...ايه رايكم ندخل الغذاء ؟ كل جاهز ومستني "
تجاوب معها الجميع على الفور ، في حين بهجة التي تابعت كلام ابنتها بصمت حتى النهاية ولم تتدخل ربتت على يدها برفق ماجعلها تنظر إليها بدهشة . كانت عيناها تحملان نظرة فخر لاتخطئها العين . فقد كانت فخورة بابنتها التي لم تردد في الدفاع عن زوجها بثبات وقوة رغم ان الجميع كان ضدها .
كانت كلمات كريم صادمة ، كأنها أربكت الجميع .زينة التي كانت تقف الى جواره نظرت اليه بعدم تصديق للحظة .لكن سرعان ماتماسكت وسوت ملامحها لتخفي اي أثر للصدمة .ثم القت نظرة سريعة عليه قبل أن تخطو بخطوات محسوبة . تبعت منيرة ابنها نحو الغرفة ، وعيون الجميع تتعقبهم بفضول وترقب .حين دخلت الغرفة ، بدأت تفتشها وكأنها تبحث عن إبرة في كومة قش .فتحت الخزائن، افرغت الادراج قلبت كل شيئ في المكان لكن محاولاتها باءت بالفشل . كان الصمت يثقل الأجواء بينما نظرت منيرة الى كريم بتردد وكأنها غير قادرة على تصديق ماتراه .
صوت خالة زينة قطع الصمت وبنبرة شامتة قالت
" شايفة ...اتهمتي البت ظلما !"
في تلك اللحظة ، عندما لاحظت زينة ابتعاد الاغلبية عنها اقتربت من خالتها ، انحنت قليلا لتهمس في اذنها بصوت يكاد يسمع " العقد عندك بشطنتك لما تخرجي من هنا ارميه في أي مكان . "
استدارت إليها خالتها تنظر إليها بعينين متسعتين من الصدمة وجسدها يرتجف . قابلتها زينة بنظرة برود ووعدتها قائلة " هفهمك كل حاجة بعدين ، بس دلوقتي خلينا عندي القصة على السكت "
لم يكن هناك وقت للمزيد من الشرح فقد اقتربت من هما منيرة فجأة بملامح متحفزة وقد تذكرت شيئا مهما وقالت بصوت مرتفع " لو العقد مش هنا ، يبقى عندك انتي في شنطتك مثلا " وأشارت باصبعها ناحية خالة زينة التي شحب وجهها على الفور ولااراديا نظرت الى زينة التي توترت هي الأخرى .
هذه المرة قاطعها توفيق صارخا وهو يرى من زوجته تتهم من هب ودب في سرقة شيئ يمكن أن تكون أضاعته بنفسها "كفاية بقى يامنيرة ! لحد هنا وخلاص الاتهامات دي مش مقبولة!"
كان وجه زينة وخالتها شاحبا ، كانتا تدركان ان الامر سينتهي فور نزول الجميع فقد كانت الحقيبة وداخلها علبة المجوهرات بالاسفل .وكما كان الامر نزل الجميع الى الطابق السفلي وقد سبقهم كريم . كانت منيرة تسير بخطوات سريعة ناحية الحقيبة رغم محاولات امينة المستميتة لمنعها .
" منيرة أهدي! ماتفتحيش شطنة الست كدة !"
لكن منيرة كانت مصممة ، وقبل ان تصل يدها الى الحقيبة صاحت الخالة بانفعال وهي توجه أصابع الاتهام من جديد الى هالة الواقفة في الزاوية هناك وإلى جانبها عماد وشيماء وقد قرروا عدم التدخل والاكتفاء بالمراقبة من بعيد .
"الست دي ! ...الست دي كانت واقفة قريب من اوضة منيرة يمكن هي اللي تكون اخدت العقد "
الصدمة اجتاحت المكان .هالة التي كانت تراقب في صمت منذ البداية لم تستطع تصديق ماتسمعه و نظرت الى الخالة بذهول .
عماد الذي لم يستطع تحمل ان تتهم هالة مرة ثانية تدخل فورا وقال بغضب مكتوم " حضرتك سامعة نفسك بتقولي؟! ...اللي بتقوليه ده مش منطقي أبدا"
حتى شيماء رفعت صوتها هي الأخرى وصاحت بغضب " هالة استحالة تعمل كدة !"
ردت الخالة بانفعال وهي تنظر الى زينة التي تسألها ماذا تفعل " زينة قالتلي انو لما طلعت من الصالة شافت الست دي هناك . "
منيرة التي بدا يدخلها الشك ، نظرت الى هالة بعينين ضيقتين وسألت زينة مباشرة " الكلام ده صح ؟ انت شوفتي هالة قريب من الاوضة ؟"
بدت زينة وكأنها على وشك الانهيار ، لم تكن تتوقع أن تاخد الامور منعطفا آخرا . ملامحها اخدت تتبدل بين التوتر والشعور بالذنب ولم تقو على الرد .
هنا سألها توفيق بنبرة حازمة " ردي يابنتي ، الكلام ده صحيح ؟ شفتي هالة او لا ؟"
زينة مرة أخرى لم تستطع الرد ،و اخدت تبادل هالة النظرات . حيث كانت تنظر لها هذه الاخيرة بضعف . كانت هالة تشعر انها تعيش نفس الكابوس مرة أخرى . ارادت ان تدافع عن نفسها ان تخبر الجميع انه لاعلاقة لها لكنها لم تستطع ان تنطق بكلمة واحدة . كان رأسها مشوشا ، مشوشا بذكريات عاشتها منذ زمن ويبدو انها لم تستطع ان تتخطاها الى الان . ومع ذلك القدر لم يرحمها و جعلها تعيش نفس التجربة مرة اخرى . شعرت بنفسها وكأنها فتاة صغيرة مرة أخرى تقف امام لجنة التحقيق بالمدرسة تحاول عبثا ان تثبت برائتها بعد ان خانتها صديقتها المقربة ، الصديقة التي شاركتها احلامها واسرارها وقفت امامها وشهدت ضدها بأنها غشت في الامتحان مما تسبب في إسقاطها وجعلها تخسر سمعتها وتفقد الثقة في نفسها وفي الآخرين .
امينة التي كانت متاكدة من براءة هالة قالت بترجي
" ماتقولي ياهالة انه ماعندكش علاقة بالموضوع !"
شعر عماد بغرابة في هالة ، ففي العادة كانت لتقيم الدنيا على من يتهمها ظلما لكنها الان صامتة لاتنطق بشيئ . امسك بيدها فوجدها باردة ، ظن انها ستنظر اليه ولكنها لم تفعل كانت مركزة فقط مع زينة او بالاحرى مع صورة زينة وكأنها انتقلت الى عالم لايوجد به سواهما .
هنا صرخت شيماء بصدمة
" مش دي العلبة ؟! " كانت تشير الى علبة مجوهرات منيرة الموضوعة فوق الرف .
ركضت منيرة ناحيتها ومعها توفيق ، ماان فتحتها ووجدت القلادة حتى زفرت بارتياح . وليست هي فقط بل الخالة ايضا . في حين زينة اكتست على وجهها ملامح الصدمة واخدت تتساءل بقلق كيف انتقلت العلبة من الحقيبة الى الرف . لكن ماهي لحظة حتى شعرت بأن قواها قد خارت وان الهواء انسحب منها . لقد علمت إجابة سؤالها ...أنه كريم !
لم تستطع حتى ان تنظر في وجهه ، والصدمة الاكبر التي كانت للجميع عندما قبلت اعتذار منيرة بعد ارغمتها امينة على الاعتذار لها ولهالة برحابة صدر . عماد الذي شعر بالقلق على هالة قام بسحبها بعيدا الى غرفتهما .
واخد يصعد بها السلالم ، كانت تسير خلفه كأنها جسد بلاروح ، خطواتها صامتة وثقيلة وكأن الموقف السابق قد استنزف طاقتها بالكامل . فتح عماد الباب ، ثم دخل واجلسها على الاريكة بلطف . كانت صامتة ولم تنظر الى وجهه حتى .
تجول بعينيه قليلا في ارجاء الغرفة يبحث عن زجاجة ماء . لكنه لم يجد شيئا . وبصوت حنون قال " هالة انا هنزل اجيب الماية وراجعلك على طول "
أومات براسها دون أن ترفع عينيها ، وظلت في مكانها شاردة في اللاشيئ .
عماد الذي خرج عاد بسرعة ، يحمل زجاجة الماء وكوب في يديه . عندما دخل الى الغرفة وجدها كما تركها ، جالسة في نفس الوضعية وجهها شاحب وعيناها تائهتين . لكنه لمح الابتسامة الضعيفة التي حاولت رسمها على وجهها عندما انتبهت على عودته .
وبصوت خافت مليئ بالارهاق
" انا هبقى كويسة ماتقلقش "
انحنى نحوها وساعدها على شرب الماء ، راقبها بحذر يحاول فهم مايدور بداخلها لكن ملامحها لم تفصح عن شيئ . ثم جلس بجانبها على الاريكة ، تاركا مسافة صغيرة جدا بينهما . ظل صامتا لبعض البعض ، كان يريد ان يعرف مايقلقها الى هذه الدرجة لكنه لم يرد ايضا ان يضغط عليها . اخد عقله يفكر في عدة أسباب تفسر هذا الضعف الذي يراه امامه ، فهالة التي يعرفها ليست من النوع الذي ينكسر او يصمت دون الدفاع عن نفسه فهذه الحالة التي تبدو عليها الان ليست طبيعية وكان متاكدا
ان هناك شيئا اعمق .
بصوت هادئ ومتعاطف قال دون أن ينظر إليها
" لو عايزة تتكلمي ؟ أنا موجود ...هسمعك "
لم تجب في البداية وظلت على صمتها وكأنها تفكر ان كانت تريد الحديث أم لا .ثم فجأة امالت رأسها وأسندته على كتفه .شعرت به يتوتر للحظة لكنه لم يتحرك ماجعل تلك المسافة بينهما تختفي تماما .
شعر عماد بان دقات قلبه قد صارت غير منتظمة للحظة ، لكن سرعان ماتمالك نفسه وانتبه إليها عندما بدأت تتحدث وقد خرج صوتها باردا خال من اي انفعال
" شكلي الخسارة اللي خسرتها زمان ماقدرتش انساها لحد دلوقتي ..."
نظر إليها بطرف عينه دون أن يقاطعها ، في حين كانت عيناها مثبتين على الارض ونبرة صوتها محايدة لكن مع ذلك لم تستطع اخفاء الألم الذي شعرت به
" من سنين عدت ، ايام الثانوية ...كان عنا امتحان مهم او انا كنت شايفته كدة عشان كلها بالنسبالي مهمة . انا بسبب اهمالي سبت شطنتي ورا مقعدي مفتوحة بدون ماالاحظ و الورق بتاع المادة اللي كنت بمتحن فيها وقع منها وانا ماكنتش واخدة بالي. لحد مااجت المشرفة علينا وفكرت اني لما شفتها رميت الاوراق على الارض علشان ماتعرفش اني كنت بغش . "
اخدت نفسا عميقا ثم تابعت
" حاولت اشرح لها ، قلت لها ده غلط وانه الورق بتاع المادة وقع مني من غير مالاحظ . بس هي ماصدقتنيش واخدتني على المدير ، وقالت له أنه انا غشيت . هناك استدعو زينة ...البت اللي كانت وقتها اقرب حد ليا كنت متاكدة انها هتدافع عني حتى لو البت الثانية شهدت ضدي وكلهم شكوا فيني . كنا دايما مع بعض ، ماكانش حاجة ممكن تخليني اشك فيها . "
بدأ صوتها يتغير قليلا ، يعلوه مرارة مكتومة وغضب
" لكن اللي حصل كان العكس . زينة شهدت ضدي وقالت يمكن اكون عملت كدة عشان ماذاكرتش كويس وكانوا عندي ظروف . كنت مش مصدقة علشان كل الكلام اللي قالته كان كذب ." ثم اضافت بسخرية "لما واجهتها عارف قالتي ايه ؟ ...انا عملت كدة علشان كنت خايفة تجيبي علامة أكثر مني وتروح مني المنحة بس مافكرتش أنه الامور توصل لهذي المرحلة "
" اللي عملته بسبب انانيتها كلفني سنة من حياتي ، سنة كاملة ضاعت بسبب شهادة كاذبة من اقرب واحدة كنت فاكرة انها صديقتي "
ظل عماد صامتا طيلة حديثها ، لكن عينيه كانتا تحملان خليطا من الغضب والحزن .
" علشان كدة علاقتك بيها صارت فاترة ...كنت مفكر انكم لسة اصحاب واحباب "
هزت هالة رأسها ببطء وقالت ببرود
" كنت فاكر ، بس الحقيقة ؟ ...احنا عمرنا ماكنا صديقتين .على الأقل مش زي ماانا فاكرة !"
قالت ذلك ثم اغلقت عينيها بهدوء ، تسترخي على كتف عماد قليلا تشحن طاقتها قبل أن تنهض من جديد .
_____
كانت خطوات زينة التي تتبع كريم هادئة جدا ، وكان قلبها يخفق بعنف وهي تحاول كبت ارتباكها . كل خطوة نحو الغرفة تحمل معها سؤالا يتردد وتتمنى ان لايكون صحيحا ....هل كريم هو الذي غير مكان العقد ؟
تركت الباب مفتوحا قليلا ، ثم تقدمت بهدوء مصطنع تحاول التصرف بطبيعية ، لكن عيناي كريم اللتان التفتا اطفأتا شعلة الامل الموجودة بداخلها بمرور الامر بسلام .
كان يقف امامها بثبات ، وصوته جاء حادا وواضحا وهو يسألها " قولي لي بصراحة ، هل خالتك اللي كانت ناوية تسرق العقد ؟ ولا انتي لي طلبتي منها تعمل كدة؟"
تجمدت زينة في مكانها وكأن الارض سحبت من تحت قدميها ، حاولت استجماع قوتها ثم رفعت حاجبيها بدهشة مصطنعة " انت بتقول ايه ؟ تسرق ايه ؟ مش لقيت العقد على الرف ؟"
كريم الذي لم يمنحها فرصة للمراوغة فقد كان يعرف زينة جيدا ،خطا نحوها بخطوات ثابتة وصوته يحمل نبرة غضب مكتوم " انا اللي حطيت العقد على الرف "
تراجعت زينة الى الخلف بخطوة ، محاولة الحفاظ على هدوئها وقالت بنبرة باردة " وانا مالي؟ ايه علاقتي بالموضوع؟"
قال كريم بوضوح قاطع رغم الاستفزاز الذي بدأ يشعر به
"لقيت العقد في شنطة خالتك يازينة !"
شعرت زينة ان افكارها تتشابك وكل شكوكها تحولت الى يقين ،جلست على طرف السرير وقد قررت الاستمرار في الانكار " وانا مالي بقى ؟! "
انتفض كريم بغضب ، وصوته اخترق الغرفة كالرعد وصاح " ايه مالك دي ؟! عم قلك عقد أمي كان بشنطة خالتك ؟ اللي جابو هناك ؟ ...مااكيد خالتك سرقته !"
شهقت زينة بدهشة غريزية ، لكن الغضب الذي كان تفجر بداخلها كان اكبر من ان تخفيه. وقفت بسرعة وعيناها تلمعان بالحدة
" ماتقولش كلام بالشكل ده على خالتي ! دي تهمة كبيرة !"
لكن كريم الذي بدأ صبره ينفذ ، فقد كان متاكدا من ان زينة لها علاقة بالامر سواء من بعيد او قريب رد بنبرة حادة كالسيف " انا لقيت العقد بشنتطها ! ودي مش صدفة !"
لم تتراجع زينة ، بل اقتربت منه ورفعت صوتها هي الأخرى " عارف ايه اللي مش صدفة ؟! أن والدتك الخبيثة يمكن هي اللي تكون عملت كدة !عايزة توسخ سمعة خالتي وسمعتي ! مش شايف حضرتك أنه من اليوم اللي جينا فيه البيت ده وهي ورايا بتبهدلني وتذلني !"
كانت كلماتها كالسهم ، مما اشغل غضب كريم اكثر الذي كان يحاول تمالك اعصابه . انطلق نحوها بخطوات عنيفة وعيناه تشتعلان كالنار . مما جعلها تتراجع بصدمة هذه المرة وقد بدا لها أنه على وشك ان يفقد السيطرة تماما و على وشك الانفجار .
في ذلك الوقت ، تحركت هالة مبتعدة عن عماد قليلا بسبب صوت الصراخ الذي شق سكون المنزل ، نظرت ناحية الباب تحاول معرفة مصدر الصوت لكن ماهي لحظات حتى ادركت أنه قادم من الغرفة المجاورة ...غرفة زينة وكريم
نهض عماد من مكانه فورا وكأن شيئا بداخله دفعه للتحرك .كانت نظراته تعكس شيئا من الحيرة و المسؤولية وماهي لحظات حتى اندفع خارجا لكن قبل ذلك نظر الى هالة وقال بنبرة هادئة ممزوجة بالقلق
" هشوف حصل ايه وارجع "
هالة التي حاولت تجاهل الامر زفرت بتعب وهي تقول لنفسها " ماليش دعوة بزينة ...اللي يحصل ليها مش بيهمني " . هي بالفعل كانت غير مهتمة بها لكنها شعرت بشيئ آخر يكبحها عن ترك عماد وحده في مواجهة الموقف . انها تشعر دائما كأنها مسؤولة عنه ، كأن وجودها بجانبه أصبح واجبا لاتستطيع الهروب منه .
زفرت باستياء ، ثم خرجت من الغرفة تلحق به على مضض . وقفت عند المدخل فقد كان الباب مفتوحا ، وعيناها ترقبان المشهد الذي امامها بلامبالاة . زينة كانت تضع يدها على خدها تصرخ بغضب بينما كريم يقف امامها بوجه محتقن كبركان على وشك الانفجار .
نظرت هالة إلى زينة ببرود واضح رغم ذلك التعب الذي تشعر به منذ المساء . كلمات زينة الغاضبة ملأت الغرفة وهي ترفع صوتها وتلقي بالاهانات على كريم الذي تجرء على صفعها بلاتوقف . كريم الذي كان في أقصى درجات الغضب رفع يده مجددا وكأنه على وشك صفعها مرة أخرى لكن يد عماد تدخلت في اللحظة المناسبة وأمسكت بذراعه بقوة .
قال عماد بهدوء لكن بنبرة ثابتة
" كفاية ياكريم "
لم تكن في عينيه اية مشاعر ، مجرد فراغ يثير القلق . التفت اليه كريم وقال بحدة وهو يحاول سحب ذراعه
" سيبني ياعماد !"
لكن عماد لم يطلق سراحه ، بل بقي ممسكا بذراعه متجاهلا حدة كريم .استفزاز زينة لم يتوقف ، كلماتها كانت السياط تزيد من اشتعال الموقف .
فجأة وفي لحظة ، دفع كريم عماد بقوة مما جعله يترنح وقد كانت في عينيه رغبة في القضاء على زينة .
هنا تحركت هالة بخطوات حازمة ووقفت امام عماد بسرعة ، تسحبه لتجعله خلفها قبل أن تصرخ في وجه كريم بغضب شديد
" ازاي تدفعه؟!!"
قالت ذلك وهي تدفعه على صدره بقوة . لكن كريم الذي بدا فاقدا لاي سيطرة على نفسه لم يتراجع وقام بدفعها هي ايضا بعنف مما جعلها تفقد توازنها وتلوي قدمها ثم تصطدم بالجدار تمنع نفسها عن السقوط على الارض بتاوه مكبوت .
صرخ عماد بغضب حاد ، وانقض على كريم ممسكا بياقته بقوة ، كان من الواضح أنه على وشك توجيه ضربة له.لكن هالة التي كانت تتالم من ساقها لاحظت في تلك اللحظة اقتراب وهاب وخلفه امينة .
بسرعة ، اندفعت ناحية عماد تسحبه بصعوبة ممسكة بذراعه تحاول تهدئته فهي لم تكن ستسمح له بالوقوع في المشاكل امام والده ووالدته .