نبضات عبر الزمن ( اول رواية مكتملة لي في حياتي) - الفصل العاشر: - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: نبضات عبر الزمن ( اول رواية مكتملة لي في حياتي)
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل العاشر:

الفصل العاشر:

كانت الساعة السابعة والربع عندما استيقظت هالة، وبكسل دفعت الغطاء بقدميها جانبا كي تنهض من على السرير تتجه للحمام كي تستعد بآلية للذهاب الى عملها فدوامها اليوم يبدأ على ساعة مبكرة . كانت تتحرك كعادتها حافية القدمين بخطوات رشيقة ناحية الباب . لكن في طريقها التقطت عينيها شيئا غير مألوفا . كان الغطاء الذي اعتاد عماد استعماله عند النوم مرميا على الارض وهذه ليست من عاداته . فلطالما كان يرتب اشيائه  قبل ذهابه الى العمل . اقتربت بخطوات حذرة كي تلتقطه . لكنها فوجئت بوجه عماد المستغرق في النوم والذي لم تتوقع رؤيته . شهقت بخفوت متفاجئة به . حدقت فيه للحظات وكأنها تحاول استيعاب الموقف ، قبل أن تتملكها الحيرة : هل توقظه ليذهب الى عمله ام تتركه يرتاح قليلا ؟ ترددت قليلا وهي تمسك الغطاء بيديها . ثم قررت في النهاية ايقاظه . وضعت الغطاء جانبا وبعدها انحنت تربت على كتفه بخفة  وهي تقول بصوت خافت " عماد ...عماد اصحى ، شوف الساعة كام "' جاءتها تنهيداته الغير مفهومة كرد اولي ، وكأنه لايدرك مايجري حوله بعد . لكن ماهي الا لحظات قليلة حتى فتح عماد عينيه المجهدتين بصعوبة ثم جلس ببطء على الاريكة . نظرت اليه هالة بتعمن ، وقد لاحظت وجهه الشاحب والمرهق ، حركاته الثقيلة . بدا وكأنه ليس على مايرام .لكنها رجحت ذلك لعمله المتواصل . " شكرا ياهالة ...هقوم دلوقتي اتجهز " هزت هالة راسها ببطء ،و همت بان تتركه وتتجه الى الحمام كي تستعد فلاتتاخر . الا أن صوته سعاله الجاف اوقفها فجأة . وجعلها تعود اليه بسرعة ، تجلس على ركبتيها على الارض بالقرب منه وتمد يدها تتلمس جبينه . وفور ان شعرت بحرارته المرتفعة تأكدت من أنه مريض . أردفت بجدية ممزوجة بالقلق " انت مريض ياعماد " عماد الذي ارتعش من حركتها المفاجئة وتأثر بها اخبرها بصوت متعب وهو يحاول طمأنتها " انا كويس ...ماتقلقيش " زفرت هالة بضيق ، فهي لم تصدقه وأجابت بصرامة وهي تدفعه ليستلقي على الاريكة ثم تضع عليه الغطاء من جديد " كويس ايه ؟! ...انت سخنان ياعماد ...لازم تفضل هنا وترتاح " حاول ان يعترض وهو يقول " ماتشغليش بالك ، انا هقوم اضبط نفسي وانتي عندك شغلك هتتا..." قاطعته بجدية " ده شغلي ! انا ممرضة ! ...وظيفتي اني أهتم بالمرضى سواء بالمستشفى او في البيت " ثم وقفت وهي تشد الغطاء عليه باحكام قائلة " هتفضل هنا لحد ماارجعلك ! هتجهز بسرعة وانزل اجيبلك فطار عشان تاخد دواك " كان على وشك الاعتراض مرة أخرى ، الا نظرتها الحازمة والجادة جعلته يغلق فمه . بينما سارعت هي نحو الخزانة تاخد من داخلها سروالا ابيض وكنزة وردية ثم تغلق على نفسها داخل الحمام . فور انتهاءها ، القت نظرة خاطفة عليه تتاكد من التزامه لمكانه . ثم خرجت من الغرفة تنزل السلالم باتجاه المطبخ . القت التحية على وهاب الذي كان جالسا على الاريكة يشرب قهوته بهدوء ، ثم سارت ناحية المطبخ تبحث عن المدبرة تطلب منها مساعدتها في إعداد فطور خفيف لعماد بعد ان اخبرتها بمرضه. جلست على الكرسي تنتظر ، بينما تستمع الى الاصوات الصادرة من ادوات الطهي والتقطيع . كانت هالة شاردة تفكر في حالة عماد التي اقلقتها هذا الصباح ،و ترغب في الانتهاء سريعا لتعود اليه تطمئن على حاله . تجعدت ملامح وجهها فور رؤيتها لزينة ، التي دخلت المطبخ بخطوات خفيفة وابتسامة مشرقة على وجهها وبصوت مرح قالت " صباح الخير ياهالة !" وبنبرة مقتضبة دون أن تبادلها الابتسامة ردت " صباح النور " هالة التي كانت في مزاج لايسمح لها بالمشاركة في احاديث جانبية خاصة مع زينة ،كانت قد قررت في تلك اللحظة تجاهلها مالم تتجاوز الحدود معها  . زينة التي لم تكترث لرد هالة البارد ، اتجهت ناحية مدبرة المنزل التي كانت مشغولة بتجهيز صينية الفطور لهالة وقالت " عايزة أحضر فطار ليا ولكريم ، فين الادوات اللي ممكن استعملها ؟" أشارت لها المدبرة فورا نحو احد الادراج ، وماهي لحظات حتى بدات زينة باعداد مكونات الافطار بنفسها . وقد بدت جيدة في الطبخ . زينة التي كانت مشغولة بتقطيع الخيار ، قالت بلهجة مرحة تخفي القليل من الاستفزاز وهي تحاول فتح حديث مع هالة الجالسة هناك تضع يدها على خدها " على فكرة ياهالة ، ازاي قدرتي تتجوزي وانتي مابتعرفيش تطبخي ؟" ردت عليها هالة ببرود وهي لاتزال بنفس الوضعية " هو الجواز بالنسبالك طبخ وبس ؟" شعرت زينة ببعض الاحراج من الرد ، لكنها حاولت ان تسيطر على الموقف بضحكة خفيفة " يابنتي ماتغيرتيش ولاايه؟ ...لسة بتاخدي المزاح على اعصابك كدة ؟ ...كنت بهزر معاكي مش اكثر " هالة التي بدا لها ان زينة تحاول الرجوع بها الى ذكريات الماضي قررت التوقف عن النقاش . وصمتها كان كفيلا بارسال تلك الرسالة الى زينة . بينما كان المطبخ مغمورا بنوع من التوتر الخفيف دخل كريم فجأة بخطوات هادئة وكأن وجوده لا علاقة له بالمكان أو بمن فيه . القى نظرة سريعة بلا اهتمام على زينة وهالة ثم توجه نحو الثلاجة لياخد زجاجة ماء . ماان شعرت زينة بوجوده ، حتى تغيرت نبرتها فجأة توقفت عن الكلام . وعادت للتركيز على ماكانت تفعله .محاولة منها ان تبدو منشغلة ومتحفظة . في حين ان هالة لم تعره اهتماما ونهضت من مكانها فور اقتراب مدبرة المنزل منها وهي تحمل بيديها صينية الافطار . وتقول بابتسامة دافئة " تفضلي يامدام هالة ، كل حاجة جاهزة زي ماطلبتي " تناولت هالة الصينية بامتنان وقالت بلطف " شكرا ليكي " ثم اضافت بتأكيد " لو سمحتي فور ماتلاقي الفيتامينات ابعتيلي ياها على الاوضة " " تمام يامدام هالة " كانت على وشك المغادرة ، الا أنها توقفت عند سماعها السؤال كريم المباغت " هو عماد مريض ؟" اجابته هالة بنبرة عادية " أيوه تعبان شوية " " سلامته " " الله يسلمك " قالت ذلك ،و خرجت من المطبخ بخطوات ثابتة دون أن تنظر للخلف متجاهلة كلا من زينة وزوجها . ثم صعدت السلالم وهي تفكر فقط في عماد محاولة ان تركز على مساعدته بدل الانشغال بتفاهات الآخرين . __ كانت الغرفة هادئة، إلا من صوت الساعة الحائطية التي تنبض بإيقاع رتيب. دفعت هالة الباب بهدوء، وقد حرصت على ألا تصدر صوتًا حتى لا تزعج عماد.فور دخولها ألقت نظرة سريعة نحو الأريكة، حيث كان مستلقيًا. وجهه كان لايزال شاحبًا، ورأسه مائل قليلاً إلى الجانب، غارقًا في نوم مضطرب. خطت بخفة إلى الداخل، تحمل الصينية بين يديها. وضعتها برفق على الطاولة المجاورة، ثم اقتربت منه  جلست على ركبتيها بجانبه، متفحصة وجهه عن قرب. مدّت يدها لتلمس جبينه ، واذا بها تشعر بحرارته المرتفعة التي لم تنخفض منذ تركته. جبينه كان مبللًا بالعرق، وكذلك قميصه الذي التصق بجسده بسبب الحمى. ارتبكت للحظة، لكنها سرعان ما نهضت بتوتر، متجهة نحو الخزانة تفتح ابوابها بسرعة كي تبحث عن قميص نظيف له. أمسكت أول قميص وجدته أمامها وعادت إليه مسرعة. جلست بجواره مجددًا، وربتت على كتفه برفق محاولة إيقاظه وهي تناديه بصوت خافت: "عماد... اصحى، لازم تغير هدومك." استجاب لها بصعوبة، فتح عينيه قليلاً، لكن نظرته كانت تائهة وغير واعية تمامًا. حاولت مرة أخرى، لكنها أدركت أنه في حالة وهن شديد ولا يستطيع التحرك بنفسه. تنفست بعمق، محاولًة تهدئة ارتباكها، وقررت أنه لا خيار أمامها سوى أن تساعده بنفسها. مدّت يدها ببطء نحو أزرار قميصه، مترددة ومرتبكة، وبدأت تفتح الزر الأول بيد مرتعشةمع نبضات قلبها التي اخدت تتسارع شيئا فشيئا لكن قبل أن تفك الزر الثالث، شعرت بذراعيه تطوقانها فجأة. دفعتها المفاجأة إلى الجمود تمامًا. عماد، بصوت خافت مملوء بالحمى والارتباك، قال: "ما تسيبنيش... خليكِ جنبي." شهقت بصمت، لا تصدق ما يحدث.كانت تشعر بحرارة جسده قد اصبحت أقرب إليها، ومع كل كلمة يهمس بها، كانت تشعر بان قلبها على وشك التوقف من الخفقان. حاولت التملص، لكنه أحكم عناقه. مكررا طلبه مرة أخرى، وبصوت ضعيف اخد يردد "ما تسيبنيش... أرجوكِ." كانت عاجزة عن الحركة، وقد تجمدت في مكانها للحظات، غير قادرة على استيعاب الموقف. وبينما كانت تحاول التفكير في طريقة للخروج من هذه اللحظة المحرجة، سمعت دقًا على الباب. "هالة... يا مدام، الفيتامينات." كان صوت مدبرة المنزل، مما أعادها إلى الواقع بسرعة. حاولت النهوض ببطء، لكن عماد تمسك بها مرة أخرى. نظرت إليه بتأكيد وهمست بلطف صادق: "مش هسيبك... بس لازم أفتح الباب." بصعوبة، استطاعت التحرر من ذراعيه، ونهضت بخطوات سريعة نحو الباب. فتحت الباب قليلاً، ثم مدت يدها لتأخذ علبة الفيتامينات من المدبرة وشكرتها، لكنها لم تستطع إخفاء وجهها المحمر. نظرت إليها المدبرة باستغراب ولكنها لم تسأل شيئا . "شكراً !"  قالت هالة بسرعة ثم أغلقت الباب استدارت لتجد عماد قد عاد يستند على الأريكة مجددًا، مغمض العينين . بدا لها وكأنه قد عاد للنوم . وقفت للحظة تضع يديها حول خصرها تحاول استجماع نفسها بعد ما حدث، ثم تنفست بعمق واستعادت رباطة جأشها، وهي تفكر في كيفية مواصلة تلك العملية الصعبة . بعدما ساعدت هالة عماد في تغيير قميصه المبلل بالعرق الى واحد آخر نظيف ودافئ . جلست بجواره على حافة الاريكة هذه المرة تحاول ايقاظه بلطف وهي تتحسس خده .نادته بصوت خافت " عماد ...اصحى ، لازم تاكل عشان تاخد دواك " فتح عماد عينيه تدريجيا ، نظر إليها وكأنه يحاول فهم مايحدث ثم اغمضهما من جديد .كان يبدو منهكا وضعيفا ، وبالكاد يريد ان يتحرك " عماد لو سمحت قوم " بعد عدة محاولات ، استيقظ عماد . وضعت هالة الملعقة في الطبق الذي جلبته سابقا ثم اقتربت منه من جديد قائلة " يلا يا عماد ...أفتح بقك " كان تتحدث اليه كما لو انها تتحدث الى طفل صغير مريض . استجاب لها بصعوبة ، فتح فمه واحد اللقمة ، لكنه كان متشبثا بيدها ممسكا بها كما لو كان يخشى ابتعادها عنه . تعاملت هالة معه بصبر وحنان ، تطعمه ببطء حتى تاكدت أنه تناول كمية كافية . مدت ذراعها الحرة الى الطاولة تضع عليها الطبق ، ثم اخدت كوب الماء . " دقيقة واحدة ياعماد ..." قالت بلطف وهي تسحب يدها التي كان يمسكها باحكام كي تأخد علبة الدواء و الفيتامينات . ثم ناولته إياه قائلة " دلوقتي ...لازم تاخد دواك وهتبقى كويس ان شاء الله " استجاب لها عماد دون مقاومة ،كأنه طفل مسالم يسمع ويعتمد على كل من حوله . عندما انتهى لاحظت هالة ان ملامحه قد اصبحت اكثر استرخاءا ابتسمت بخفة ، ثم ساعدته على الاستلقاء مجددا على الاريكة . رتبت الغطاء عليه .كان يبدو اكثر راحة وغرق سريعا في النوم . جلست هالة بجواره على الارض ، مسندة بظهرها على الاريكة .تمسك هاتفها بيديها تخبر احدى زميلاتها في العمل عبر الرسائل  انها ستغيب اليوم عن العمل لديها ظرف طارئ . قضت هالة اليوم بأكمله في الغرفة الى جوار عماد ولم تفكر بمغادرتها .  تطمئن عليه باستمرار تعدل غطائه وتمسح العرق من جبينه . حتى تأكدت انه بخير وان الحمى بدأت تزول . وقد بدت وكانها وجدت دورها الطبيعي في الحياة . في المساء ، عند الغروب . طرق باب الغرفة ودخلت شيماء بابتسامتها المعتادة تحمل بيديها صينية الطعام . ألقت نظرة على شقيقها النائم سائلة هالة " هو كويس دلوقتي ؟" هزت هالة رأسها بابتسامة وهي تنظر الى وجه عماد " أيوه بقى تمام الحمد لله " التفتت شيماء الى هالة وقالت بنبرة معاتبة " سمعت من طنط وفاء انك مااكلتيش حاجة من الصبح . ايه ده ياهالة؟ تعالي كلي انا جبتلك الاكل معايا " ابتسمت هالة بامتنان " ماكنتش جعانة ...هآكل بعد شوية شكرا ياشيمو !" وضعت شيماء الصينية على الطاولة ونظرت الى هالة باعجاب وقالت " بجد ياهالة وجودك مع ابيه مطمئن جدا . انا اول مرة اشوفه مرتاح كدة وكل ده عشاني انتي معاه ." ثم تابعت بامتنان صادق أثر في هالة وجعل عينيها تمتلئان بالدموع لكنها لم تبكي " شكرا بجد ...شكرا حقيقي انك موجودة في حياة ابيه " __ في الليل ... كانت هالة جالسة على الارض ، تستند على الاريكة راسها مائل على جانبها ، قدماها مطويتان تحتها . غارقة في النوم بوضعيتها الغير مريحة . فتح عماد عينيه وهو يشعر بانه قد اصبح افضل حالا بعد نوم عميق لم يجربه منذ مدة طويلة . اخد لحظة ليستوعب ما حوله . وقع نظره على الطاولة الممتلئة بالادوية و الأطباق . ثم انتبه على هالة النائمة بجواره في صمت . شقت ابتسامة لطيفة شفتيه الشاحبتين وهو ينهض بخطوات متثاقلة يقترب منها بحذر ثم ينحني ليحملها بين ذراعيه برفق . هالة التي لم تشعر باي شيئ فلطالما كان نومها ثقيلا فماادراك لو كانت منهكة .وضعها عماد على السرير برفق ثم غطاها بالبطانية . وقف للحظة يتاملها  قبل أن ينحني بجسده يطبع قبلة صغيرة على جبينها ثم يهمس بصوت خافت تتخلله العديد من المشاعر " شكرا...ياهالة " _ في صباح اليوم التالي ، فتحت هالة عينيها ببطء . مستغربة سبب وجودها في السرير . رفعت راسها ونظرت حولها لتجد عماد واقفا امام المرآة يتجهز للذهاب الى عمله وقد بدا طبيعيا . نهضت من السرير ثم اقتربت منه بخطوات هادئة تسأله بصوت ناعم يتخلله بعض القلق " عماد ...انت كويس دلوقتي ؟" عماد الذي استدار فورا إليها يبتسم بخفة قال بصوت مطمئن "هالة ! ... إه الحمد لله احسن بكثير " هالة التي لم تصدقه تماما ، فوجهه كان لايزال شاحبا بعض الشيئ اقتربت منه اكثر ورفعت يدها تلمس جبينه لتتاكد بنفسها . زفرت بارتياح حين وجدت حرارته طبيعية .ثم تراجعت قليلا وهي تقول " الحمد لله ...بس بجد كان المفروض تاخد اجازة اليوم كمان " رد عماد بابتسامة " ماقدرش ...عندي شغل كتير وبعطلة امبارح تراكم اكثر ومش هينفع اجل اكثر من كدة " هالة التي قررت ان لاتجادله فهو يعلم بمصلحته هزت راسها بقلة حيلة " طيب ...بس حاول ماتضغطش على نفسك " تركته وذهبت للحمام تستعد ليومها . عماد الذي انتهى من شرب كوب القهوة الخاصة به بدا مستعدا للمغادرة ، لكن قبل أن يغادر دخلت زينة الى الصالة وهي تحمل بيدها هاتفها وابتسامة لطيفة مرسومة على وجهها المنمش . زينة " صباح الخير ياعماد ...سمعت امبارح انك كنت تعبان . بقيت احسن دلوقتي؟" رد عماد بابتسامة مجاملة " صباح النور ، شكرا انا بخير الحمد لله " " الحمد لله ...بس لو ماستعجلتش بالخروج كان احسن " ثم اضافت بضحكة خفيفة " ده رايي طبعا وانت براحتك " اكتفى عماد بهز راسه بايجاز دون أن يرد عليها . على السلالم ، كانت هالة تنزل ببطء وهي تتاكد من محتويات حقيبتها ، عندما رفعت راسها رات عماد وزينة يقفان مقابل بعضهما البعض . توقفت للحظة ، حاجبها قد ارتفع بسبب ذلك الانزعاج الذي اخد يضغط على صدرها .   لكنها حاولت اخفاء ملامحها وهي تنزل من السلالم وقد اصبحت خطواتها سريعة متجهة نحوهما . ألقت الموظفة  نظرة على الشاشة أمامها ثم أجابتها برتابة: "غرفة 205، الدور الثاني." استجمعت قوتها وصعدت السلالم بخطوات بطيئة، وكأن كل خطوة كانت تثقل كاهلها. وصلت إلى الغرفة لكنها ظلت واقفة أمامه لبضع ثوانٍ مترددة قبل أن تقرر فتحه وتدخل الى الغرفة التي كانت بداخلها ترقد جدتها.  الغرفة باردة، مليئة بالآلات الطبية التي تصدر أصواتًا خافتة منتظمة. في حين كانت جدتها مستلقية على السرير التجاعيد على وجهها تكاد تخفي النمش الذي كان في يوم مضى  علامة مميزة لها. يثبتها أنبوب التنفس.اما صوت الأجهزة بدا كنبض حياة ضعيف يرفض الاستسلام. تقدمت زينة  بخطى بطيئة وجلست على الكرسي بجوار السرير. وجهها كان جامدًا، خالٍ من التعبير، لكنها شعرت بانقباض شديد في صدرها وهي تنظر إلى جدتها. تتذكر الايام التي جمعتهم سويا . لكنها رفضت السماح لها بالظهور على السطح. فجأة، دمعة واحدة تسللت من زاوية عينها وسقطت بصمت على يدها. حاولت مسحها بسرعة، لكنها كانت كافية لتكشف عن ضعفها للحظة قصيرة. بعد دقائق قليلة، وقفت زينة وغادرت الغرفة بهدوء، محاولة استعادة توازنها. اتجهت نحو مكتب الأطباء، تبحث عن الطبيب المسؤول عن حالة جدتها، لكن القدر كان يخبئ لها مفاجأة. بينما كانت تسير في أحد الممرات، اصطدمت عيناها بهالة، التي كانت تجر عربة لطفل صغير ساقه ملفوفة بالجبيرة. توقفت هالة  عند رؤيتها فقد كانت زينة آخر من تود رؤيته في مكان عملها، اما عيناها عكستا برودًا واضحًا. نظرت إلى زينة ثم قالت بصوت هادئ يتخلله بعض الفضول "إيه اللي جابك هنا؟" زينة التي لم تتوقع رؤية هالة هي الأخرى هنا ابتلعت ريقها ثم حاولت ان تتصرف  بشكل طبيعي، و بلهجة عادية ردت: "كنت جاية أقيس ضغطي، في عند حضرتك اي مانع ؟" مرة أخرى ودون ان تتوقع ، ظهر الطبيب المسؤول فجأة من إحدى الغرف وسألها بلطف: "مدام زينة، حضرتك عايزة تسأليني ايه بخصوص حالة جدتك فاطمة؟" نظرت هالة إلى زينة بحدة، مزيج من الشك والدهشة ملأ وجهها. انتظرت بصمت حتى غادر الطبيب، ثم استدارت نحو زينة وقالت بنبرة حادة: "جدتك؟! مش قلتي جاية تقيسي ضغطك ؟" تنهدت زينة، وكأنها قررت أن تشرح أخيرًا: "جدتي في غيبوبة بقالها سنتين. بجي أزورها من وقت للتاني... بس للأسف مش دايمًا بقدر أجي." دون أن تتخلى هالة عن برودها " الله يعافيها يارب وتقوم بالسلامة " زينة تحاول تغيير الموضوع" ماكنتش عارفة انك شغالة بالمشفى ده " هالة، وهي تضع يدها على عربة الطفل، ردت بجدية: "انتقلت لهنا عندي سنة ونص " اكتفت زينة بهز راسها ، ودون تعليق آخر دفعت هالة العربة وسارت مبتعدة، بينما زينة وقفت للحظة، تحاول استيعاب اللقاء، ثم تنهدت بعمق، وهي تشعر بثقل جديد يضاف إلى زيارتها الثقيلة أصلًا. كانت الساعة تشير الى مابعد الرابعة عصرا ، كانت هالة على وشك الذهاب لكنها تذكرت امرا وهي تمر على الغرفة التي كانت ترقد بها السيدة فاطمة جدة زينة. شعور غامض دفعها لمعرفة المزيد عن حالتها . اتجهت الى غرفة الممرضات تبحث عن الممرضة المسؤولة عن حالتها وبعد ان وجدتها قالت بنبرة مهتمة " مساء الخير ...ممكن تساعديني اعرف عن حالة الممرضة فاطمة عبد العزيز اللي بالغرفة 205 بالدور الثاني " نظرت لها الممرضة بشك قليلا وسألتها " ليه ؟ انتي بتعرفيها ؟" " عرفت اليوم أنه هي جدة واحدة معارفي فقلت أسال اطمن عليها اكثر ." بدت الممرضة وكانها على وشك الكلام " إه ...السيدة فاطمة ...حالتها زي ماهي من يوم مااجتنى على المشفى بسبب جلطة  ...للأسف مافيش اي تحسن ...المسكينة بقت جسد بلاروح زي ماشفتيها . " هالة بحزن " الله يشافيها " ثم تابعت " طب واهلها فين؟ ...ماحدش يجي يزورها ؟" الممرضة تهز راسها باسى " نادر جدا .كان في حفيدتها على حد علمي  كانت تجي تزورها كل فترة ...بس حتى هي انقطعت اخبارها من حوالي سنة لحد مااجت اليوم وطمنت عليها . " هالة بتفكير " طيب ...مين اللي يتكفل بمصاريفها ؟ حفيدتها ؟ ...لأنه شايفة اوضتها من النوع الخاص " ابتسمت الممرضة باعجاب وردت " لا مش حفيدتها ...جوزها الله يجازيه كل خير نقلها على هالاوضة وتكفل بكل حاجة تخصها وهو اللي قاعد يدفع مصاريفها بانتظام لحد دلوقتي " تغيرت ملامح هالة قليلا وهي تتحدث مع نفسها متمتمة باسم كريم . وقبل ان تغادر ، طلبت هالة من الممرضة ان تطمئنها على حالة الجدة في كل مرة استطاعت وتخبرها اذا كانت هناك اي اخبار طيبة بشأن صحتها . وعدتها الممرضة بذلك . ___ خرجت هالة من باب المستشفى ، بخطوات هادئة بعد يوم طويل . كانت الأضواء الخافتة للشارع تضيئ ممر الدخول . هواء المساء كان باردا ماجعل شعرها المنساب براحة على كتفيها يتطاير . كانت تسير وهي شاردة تفكر فيما عرفته اليوم عن حياة زينة لكن ماان رفعت نظرها حتى توقفت فجأة . على بعد خطوات، كان عماد يقف بجوار سيارته السوداء ، مرتديا قميصا ازرقا فاتحا وبنطالا رسميا . يداه في جيبه وعيناه تتطلعان نحو المدخل وكأنه ينتظرها . ارتبكت للحظة ، فهي لم تتوقع رؤيته أبدا . ملامح الدهشة كان واضحة جدا عليها لكن سرعان ماتحولت الى ابتسامة عفوية ، اقبلت نحوه بخطوات خفيفة ومعها حقيبتها التي كانت تتارجح مع كل خطوة تخطوها . عماد الذي انتبه إليها وهي تقبل نحوه ابتسم هو الاخر . توقفت امامه وقالت بابتسامة مشرقة " عماد انت هنا ؟" كان عماد مبتسما ، لكن نظراته كانت تحاول تجنب نظراتها للحظة من الخجل "  إه ، خلصت شغلي بدري ...فقلت أجي استناكي " اتسعت ابتسامة هالة وهي تقول " طب انا اتاخرت عليك ؟ ...لو كلمتني كنت خرجت بسرعة وماسبتكش تستنى كتير " هز عماد راسه نافيا بهدوء وهو يسير نحو سيارته ، وسارت هي خلفه " لاعادي مافيش مشكلة " . خطواتهما كانت متناغمة ، صوت كعب حذائها الخفيف يتردد في الصمت .وقد كان الجو مريحا بالنسبة لهما رغم برودته . بحركته المعتادة ،فتح عماد باب السيارة لها وعندما جلست اتجه الى الجانب الاخر كي يركب ، لكن صوت شهقتها الخفيفة اوقفه . هالة بشهقة خفيفة " افتكرت سيارتي ...هي هنا " كتم عماد ضحكته وهو يجلس على مقعد القيادة " ماتقلقيش هبعت حد يجيبها " هالة بتنهيدة ارتياح " شكرا " وضعت  حقيبتها جانبا ، وبحركة سريعة وضعت حزام الامان . نظرت اليه فوجدته يقود بانتباه . كانت على وشك ان تفتح حديثا معه تساله عن يومه لكن هاتفها اخد يرن . اخرجته من حقيبتها ، ثم نظرت الى هوية المتصل عبر الشاشة فوجدتها والدتها . ردت هالة بحماس " الو !...ازيك ياماما ؟" بهجة بنبرة مليئة بالحنان " ازيك يابنتي ؟ اخبارك ايه ؟ وحشتيني اوي ياحبيبتي " " انتي كمان واحشاني ياماما ، طمنيني عنك وعن بابا و الاولاد ...انتوا كويسين مش كدة ؟" " كويسين كلنا الحمد لله . اسمعيني ياحبيبتي اتصلت عشان اعلمك أنه جاية بكرة لعندك . ازورك في بيتك ياحبيبتي " هالة بابتسامة واسعة " بجد ؟! اهلا وسهلا فيكي بتنورينا ياماما !" ثم التفتت الى عماد ووجهها يضيئ حماسا تخبره أن والدتها قادمة غدا  فابتسم بترحيب . بهجة " عماد معاكي ؟ سلميلي عليه ياهالة " هالة بتأكيد " حاضر ياماما ..." ثم سألتها" طب بابا جاي معاكي ياماما ؟ هو وحشني اوي كمان " ضحكت بهجة قائلة " لا ياحبيبتي ، ابوكي ناطر يوم بكره من زمان . هيفضل بالبيت مع الاولاد وعازم .ده هو عزم صحابه عشان يتفرجوا على الماتش سوا " ضحكت هالة بخفة " طيب ماشي ...هستناكي ياماما "