نبضات عبر الزمن ( اول رواية مكتملة لي في حياتي) - الفصل التاسع : - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: نبضات عبر الزمن ( اول رواية مكتملة لي في حياتي)
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل التاسع :

الفصل التاسع :

في الصالة الهادئة ، كانت هالة جالسة على اريكة مريحة بلونها البيج ، تطل على نافذة كبيرة تظهر جزءا من الحديقة الخارجية . تحمل هاتفها بيدها و تتحدث الى والدتها .بدا صوتها مطمئنا وهادئا وهي تحاول تخفيف قلق والدتها المعتاد " ماتقلقيش ياماما ، انا كويسة وكل أموري تمام الحمد لله .هزورك بكرة بعد الدوام طيب ؟" " أيوه تعالي ياهالة وحشتيني ...خلي عماد يجي معاكي كمان ؟" " ماما عماد مشغول الفترة الاخيرة ، اعزميه المرة الجاية ايه رايك ؟" " تمام ياهالة " " ماما انا هقفل دلوقتي اهتميلي بنفسك وسلميلي على بابا " انهت المكالمة بابتسامة ، وضعت الهاتف بجانبها . واعتدلت في جلستها لتأخد رشفة من كأس العصير الذي احضرته سابقا .لكنها لم تكمل ، اذ دخلت شيماء الى الصالة بخطوات سريعة تعلو وجهها ابتسامة مليئة بالحماس . " هالة ، عندي خبر مهم !"’قالت بصوت مليئ بالحيوية وهي تجلس الى جوارها. نظرت إليها هالة بتعبير هادي " خير ياشيماء ؟ في ايه ؟" "كريم ، ابن عمنا كريم وصل مصر امبارح !" ادعت هالة التفاجؤ وردت " إه ...بجد ؟!" تابعت شيماء بحماس اكبر " هيجي يزورنا بالليل مع عيلته ، انتي عارفة كريم درس بكندا وبقى رجل اعمال ناجح جدا سمعت كمان أنه قرر يستقر هنا في مصر " ثم تابعت بتفكير " يمكن يكون ناوي يتولى شؤون العيلة ..." هالة بلا اهتمام " حلو ...حلو كتير " وبنبرة خبيثة اضافت وهي تنظر الى شيماء المتحمسة وقد ظهرت على شفتيها ابتسامة ماكرة " شكلك فرحانة اوي بابن عمك الناجح " ردت شيماء بجدية " أيوه ...فرحانة ...عشان ابيه هيرتاح أخيرا من السيطرة لي عليه " تغيرت ملامح هالة سريعا وسألتها باهتمام " وايه علاقة عماد بكريم ؟" تنهدت شيماء بحزن واضح وقالت " لما كريم سافر على كندا ، بقى عماد لوحده بالبيت . راجل البيت على قولت ماما . فجدي الله يسامحه كان يثقل عليه بالشغل واي حاجة ماتعجبوش يلومه عليها . عماد ماكانش قادر يتنفس ياهالة من الضغط لي اخد يكبر ويكبر . " " بس دلوقتي جا كريم والضغط ده رح يخف عليه ويمكن حتى يخلي أنه جدي ينساه و يخليه يرتاح ويعيش زي مابده . " كانت ملامح وجه هالة جامدة وهي تستمع الى كلام شيماء التي اضافت بعد ان نظرت في الارجاء تتاكد من عدم وجود احد هامسة " هالة لازم تعرفي أنه العلاقة بين ابيه وكريم متوترة من زمان " سألتها هالة بدهشة " هو عماد بيكرهه ؟!" " مش قصة يكرهه قد ماهي قصة عايز يعيش بعيد عنه " " طب ليه ؟! " ثم تابعت بصدمة ممزوجة بالغضب " هو كريم غلط عليه ؟!" حركت شيماء رأسها نافية " لالا ...ماغلطش عليه ...هو ماعندوش ذنب ...بس بصي ! طول عمرهم بيتقارنوا ببعض من العيلة من الاصحاب من الناس ، كريم كان دايما الاول بكل حاجة : دراسته ، شغله ...كل حاجة . وعماد ...مش يعني أنه مش ناجح بس انتي عارفة ، إصابع اليد مش كلها زي بعض . حتى لما كانوا صغار ، كان كريم بياخد الدروس الخصوصية وهو مبسوط ومتحمس اما عماد كان ياخدها بالعافية ، ملزومة عليه . ليه ؟! لانه كريم آخدها يبقى هو كمان لازم ياخدها .تتخيلي؟! حتى في حاجات بسيطة زي دي ابيه كان بيتحط تحت بضغط   " سكتت للحظة ثم اكملت " كل ماكريم ينجح في حاجة ، الناس تتوقع من عماد أنه يعمل نفس الشي مع أنه ده مش ملزوم عليه . لم تتوقع أنه كان كان يحمل جراحا خفية بداخله .أحست هالة بغصة في حلقها ،و بحرارة تملأ عينيها لكنها تمالكت نفسها . كان قلبها يؤلم بشكل قوي وكأن شيئا ثقيلا وقع عليه وهي تستمع الى المقارنة التي كان يتعرض لها عماد . تتخيل كيف يمكن لطفل صغير ان يسمع كل ذلك ويكبته بداخله دون أن يظهر تأثره . سالتها هالة بهدوء شديد لايعكس العاصفة التي كانت بداخلها " وده اللي خلا علاقتهم متوترة ؟" هزت شيماء راسها ببطء بحزن على شقيقها " ابيه مش مبين ده صحيح ...بس انا عارفة إنه الموضوع مأثر عليه . في كل مرة بيظهر كريم يبقى في احساس ضمني أنه لازم يثبت نفسه قدام العيلة . بس المرة دي مختلفة ، ابيه مش عايز يثبت حاجة ...عايز يرتاح بس من سيطرة جدي عليه . " ___ في طريقها الى غرفتها ، ألقت هالة بنظرة سريعة على المطبخ حيث كان يعج بالضوضاء . صوت اصطدام الطناجر باغطيتها و الأطباق . يبدو ان الاستعدادات لاستقبال كريم تسير على قدم وساق . كانت السيدة أمينة تقف بالداخل تراقب كل صغيرة و كبيرة و تساعد أيضا في الطبخ . لم تكن هالة مهتمة بما يحدث ، فتابعت طريقها الى الاعلى . دخلت الى الغرفة التي كانت خالية فعماد كان في عمله كالمعتاد ثم رمت نفسها على السرير تضغط على زر التشغيل في جهاز التحكم بالتلفزيون تبحث عن شيئ تشاهده . مر الوقت عليها وهي تتابع احد البرامج التركية التي وجدتها صدفة بتركيز غير حقيقي لكن بصمت . فجأة ، فتح الباب ودخل عماد الى الغرفة .نظرت اليه باستغراب خاصة أنه عادة مايتأخر في عمله . جلست قليلا وهي تقول " ايه ده ؟ رجعت بدري النهاردة ؟" نظر لها واجاب بهدوء " إه ، بابا كلمني وطلب مني اقفل بدري . عندنا عشا مهم الليلة " توقف لثوان قبل أن يضيف فور ان تذكر أنه لم يخبرها بان ابنه عمه قد عاد من السفر وهو قادم مع عائلته لتناول العشاء معهم. " إه نسيت اقلك، كريم ابني رجع من السفر متأخر امبارح وهيجي اليوم على العشا مع عيلته . " ابتسمت هالة بخفة وهي تهز رأسها وبنبرة عادية قالت " عارفة ، شيماء قالتلي الصبح " نظر إليها بتعبير خفيف من المفاجأة. ثم هز كتفية قائلا بعد صمت قصير "هستحمي سريعا"   ليتجه مباشرة الى الحمام كي يستحم . بعد فترة قصيرة ، خرج مرتديا كنزة بيضاء بسيطة وسروال جينز . كان شعره مبللا يتساقط منه قطرات صغيرة من الماء ، لكنه بدا وكأنه غير مبال بالامر وهو يأخد هاتفه من جيب سترته التي كانت مرمية على الاريكة . رفعت هالة نظرها اليه ، نظرت اليه للحظة بصمت . أشارت بيدها اليه " عماد تعال هنا شوية !" ثم تحركت على الفراش لتجلس على طرفه سار بخطوات سريعة إليها ليقترب منها . وفي ثانية وجدها قد سحبته من ذراعه لتجعله يجلس الى جوارها وهي تقول باصرار " تعاال !" عندما اقترب منها عماد وجلس على طرف السرير الى جوارها ، لم يتوقع ان تمسك هالة المنشفة التي كانت على رقبته برفق وتبدأ في تجفيف شعره . للحظة شعر بالارتباك ، فهو لم يكن معتادا على هذا النوع من العناية .كان قلبه ينبض بشدة لكنه حاول الحفاظ على مظهره الهادئ متسائلا في داخله كيف يمكن لحركة بسيطة منها ان تثير كل هذه المشاعر بداخله. بينما كانت يدها تتحرك برفق على رأسه ، شعر بشيئ من الراحة اجتاحه لم يختبره منذ مدة طويلة . كان هناك دفئ في تصرفاتها . وبكلمات جاءت هادئة لكن في طياتها حملت اهتماما صادقا قالت " مش معقول تسيب شعرك كدة مبلول ...هتمرض!" لم يستطع منع نفسه من الابتسام بخفة ، رغم محاولته على الحفاظ على هدوئه المعتادة . لقد كان يرى دائما هالة امراة قوية ومستقلة ، لكن في هذه اللحظة ،شعر انه يرى جانبا جديدا منها ،جانبا مليئا بالعناية والحنان . نشب صراع داخل عماد ، جزء منه كان يشعر بالأمتنان لوجودها ، لهذا التصرف الذي أثار في نفسه شعورا بالدفئ والاهتمام . لكن جزءا آخرا كان خائفا ، خائفا من فكرة أنه قد يعتاد عليها في حياته ...او ربما هو قد اعتاد على وجودها بالفعل .خاصة وانه لايستطيع الهروب  من حقيقة ان هالة منذ دخولها الى حياته استطاعت ان تقترب من قلبه شيئا فشيئا بسبب تصرفاته البسيطة والمراعية .ومع كل لحظة اصبحت تقضيها معه بهذه الطريقة  الحواجر التي بناها بدأت تتحطم شعور قوي ملأه في تلك اللحظة وفكرة واحدة سيطرت عليه . أنه يريد ان يكون أقرب إليها حتى لو يعترف بذلك بصوت عال . قالت هالة وهي تعود خطوة للوراء مبتعدة عنه تصفق بيديها بخفة " كدة ...خلصنا ..." هالة التي عادت تستلقي على السرير تستند على الوسادة نظرت الى عماد بحيرة بعد أن سألها بهدوء " هالة ، انتي فاكرة كريم ؟" " إه فاكرة ، كان في الفصل اللي جنبنا في المدرسة مش كدة ؟" " أيوه ..." " بس ليه ؟" رفعت حاجبها " لامافيش ، مجرد سؤال بس " ____ انتهت هالة من الاستعداد ، حيث ارتدت فستانا انيقا محتشما ووقفت امام المرآة تضع لمساتها الاخيرة ،وتعدل من شعرها الذي تركته ينساب خلف ظهرها بنعومة . نظرت لنفسها متأملة النتيجة النهائية . ثم سارت بهدوء الى عند عماد الذي كان واقفا ينتظرها ، تجمد في مكانه عندما وقعت عيناه عليها . واللتان كانتا تعبر بوضوح عن اعجابه بها وبجمالها . سألته هالة التي لم تكن قد لاحظت تخبط مشاعره " ننزل ؟" هز عماد رأسه وقد استعاد شيئا من هدوئه " أيوه ...شكلها الجماعة وصلت " في الأسفل ، كان وهاب وزوجته امينة يستقبلان توفيق وزوجته منيرة . وانضم إليهما لاحقا عماد وزوجته هالة الترحيب كان دافئا ،لكن بدا أن هناك شيئا غريبا في الجو . فبعد لحظات من تبادل التحيات لاحظ الجميع غياب كريم . سأل بدر " هو كريم فين ؟ ماجيش معاكم ولاايه ؟" رد توفيق ، بنبرة متوترة وجهه يعكس شيئا من القلق " شوية ويوصل ياحج " جلس الجميع في الصالة ، ينتظرون وصول كريم ويمضون الوقت بالحديث . كانت هالة تتحدث مع شيماء وفي حين إلى آخر كانت تنضم الى حماتها او زوجة توفيق منيرة . وقد بدا عليها الارتياح . في حين ان عماد الذي كان جالسا على الجانب الاخر الى جانب والده هادئا مكتفيا بالمراقبة في صمت . بعد فترة ، دخلت مدبرة شؤون المنزل .كان وجهها شاحبا وعيناها متوترة . ثم اعلنت عن وصول كريم . " كريم بيه وصل " نهض الجميع من مكانه ، سارت هالة بتلقائية لتقف الى جانب عماد . كان الجميع يستعد للترحيب بكريم بمافي ذلك بدر . كيف لا ؟ أنه حفيده المفضل مصدر فخره وعزته ظهر كريم ، بملابسه الانيقة المرتبة . كانت ملامحه شبيهة بملامح عماد . كان من الواضح لأي أحد عندما يراهما معا ان يعرف انهما قريبين . غير ان بشرة كريم كانت سمراء نوعاما . تقدم بخطى ثابتة الى الامام وإلى جانبه ،كانت تقف امراة جميلة ترتدي هي الأخرى ملابسة أنيقة . كانت نحيلة جدا وطويلة . والنمش الذي زين وجهها كان مميزا . تجمد الجميع في مكانه ، والدهشة ارتسمت على وجوههم . عقد بدر حاجبيه وسأله بصوت صارم " مين الست دي ياكريم ؟" نظر كريم نحو جده بمنتهى البرود وأردف باحترام " دي زينة ...مراتي " ساد الصمت في المكان ، وكأن الوقت توقف للحظة . نظرات الدهشة كانت واضحة على وجوه الجميع وكانهم لم يصدقوا ماسمعوه للتو او لم يستوعبوا القنبلة التي القاها عليهم كريم . صرخ به بدر بغضب ، وكانت نبرته حادة كالسيف " مراتك ؟! ايه الكلام ده ؟ انت تجوزت ؟ ومن غير حد مايعرف ؟" نظر بدر بسرعة الى توفيق الذي كان قريبا منه ، والاحراج واضح عليه بينما كانت زوجته تقف خلفه تعض شفتها السفلى بقلة حيلة . " ابنك بيقول ايه ياتوفيق؟! ...ولا انت كنت عارف وماخبرتنيش؟! " بدا وكأنه يهدده اجاب توفيق بصوت خافت ، وهو غير قادر على مواجهة والده الغاضب " عرفت بس امبارح ...كريم تجوز من ورا الكل حتى من ورانا أنا وأمه يا حج " كان الغضب واضحا في وجه بدر ، انفاسه الثقيلة تعلن وأنه على وشك الانفجار في أي لحظة . وسط كل هذا ، لاحظ عماد ان التوتر يتصاعد بسرعة . وبتلقائية دون أن ينظر إليها  امسك بيد هالة التي كانت تقف الى جانبه وكأنه يحاول ان يحميها من الفوضى التي بدأت تنتشر في المكان .  نظرت اليه على الفور ولكنها لم تعترض فبمجرد امساكها بيده شعرت وكان الدفئ يتغلل بداخلها . أشاحت بعينيها عنه ، و عادت الى النظر إلى شخص آخر وقد تحولت ملامح وجهها الى متشددة . فقد كان تركيزها منصبا على زينة .المرأة التي دخلت منذ لحظات الى منزل عائلة العيالي على انها زوجة لكريم . زينة هي الأخرى رغم الفوضى التي نشبت لاجلها وبسببها بدت غير مهتمة بما يحدث ، واخدت تركز بعينيها الصغيرتين الى هالة . كل من هما كانت تنظر الى الاخرى وكأنها تعرفها . شعور غريب ، خليط من التوتر وعدم الراحة اجتاح هالة . وقد كانت تعلم سببه . زينة هي السبب . فزينة جعلتها تعود الى الوراء مرة أخرى ، تتذكر ماحدث لها بسببها . قطع بدر الصمت مجددا بصوت صارم وهو على وشك المغادرة " العشا ملغي ! ...كريم تعال معايا على المكتب حالا !" اتسعت عينا منيرة بصدمة ، فقد كانت قلقة على ولدها . دفعت بذراع توفيق لينظر اليه فتهمس له بصوت خافت " روح معاه ...ماتخليش الواد لوحده !" " هو قرر يتجوز من غير علمنا يبقى يتحمل مسؤوليته. وبعدين بابا بيحب كريم وهيسامحه " رد منفعلا بخفوت كريم بدون توتر " حاضر ياجدي ..." وقبل ان يغادر بخطوات ثابتة خلف جده قال لزينة بهدوء " استني هنا مع الباقي " ثم غادر مع جده ، تاركا خلفه توترا مكتوما يملأ الغرفة ونظرات حائرة بين أفراد العائلة . ___ كانت الصالة تغرق في صمت ثقيل ، كان الهواء نفسه يحمل التوتر و الانتظار .كان الجميع جالسون في اماكنهم يترقبون خروج كريم من مكتب بدر . جلست شيماء الى جانب والدتها امينة التي بدت وكانها تتجنب الحديث والتدخل . بينما يديها تعبثان باطراف شعرها وعيناها الحائرتان تتجولان بين أفراد العائلة . على الجانب الاخر ، جلست هالة الى جانب عماد ولم تفارقه للحظة واحدة . وكانها تحتاج إلى قربه طيلة الوقت . عيناها لم تفارقا زينة التي جلست على كرسي في زاوية الغرفة . بدت واثقة بشكل مستفز . ملامح هالة بدت جامدة ،عيناها تحملان جدية واضحة وكانها تحاول فك شفرة تلك المرأة التي دخلت حياتهم فجأة و حياتها هي من جديد . اما منيرة التي كان شالها على وشك السقوط ومقدمة شعرها قد اصبحت ظاهرة بالفعل ، كانت جالسة الى جانب زوجها تتمتم بصوت منخفض بنبرة مليئة بالحنق والغضب فلتكن قادرة على اخفاء استيائها " شوفت المصيبة اللي طاحت علينا ...ازاي كريم يعمل كدة ؟! ...بس ماكله من الست دي هتدمره وتدمرنا معاه !" كان توفيق يهز راسه ،يحاول تهدئتها لكن لم يكن يرد عليها فقد كان يعلم انها محقة فكريم قد ارتكب خطأ فادحا بزواجه بالسر . فجأة ، كسرت زينة الصمت بصوتها الهادئ والذي يحمل في طياته شيئا من التحدي " ازيك ياعماد ؟ عامل ايه ؟" رفعت هالة رأسها نحوها بسرعة ، بعد ان انزلته عندما كانت تتحدث مع شيماء بخفوت . بينما التفت إليها الجميع نحوها بدهشة من جرئتها .كان سؤالها غير متوقع وكأنه ليشعل فتيل التوتر في الغرفة . عماد الذي كان جالسا في هدوء ،رفع عينيه نحوه ورد باحترام " الحمد لله كويس " شيماء التي لم تفهم كيف تعرف زينة عماد .نظرت الى زينة وسالتها باستغراب "بتعرفيه لابيه ؟" منيرة لم تنتظر رد زينة وعادت طرح السؤال عليها بنبرة اكثر حدة وبغضب مكتوم " ازاي تعرفيه ؟!" تجاهلت زينة السؤال تماما ، وكأنها لم تسمعه . عيناها انتقلت مباشرة الى هالة التي كانت تراقبها بصمت وبابتسامة بدت لطيفة للجميع لكن مستفزة لهالة " ازيك ياهالة ؟ وحشتيني اوي ! ماكنتش متوقعة أنه هنلتقى بموقف زي كدة بس فرحانة اوي أنه تقابلنا ثاني " هالة لم ترد عليها ، ملامحها ظلت متجمدة ويديها مشدودتان على فستانها . تحاول السيطرة على مشاعرها التي كانت بالداخل . شيماء التي بدت اكثر حيرة من ذي قبل ، التفتت الى هالة وسألتها بصوت مليئ بالفضول " بتعرفيها ياهالة ؟" هنا تدخل عماد ، محاولا انهاء الموقف المتوتر مجيبا على شقيقته " أيوه ، المدام زينة كانت زميلة لينا بالمدرسة " هزت زينة راسها بتأكيد وأضافت من بعيد " أيوه ! كنا زمايل بنفس الفصل !" وبابتسامة خبيثة وكانها كانت تنتظر هذه اللحظة " و مش بس كدة ، انا وهالة كنا صحاب اوي ...صديقتين مقربتين جدا وعندنا ذكريات كتير مع بعض . مش كدة ياهالة ؟" هالة لم ترد عليها مرة أخرى ، كانت تخشى ان ترد وتضع نفسها في موقف صعب فقررت الصمت لعل الامر يمر . لكن ملامحها كانت غضبا مكتوما . اسندت منيرة راسها على الاريكة مغمضة عينيها " جوزها بمصيبة وهي بتحكي على الذكريات والصحبة ! " شيماء التي لم تستطع تجاهل فضولها، وجهت سؤالا آخرا هذه المرة بصوت بريئ وبسيط "  يعني انتي تعرفتي على كريم من ايام المدرسة ؟" نظرت إليها زينة وعلى وجهها ابتسامة مزيفة " بالضبط ...زي ماهالة وعماد تعرفو على بعض بالمدرسة وتجوزو . انا كمان تعرفت على كريم هناك وتجوزته " فتحت منيرة عينيها سريعا واعتدلت في جلستها تقول لزوجها بصدمة وعدم تصديق " سامع البت بتقول ايه ياتوفيق ؟! البت طلعت فرحانة بالجوازة دي ياتوفيق ؟! توفيق يحاول ان يهدئها " أهدي يامنيرة ...أهدي لوسمحتي " هنا قالت امينة وهي تنظر لزينة التي كانت مبتسمة او بالاحرى غير مبالية لما يحدث . " اخويا توفيق معاه حق يامنيرة ...بلاهة تتعبي ويطلع ضغط كمان !" " ماتقلقيش ياطنط " اردفت زينة " حتى لو طلع ضغطها هالة موجودة . صحبتي طبيبة وقادرة مش كدة ياهالة؟" رفعت هالة حاجبها ، بينما تابعت زينة تدعي الدهشة ثم الأسف بعد ان رات وجه الجميع كيف تحول " ايه ...هو انا غلطت ؟...لتكوني مارحتيش طب ياهالة ؟ " بابتسامة ساخرة اجابتها هالة " ممرضة ...ممرضة يازينة !" زينة بحزن واعتذار مزيف " إه ممرضة ! ...فكرتك طبيبة ...عشان كنتي تقولي أنه هتتخصصي طب لو كسبتيه فكرت ...بعتذر منك اوي" هالة تدعي انها صدقتها " لا ولايهمك ...التمريض كمان حلو . " ثم تابعت بمنتهى الجدية " ومش محتاجة اكون طبيبة عشان اعرف ازاي اتصرف لما الضغط بيطلع او ينزل !" ماهي لحظات وظهر كريم بملامحه الثابتة والتي لاتحمل اي انفعال ظاهر . عيناه تجولتا في الغرفة قبل أن تقابل عيني منيرة التي نهضت سريعا من مكانها تهرول نحوه . وجهها يحمل خليطا من الحيرة والقلق سألته باندفاع " كريم ...ابني انت كويس؟! اللي حصل ؟! جدك قالك ايه ؟!" كريم الذي نظر إليها بهدوء وبنبرة ثابتة رد " انا تمام ، ماتقلقيش " انفعلت فيه منيرة " تمام ازاي ياكريم ؟! انت ماشفتش جدك كان عامل ازاي ؟!" توفيق باقناع " ابنك بيقلك أنه كويس يامنيرة !" وهاب بهدوء " جدك قال ايه على لي عملته ياكريم ؟" كريم دون اي تردد اجاب بوضوح ، واجابته كانت كفيلة بجعل زينة البعيدة عنه تبتسم " جدي وافق على جوازي " ساد الصمت في الغرفة ، الكل كان يحاول استيعاب ماقاله للتو .كيف يمكن للجد ان يقبل بشيئ كهذا ؟ لطمت منيرة صدرها بعدم تصديق " نعم ؟! ليه؟!" تجاهل كريم انفعال والدته فقد كان يعرف طبيعتها وكان من البداية يتوقع رد فعلها "خالة امينة ، ممكن تنادي المدبرة ؟ خليها تجهز اوضة ليا لزينة ننام فيها و نرتاح " وقبل ان تجيب امينة ، قالت منيرة بدهشة " مش لازم تبات هنا النهاردة .احنا هنرجع البيت كلنا !" ثم نظرت الى زوجها فاكد ماقالته نظر كريم الى والدته وقال بهدوء قاطع " لو عايزين ترجعوا ، روحوا انتو لوحدكم " تجمدت منيرة في مكانها للحظة ، حدقت في ابنها بدهشة كبيرة .صوتها خرج مرتعشا وهي تسأله "انت بتقول ايه ياكريم ؟ ايه نرجع لوحدنا ؟" كريم لم يتراجع واجاث بثبات اكبر "انا قررت أعيش هنا .ده مكاني ومن النهاردة ورايح هفضل هنا !" كانت كلماته كالصاعقة كالجميع ، كان الجميع صامتا من هول المفاجأة . الا أن منيرة بدت غير مصدقة لكلام ابنها ثم تابعت بحدة وهي تمسك بذراع زوجها " انت بتقول كدة عشان جدك اجبرك ؟" هز كريم رأسه نافيا " لا ، محدش اجبرني . ده كان قراري أنا . البيت ده هيكون بيتي زي ماهو بيت اي حد من العيلة .ومن حقي أعيش هنا انا ومراتي " منيرة باصرار " ياكريم ! يابني !" توفيق يضع يديه على كتفيها يهدئها " يامنيرة ...يامنيرة أهدي ابنك راجل وفاهم هو بيعمله ايه . ومعه حق ده بيت واذا عايز يعيش هنا خليه يعيش " نظرت له منيرة بعدم تصديق ، عادت الى الخلف ترمي نفسها على الاريكة .كانت زينة واقفة بالقرب منها تحتضن يديها بملل وماان انتبهت عليها زجرتها " افرحي ! افرحي !" هالة التي كانت تستمع بتركيز لكل كلمة تقال ،شعرت ان الصدمة تثقل على صدرها ورغم انها حاولت التمسك بهدوئها  الا أن فكرة عيش كريم وزينة معها في نفس البيت كانت لها اشبه بالكابوس . فوجود زينة امامها كل يوم ، تحت نفس السقف ، على نفس الطاولة...سيجعل الامر اكثر تعقيدا لها وهي متاكدة ان الامر لن يمر بسلام بينهما . تذكرت عماد ،فاستدارت بسرعة تبحث عنه بعينيها . كان واقفا بالقرب من شيماء يتحدث اليها . بحثت في وجهه عن اي انفعال او أي ردة فعل .لكنها وجدته هادئا تماما وكأنه بعيد تماما عن كل هذا التوتر . عندما التقت عيناها القلقتين بعينيه ، هز راسه وهو يبتسم لها ابتسامة صغيرة لطيفة كأنما يريد ان يطمئنها بان كل شيئ سيكون على مايرام .