الفصل الثامن :
الفصل8
كان عماد واقفا يوليها ظهره امام الموقد ، يرتدي قميصا خفيفا . يقلب شيئا في مقلاة صغيرة على النار . بدا لها في غاية التركيز كما ان يديه كانتا تتحركان بمهارة .
اخدت تتامله دون أن تصدر اي صوت يدل على وجودها بابتسامة بلهاء شقت طريقها بسهولة على شفتيها .
اخدت نفسا عميقا ، تستعيد به جمودها وتضبط به مشاعرها ثم سألته بدهشة خافتة " انت بتطبخ ؟"
التفت إليها فورا ، وابتسم عندما رآها تقف هناك . تشد ذراعيها فوق صدرها وتنظر اليه بعينين مليئتين بالفضول . ثم قال بلطف شديد اذاب قلبها وجعلها تتقدم على الفور وكأنها طفلة مسلوبة الارادة تتبع والدها " تعالي !"
شهقت هالة بذهول ، عندما رأت الباستا الممزوجة بالطماطم و البهارات والتي كانت رائحتها قد ملأت المكان بأكمله " باستا ؟!"
ثم أشارت الى المقلاة " انت بتعرف تطبخ ؟!"
" يعني ..." اردف بتواضع
استمرت هالة في الوقوف الى جانبه ، تراقب حركاته المتمرسة . شعور غريب و مختلف اجتاحها بسبب عماد في تلك اللحظة.
جانب جديد لم يسبق لها رؤيته فيه قد رأته الان .
ابتسمت بحنان وهي تتامله ، تتامل وجهه الهادئ وكأنه مستمتع بما يفعله .
قررت كسر صمتها بقول شيئ عملي " طيب ، مادام انت مسؤول عن الطبخ خليني اكون مفيدة وارتب الطاولة !"
ثم تحركت بسرعة لتبدأ بتنظيم الطاولة . أحضرت الأطباق والاكواب .رتبت المكان بعناية واضحة .
ثم جلست تنتظره .
ملأ عماد طبقها بالاول ثم انتقل لملأ طبقه . لكن هالة لم تستطع انتظاره للجلوس واخدت لقمة من الباستا تتذوقها . كان عماد ينظر إليها بطرف عينه ينتظر رايها ، لكنه لم يتوقع ان يكون رأيها كفيلا بزعزته بالكامل .
فبعد اول لقمة ، قالت هالة بعينين متسعتين وبمنتهى
البراءة
" ده طلع أكلك تحفة بجد !! احلى حتى من لي أكلته من لما جيت !! " وابتسمت في وجهه بصدق " انت بتخبي موهبة بجد "
اندهش عماد في البداية ، ولكنه ضحك بخفة . جلس على الكرسي المقابل لها . متناسيا طبقه الذي كان امامه فقد كان مشغولا بمراقبة ردود افعالها التي اصبحت محببة له مرة أخرى وهي تتناول الطعام بحماس .
سألته وهي تلتقط لقمة اخرى " طب امتى تعلمت الطبخ ؟ ...عارف أنه انا وصلت للعمر ده وبيض مابعرف اقليه كويس "
توقف عماد للحظة ، وكأن سؤالها اخده الى ذكريات بعيدة . تنهد بخفة قبل أن يجيبها بصوته الهادئ
" من ايام الثانوية على مابعتقد ...كنت لوحدي كتير وكان لازم اعمل اكلي بنفسي . " ثم إضاف " مش في كل الاوقات تلاقي حد يطبخ لك "
لم تستطع هالة أن تفهم ماكان يقصده وقد شعرت بشيئ من الغرابة في كلامه .نظرت اليه بعينين ممتلئتين بالاستسفار ثم سألته بحذر" عماد انت لي مش بتاكل أكلك؟ ...بقصد أنه لاحظت كم من مرة أنه طبقك يفضل زي ماهو كأنك مش قاعد تاكل منه ...ليه ؟ هو انت أكل البيت مايعجبكش؟"
رفع عماد عينيه عن طبقه إليها ، فالتقت نظراتهما لوهلة . ثم إجاب بصوت منخفض لكن بصراحة
" صح ! مابحبوش ...مابحسش أنه يناسبني "
هالة بفضول " طب ليه ؟"
عماد بمنتهى الجدية " يمكن عشان اني اكون مش مرتاح لما آكله ...او لأنه الاكل بيتعمل على اذواق ناس ثانية ذوقها مابيناسبش ذوقي ...اسباب كثيرة ياهالة ..."
قررت هالة التوقف عن طرح الاسئلة . ثم اخدت تتامله قليلا وهو يتناول طعامه في صمت ، قبل أن تستمر في تناول طعامها هي الأخرى باستمتاع فقد كانت جائعة صحيح ولكن معرفتها ان عماد هو الذي أعد ذلك فتحت شهيتها أكثر .
بعد الانتهاء من تناول الباستا ، نهض عماد من مكانه لجمع الأطباق الفارغة ليغسلها بشكل عملي وسريع .
هالة التي كانت تراقبه لاحظت أنه متعب وقد كان ذلك جليا من خلال الدوائر السوداء التي احاطت عينيه . ومع ذلك هو يعمل بجد واكثر من اللازم دون التفكير بنفسه حتى في هذه اللحظة التي من المفترض ان تكون بالنسبة اليه استراحة قصيرة .
هالة بهدوء ولكنها بدت حازمة " سيبهم ...أنا هغسلهم !"
توقف عماد عن الحركة ، وهو يحمل الأطباق بيديه .
" مش مشكلة ، مش هتاخد مني وقت "
الا أن هالة اقتربت منه ، وباصرار وضعت يديها على الأطباق تريد اخدها منه
" لاء ! انت طول اليوم شغال ومجهد ، سيب الموضوع علي !"
رد هو الاخر بجدية " هالة انتي كمان كنتي شغالة زيي زيك !"
نظرت اليه هالة باصرار أكثر ، وقد بدت له عنيدة جدا
" بس انا هطلع أنام لما اخلص ، بس انت هتطلع تكمل شغلك !"
شعر عماد بأن مقاومته تتلاشى امام نظراتها المصرة ،وبسرعة اخدت منه هالة الأطباق وبابتسامة انتصار قالت " سيب الجلي علي ...واطلع لفوق عندك شغل اهم .شوف حساباتك وراجع اللي وراك !"
عماد بابتسامة تعب وامتنان وهو يقول " تمام ...شكرا . بس ماتعبيش نفسك "
هالة وهي تهز كتفيها بخفة تضغط بيديها على الأطباق حتى لاتقع " غسل شوية اطباق مش هيعمل ازمة ...يلا روح كمل شغلك !"
هز عماد برأسه بهدوء ، وادار ظهره متجها نحو الباب لكنه لم يخرج . فقدت توقفت خطواته بسبب تلك التي نادته بصوت مرتفع قليلا باسمه فجأة . وقد حمل صوتها نبرة مختلفة عن النبرات السابقة .
التفت إليها فورا ، عيناه تحملان استغرابا خفيفا وكأنه يتساءل عما يمكن أن تريده .
كانت تقف امام الحوض باستقامة ، ملامح وجهها بدت مختلفة . كان في عينيها شيئ دافئ وفي زاوية شفتيها ابتسامة حنونة وممتنة
قالت بنبرة ناعمة " عماد شكرا ! ...الاكل بجد كان طعمه رائع .عجبني جدا "
كانت كلماتها بسيطة ، لكنها خرجت من شفتيها بصدق مما جعلها تحمل وزنا اكبر . بدت له ابتسامتها الحانية مختلفة عن اي ابتسامة أخرى رآها من قبل .
لم يكن يتوقع هذا الشكر ولا هذه النظرة ، ماجعله يقف في مكانه بلا حراك وكأنه فقد القدرة على الكلام . كانت عيناه تنظران الى عينيها اللامعتين وكأن الزمن بهما قد توقف .
اخد يتأملها في صمت ، شعر المرفوع الى الاعلى بعشوائية ، التفاصيل البسيطة في تعبيراتها ، وحتى وقفتها التي جمعت بين الانوثة و القوة .في تلك اللحظة بدت هالة اجمل مما رآها من قبل .
ابتسم هو الاخر ، ابتسامة صغيرة لكنها كانت صادقة ورد بهدوء " العفو ...طالما عجبك يبقى انا عملت حاجة كويسة "
أدار ظهره هذه المرة وغادر المطبخ ، الا أن خطواته وهو يصعد السلالم كانت أبطأ من المعتاد . وكأنه يأخد وقته لاستيعاب كم المشاعر التي يشعر بها في تلك اللحظة .
لم تكن هذه المشاعر غريبة بالنسبة اليه ...لكنه متأكد انها الان أقوى بكثير من ذي قبل .
وهو يعلم الان ان كلمات هالة البسيطة ، وابتسامتها سوف تترك أثرا عميقا في داخله .
مديرة شؤون المنزل التي سحبت نفسها منذ ساعات تاركة المساحة لعماد وهالة في المطبخ . عادت الى المطبخ من جديد وابتسامة راضية قد تشكلت في وجهها تسأل هالة ان كانت تحتاج لشيئ ما .
كما تعلمها ان بقية أفراد الأسرة قد قرروا تناول العشاء في الخارج وانها قد اعلمتهم بان عماد وزوجته مشغولان بالعمل ولن يتمكنا من الحضور .
رغم ان هالة كانت مرتاحة لما قالته مديرة شؤون المنزل لبدر وباقي أفراد العائلة فهي لم تكن لتكون سعيدة بالاكل معهم إلا أنها شعرت بشيئ غريب ...وكأن هذه
هذه المديرة تساعدهما على خلق فرص للبقاء بمفردهما .
__
كان النهار يمضي بشكل عادي في المشفى . حيث انهمكت هالة في أداء مهامها المعتادة. تتنقل بين الغرف بحذر وهدوء تبتسم للمرضى وسريعة في اتخاد قرارتها .
لكن كل ذلك تغير ، توقفت في الرواق عندما تقدمت ناحيتها واحدة من الممرضات تخبرها بانها سمعت ان هناك امراة تسأل عليها عند الاستقبالات .
"في واحدة تحت بتسأل عنك ياهالة ...اسمها هديل . بتعرفيها؟"
" أيوه بعرفها ...شكرا ياعائشة !" قالت بعجل وهي تتجه ناحية الاستقبالات .
كانت تلك هي هديل ، احدى صديقاتها المقربات ايام المدرسة الاعدادية .
هناك على احدى المقاعد ، لمحت هالة هديل جالسة تنظر الى هاتفها بملل . وماان اقتربت منها قالت " هديل ، ازيك ؟"
انتفضت هديل من مكانها معانقة إياها بحرارة " كويسة ...وانتي ؟"
" كويسة " قالت هالة بينما تجلس على الكرسي ثم تجلس معها هديل .
وبلهجة معاتبة مليئة بالمزاح أردفت هديل " كده ياهالة ...كدة يابنتي تتجوزي وانا آخر من يعلم . تتجوزي وماتقوليليش؟ لا عزومة ...ولاحتى رسالة ؟
ده انا عرفت من كم يوم بالصدفة !"
ردت هالة بنبرة هادئة ومبررة ، فقد كانت تعلم ان هديل حتى لو تظاهرت بانها تمزح فهي تلومها بالفعل .
" حقك عليا ياهديل ، الموضوع كله حصل بسرعة ...حتى انا ماستوعبتش ده !"
رفعت هديل حاجبيها بمبالغة " بالسرعة دي؟ يعني جواز عالماشي كده ؟ كنتي خايفة نصيبك بالعين ولاايه ؟ "
ضحكت هالة بخفة ، لكنها شعرت ان العتاب الخفي من هديل لم ينتهي بعد .
" وجماعتنا عزمتيهم او لا ؟ ...شكلي انا بس ..."
قاطعتها هالة بوجه متجهم " اي جماعة ؟ ...انا ماعزمتش حد !"
هديل بارتباك " انتي لسة زعلانة من البنات ياهالة ؟ "
هالة ببرود شديد " مش زعلانة ، الموضوع مش اكثر من اني مش عايزة حدا بيزعلني يكون موجود بحياتي ."
هديل بمعاتبة " بس ياهالة الموضوع عدا عليه سنين وسنين . وكنا صغار وقتها مانعرفش نتفكر ولانتكلم . "
" بس انا لما تعاقبت ياهديل ماقالوش صغيرة وهنضيع عليها مستقبلها ...فماتقوليليش لو سمحتي كنا صغار ومش عارفة ايه ..."
وجدت هديل هالة جادة جدا في موقفها ومن الصعب عليها اقناعها . فماكان منها سوى ان تغير الموضوع .
وبحماس مفاجئ
" فرحت اوي لما عرفت أنه العريس عماد العيالي ، زميلنا ايام المدرسة . والله اشهدلك يابنتي انك قوية وجبتي لعيالي لحد بيتك !"
ثم تابعت باصرار وتر هالة " خلاص ! لو ماحضرتش الفرح يبقى لازم تعوضيني ...عايزة اشوفك واشوف عماد معاكي كمان . "
شعرت هالة بانقباض في صدرها عند سماعها لاسم عماد . فهي لم تكن تتوقع أن ينتقل الحديث الى زيارته ايضا.
ردت هالة بارتباك حاولت إخفاؤه " أكيد ! اهلا وسهلا باي وقت ! " ثم اضافت بزيف وقد وجدت الوقت مناسبا لاظهار مهاراتها التمثيلية التي طورتها من خلال كثرة مشاهدة المسلسلات
" بس تعرفي ...عماد مشغول الفترة الاخيرة دي اوي في المتجر بتاعه ! تصدقي انا مراته وبالزور اقدر اشوفه ! " وهزت راسها مدعية الحزن
هديل لم تكن من النوع الذي يقبل الرفض بسهولة .
وبابتسامة واثقة قالت " ولايهمك ، مافيش اي مشكلة . قوليلي بس انتي تخلصي دوامك اليوم على أي ساعة استناكي ونروحو مع بعض لعنده "
ثم تابعت بهمس خافت " كدة كدة بتشيلي وحشتك من جوزك حبيبك ...مش كدة ياهالة ؟" وغمزت
هالة التي لم تجد ماتقوله ، حاولت الادعاء بانها سعيدة بالفكرة رغم انها كانت على النقيض من ذلك تماما " أيوه كدة !'
كانت تشعر بالقلق مما يمكن ان يحدث خاصة وانها تعرف هديل جيدا . كانت تعلم أنه يجب عليها اخبار عماد فورا كي يستعد لهذه المداهمة . فالله وحده يعلم كم سيكون مصدوما لو اتت برفقة هديل دون أن تخبره.
تحججت بالعودة الى عملها ، وبخطوات سريعة جعلتها تبدو كما لو كانت تركض في الممر قفزت داخل احدى غرف المستشفى الفارغة .
تدور حول نفسها وهي تتصل عليه .
وبصوت منخفض ولكن سريع قالت
" عماد ! انا اسفة اوي لو ازعجتك دلوقتي .بس في حاجة حصلت وعايزة اقلك عليها !"
جاءها صوته القلق " خير ياهالة ؟ انتي كويسة ؟! جرتلك حاجة ؟!"
هالة بتأكيد " لا ! أنا كويسة كويسة ! " ثم تابعت بتوتر " عارفة إنه سؤال غريب بس هديل زميلتنا ايام الاعدادي فاكرها ؟ "
" هديل؟ ...لي كانت تقعد جنبك ؟"
" أيوه هي !" رغم ان هالة دهشت من تذكره لهذه المعلومة . الا أنه لم يكن الوقت المناسب السخرية منه والتعبير عن دهشتها
" انا وياها لسة بنتقابل ، واجتنا اليوم على المشفى ...ولما عرفت أنه انا تجوزت وماعزمتهاش زعلت واصرت انها تباركلنا وتقابلك كمان ...على اساس انت بردو كنت زميلها زمان "
عماد باستغراب " ماتمام اهلا بيها...بس فين المشكلة مش فاهم ؟"
" هي جاية تقابلك بعد كم ساعة بمتجرك ...وانا معاها "
عماد بدهشة " بالمتجر ؟ دلوقتي ؟"
هالة وهي تحاول شرح الموقف " أيوه! ...حاولت اقولها نأجل لكن هي صممت ثم تابعت بأسف حقيقي "
عماد أنا أسفة عارفة انك مشغول "
صمت عماد للحظة ، كانه يحاول فهم الموقف . ثم رد بهدوء يتخلله اللطف
" ماشي ، هديل كانت زميلة لينا وأكيد مش مشكلة .
انا بالمتجر لحد ماتيجوا "
شعرت هالة ببعض الارتياح لرده . لكنها لم تكن قادرة على التخلص كليا من قلقها .
فهديل كثيرة الكلام وسريعة الملاحظة . قد تقول شيئا غريبا لعماد او ربما تلاحظ شيئا في طبيعة العلاقة بينهما .
آلمها رأسها من كثرة التفكير . شعرت وكأنها على وشك دخول امتحان لكنها قررت في النهاية التعامل مع الامر كما يأتي بخطوات محسوبة
____
انهت هالة عملها في المشفى ، متعبة لكنها متوترة أكثر من اي شيئ آخر ، ارتدت ملابسها بسرعة ووضعت لمسات من المكياج . وبعد ان تاكدت من مظهرها الجميل .خرجت لتجد هالة تنتظرها عند البوابة بابتسامة مشعة تحمل حماسا واضحا
هديل " يلا ياعروسة ، مستعدة ؟"
هالة محاولة اخفاء ارتباكها " اه مستعدة ، خلينا نروح "
ركبتا سيارة هالة ، واتجهتا الى متجر عماد . طيلة الطريق إلى هناك اخدت هالة تفكر في طريقة لجعل اللقاء قصيرا دون إثارة شكوك هديل التي بدت متحمسة جدا . لكنها لم تجد حلا مناسبا في النهاية .
عندما وصلتا الى المتجر ، كان المشهد امامهما جميلا . هذا هو ذوق عماد هذا مافكرت به . هادئ ومرتب .
كان المتجر واسعا بارفف طويلة مليئة بمختلف البضائع المصنفة بعناية . والناس يتحركون داخله بانسيابية .
لمحت هالة عماد يتقدم ناحيتهما بابتسامة مرحبا بهما ، ماجعل نبضات قلبها تتسارع بشكل غير مبرر . ابتسمت له بارتباك .
عماد بنبرة دافئة " اهلا ياهالة ، اهلا ياهديل . نورتوا المكان !"
رحب بهما وكأنهما ضيفان مميزان ، بنبرة تجمع بين الاحترام الود .شعرت هالة للحظة وكأنها زوجته الحقيقية وليست على الورق فقط . أنه سعيد برؤيتها وفخور بوجودها في مكان عمله .بينما ردت هديل بسعادة واضحة .
قالت هالة بسرعة بعد ان خطرت على بالها فكرة " ايه رايك ياهديل نروح كافيه قريب ؟ مش احسن ؟"
هديل بحزم ولكن بابتسامة " لاياستي ، انا مش جاية ازعج . هنا كويس ...وكدة كدة انا مش هطول "
هالة بخيبة امل " تمام ..."
نظر عماد الى هالة لوهلة بهدوء من دون أن تلاحظه فقد كانت عيناها مشغولتان في التجول في ارجاء المكان وقد قرأ توترها .
" في كراسي بالداخل ، تعالوا معايا !"
هديل " كدة كويس !"
وبينما كانوا يتجهون الى الداخل ، وهي حجرة صغيرة داخل المتجر بها طاولة وكراسي ملفوفة حولها . بدت الحجرة إستراتيجية فهي تسمح برؤية كل مايحدث داخل المتجر بوضوح .
نادى عماد احد الرجال الذي يعملون معه ، وقد بدا رجلا في مثل عمره .
" خالد ، ممكن تعملنا معروف وتجيب قهوة كويسة "
رد عليه الرجل ببساطة باسمه دون اي القاب . مااثار فضول هديل التي سألته مستغربة " ايه ده ؟ هو بيشتغل عندك وبيناديك باسمك ؟"
عماد بابتسامة هادئة فلم تكن هي الاولى التي لاحظت ذلك ولطالما سمع من الاخرين نفس الملاحظة ايضا
"إه ! عادي ...أنا طالب منه كده عشان مابحبش الرسميات ...بعدين احنا كلنا نشتغل مع بعض "
لم تستطع هالة منع نفسها من الاعجاب به ، عندما جاءت القهوة .جلس الثلاثة يتبادلون الاحاديث حيث كانت هديل تتذكر ايام المدرسة وتبارك لهما على زواجهما .
هديل بسعادة " والله انا مبسوطة جدا ليكم .كنت زملاء زمان وسبحان الله ربنا جمعكم !"
لكنها كانت على وشك إضافة شيئ يربك الموقف تماما خاصة هالة
هديل بابتسامة ماكرة
" هالة ...فاكرة لما كنا في المدرسة وانتي كنتي ..."
قاطعتها هالة بسرعة ، مدركة تماما ماكانت هديل على وشك قوله
" طب قوليلي انتي اخبارك ايه ؟ بتشتغلي فين دلوقتي ؟ "
ادركت هديل التحول المفاجئ في الحديث لكنها قررت مجاراة هالة . واستجابت للتغيير وتحدثت عن حياتها .
إستمر الحديث لعدة دقائق اخرى ، قبل أن يتقدم خالد للداخل بعد ان استأذن يطلب من عماد القدوم للحظة .
اعتذر عماد منهما وسار خلفه لمعرفة سبب ندائه .
في ذلك الوقت ، كانت هديل لاتزال تتحدث عن نفسها بمتعة . لاحظت ان هالة كانت تستمع إليها وتبتسم لكن عينيها لم تكونا مركزتين عليها . بل كانت تراقب عماد من بعيد وهو يتحدث مع خالد ورجل آخر . وقد بدت منجذبة لحركاته الهادئة واسلوبه العملي وكانها في عالم آخر .
هديل بهدوء
" انتي بتحبيه اوي ، ياهالة ؟"
انهدشت هالة من السؤال المباغت ، نظرت الى هديل بارتباك محاولة استيعاب ماقيل
هالة بصوت متردد
" مش ...مش اوي يعني "
لكن هديل لم تقتنع ، اقتربت منها وقالت بحسم
" لا يا هالة ! انتي كده من زمان ، عيونك لما تبصي له مختلفة تماما . انتي حتى مش بتشوفي حدا لما يكون هو موجود بالصورة! " ثم تابعت بابتسامة حنونة
" انتي عشقانة ياهالة ! " وهزت رأسها بتأكيد .
شعرت هالة بإرتفاع درجة حرارتها ، واحمرار وجنتيها .كانت كلمات هديل صادقة فقد كشفت مشاعرها امامها .
لكن لم تستطع الرد . نظرت الى عماد مجددا ، لكنها سحبت عينيها سريعا عندما التقت نظراتهما . كان عماد يراقبها بهدوء لكنه عاد الى عمله بعد ان لاحظ ارتباكها .
بعد لحظات ، استأذنت هالة من هديل قائلة انها ستذهب للحديث مع عماد للحظة ثم ستعود إليها .
اقتربت منه بعد ان ابتعد عن الرجلان وقد بدا أنه كان عائدا إليهما
قالت هالة بهدوء لايعكس توترها الداخلي
" عماد ...احنا معطلينك؟ لو انت مشغول انا هقنع هديل !"
عماد بلطف
" لا ، ماتقلقيش ...كان عندي شغل صغير وخلص . وانا كنت راجع لعندكم دلوقتي "
كانت هالة على وشك العودة الى الطاولة حيث تنتظرها هديل ، لكن صوت عماد يناديها باسمها من الخلف جعلها تتوقف وتلتفت نحوه بفضول واضح .
عماد بهدوء
" هالة ، لو سمحتي استني هنا شوية ...دقيقة بس وراجعلك "
نظرت اليه هالة بعينين ممتلئتين بالاستغراب ، لكنها اومأت بالموافقة مردفة بصوت خافت " ماشي ..."
ظلت واقفة في مكانها ، مشاعرها متضاربة .بينما كلمات هديل ترن في اذنها اخدت تفكر فيها . تسأل نفسها كيف ستتطلق منه ان كانت لاتستطيع العيش بعيدا عنه ...لاتستطيع العيش دون رؤيته .
بعد لحظات ، رات عماد يقترب منها بخطوات هادئة . يمسك بيديه صندوقا صغيرا .بدا واضح أنه صندوق لاحدى البضائع لكن الطريقة التي امسكه به جعلها تنظر اليه بحيرة حقيقية .
رفعت هالة حاجبها
" ايه ده ؟"
اقترب أكثر ، وعندما وقف امامها لم يقل شيئا بل اكتفى بمد الصندوق نحوها . اخدت تنظر اليه بحذر لكن بمجرد مارات الغلاف البنفسجي البراق تسمرت في مكانها .
كانت صدمة خفيفة تغزو وجهها، عيناها اتسعتا ببطء قبل أن تتحول الصدمة الى ابتسامة مشرقة مليئة بالدهشة والفرح
قالت باندفاع وهي تنظر اليه بعدم تصديق
" دي ؟ ...الشوكولاتة دي ؟"
عماد بهدوء ورضا
" أيوه ...فكرتك هتحبيها "
كانت تمسك الصندوق بيديها وكأنه كنز ، فلقد كانت هذه الشوكولاتة تحمل ذكريات لطفولتها المميزة . تلك الايام الجميلة التي كانت تشتريها فيها قبل الذهاب إلى المدرسة وبعدها .
لم تتغير ملامحها البريئة وهي تمسك بقطعة منها تتذوقها وكأنها تتاكد من انها حقيقية
نظرت الى عماد بعينين ممتنتين وسعيدة جدا وسألته باندهاش
" انت بتجيبها منين ؟ ...عارف أنه لما جبتهالي آخر مرة بالخطبة وخلصت زعلت اوي وقلت أسالك ؟
ماكنتش لاقياها خالص !"
عماد بابتسامة لم يستطع مقاومتها وهو يراها كطفلة امامه الان
" واحد صاحبي شغال بالعاصمة ، سألته عنها ولما قالي أنه هي موجودة في كذا متجر طلبت منه أنه يبعتهالي "
كان عماد قد اوصى أحد أصدقائه ، الذي يعمل بالعاصمة باحضار هذا النوع من الشوكولاتة لو وجدها .
وكما كان الحال ، احضرها له هذا الصديق بعد ان وجدها في احد المتاجر وتركها عنده .
اخبره قبل ايام أنه قد نزل الى المدينة وانه سيرسلها اليه عن قريب .
لكن عندما اتصلت هالة بعماد واخبرته انها قادمة الى متجره .أتصل عماد بصديقه على الفور يخبره أنه سيرسل اليه خالد لاحضارها . ولكن لان هذا الرجل يحب عماد جدا قرر الحضور بنفسه .
و هذا الصديق كان نفسه الرجل الذي كان يقف معه عماد قبل قليل .
كانت هالة واقفة تنظر اليه ، تشعر بامتنان عميق ، لكنه كان امتنانا مختلفا .فيه لمسة دفئ لم تستطع تحديد مصدرها . هذا الرجل الذي بالكاد يشاركها احاديث شخصية فكر في شيئ بسيط لكنه يعني الكثير بالنسبة لها .
هالة بابتسامة مملوءة بالصدق
" شكرا ياعماد ...بجد ، ماكنتش متوقعة انك بتفتكر حاجة زي دلوقتي والمرة لي عدت كمان "
عماد بابتسامة خفيفة ونبرة ممازحة
" ازاي ما افتكرش؟ ...لو ماافتكرتش دي يبقى عندي زهايمر بجد !"
هالة تضحك باعتراف" كنت آكلها اوي مش كدة ؟"
هز عماد راسه، بينما عادت هالة تنظر الى الشوكولاتة بين يديها وكانها تحاول استعادة كل الذكريات المتعلقة بها . ثم فجأة رفعت راسها اليه وقالت بتردد لكن بصدق
" أنا مش عارفة اقولك ايه ...انت بجد استعدتني جدا "
لم يرد عماد بشيئ ، لكنه اكتفى بالابتسام في وجهها بصدق . حتى مشاعره لو طلب منه تلخيصها في جملة واحدة في تلك اللحظة كانت ستكون
"أنا سعيد لانها سعيدة "