نبضات عبر الزمن ( اول رواية مكتملة لي في حياتي) - الفصل السابع : - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: نبضات عبر الزمن ( اول رواية مكتملة لي في حياتي)
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل السابع :

الفصل السابع :

الفصل7 كان شهر قد مر منذ زواج هالة وعماد . ورغم ان تلك المدة كانت لاباس بها إلا أنها لم تغير شيئا في علاقتهما . فقد كانت فاترة لاتتجاوز الاحترام .مقتصرة على بعض الاحاديث الجانبية او المواقف اليومية العادية.  مجرد غريبين يتشاركان ذات الغرفة ونفس السر . __ كان الجو في غرفة الطعام مشحونا منذ البداية . ورغم ان عائلة العيالي لم تكن معتادة على تناول وجبة الفطور جماعة في أغلب الأحيان . الا أنه وبسبب رغبة من الجد تمت دعوة الجميع . كان الجميع يتناول وجبة الافطار في صمت ، غيرأن هالة التي لم تكن معتادة على الافطار صباحا لم تستطع معدتها تقبل سوى شرب كأس من العصير . ماان انتهى الجميع ، وبأمر من الجد ظل كل واحد في مكانه . بدا وكأنه سيناقش أمرا مهما . فجأة ، كسر الجد حاجز الصمت بصوته العالي والغاضب موجها لومه الى وهاب الجالس على يمينه . " ازاي ياوهاب تتصرف بالشكل ده ؟ منتجات بمبالغ ضخمة تترمي كدة بسبب فسادها ؟ انت عارف الخسارة دي معناها ايه ؟ ...وبعدين بتخبي علي الموضوع ده ازاي ؟ فاكر اني مش هعرف!!" صوته العالي كان كفيلا بجعل الجميع يتوترون خاصة بعد ان ضرب الطاولة بقبضة يده الضخمة مما جعلها تهتز . هالة التي لم تكن معتادة على سماع مثل هذه الصرخات القاسية ، شعرت برجفة تسري في كامل انحاء جسدها . ولااراديا ضغطت بيدها على يد عماد الموضوعة على الطاولة دون النظر اليه . حركتها تلك جعلته ينتبه لها ويستدير براسه إليها سريعا بقلق . بدت وكأنها تواجه مشكلة في ضبط انفاسها وقد شحب وجهها ايضا . همس باسمها بلطف كي يجعلها تنظر ناحيته ورغم القلق و التوتر اللذان كان يشعر بهما لاجل والده الذي كان يحاول الاعتذار من والده بشتى الطرق . نظر إليها بعينين هادئتين مليئتين بالتفهم استطاعت ان تهدئ من روعها وتعيد إليها تماسكها . وكأنه يخبرها دون كلمات " ماتقلقيش ...أنا موجود ... هتعدي بعد شوية " أمينة التي كانت هي الأخرى ممسكة بيد ابنتها المتجمدة في مكانها . بدت قلقة على زوجها خاصة وانها ليست المرة الاولى له . فلطالما ارتكب العديد من الاخطاء فيما يتعلق بادارة متاجر الجد بدر ولطالما كان يسمع تحذيراته وتهديداته بان سيأخد منه كل شيئ . لم تجد امامها حلا واحدا . استجمعت شجاعتها وفي محاولة منها لتخفيف الضغط عن زوجها وجهت إصابع الاتهام الى عماد بشكل مباشر . وبنبرة هادئة حاولت ان تجعلها صادقة قدر الامكان قالت مقاطعة إياه " وهاب ماعندوش ذنب ! هو بنفسه قلي يا بابا بدر أنه عماد هو لي تكفل بشراء المنتوجات للمتجر ده ولمتاجر ثانية من بينها متجره !" صمت بدر بينما نظر لها وهاب بصدمة وكان على وشك ان يسألها " بتقولي ايه ؟" الا أنها لم تهتم له . فقد كانت مشغولة بارسال نظراتها التوضيحية الى ابنها " تحمل مسؤولية ابوك ...ده دورك ...انت مجبور تتصرف وتحمينا من جدك " الذي تجمد في مكانه . كيف لا وهو يرى امه تدفع به مرة أخرى امام المدفع . لم ينتظر بدر سماع اي توضيح من حفيده ولم يحاول حتى التأكد من ماقالته أمينة . فأكثر مايهم الان ان يسترد كل ماخسره من مال أيا كان من سيفعل ذلك . فلايوجد اي فرق بالنسبة اليه . ودون سماع اي توضيح قال بدر بنبرة حادة موجها نظراته الى عماد " مادام كدة ...يبقى انت مسؤول عن تعويض الخسارة دي ياعماد ...والتعويض ده عايز اسمع بيه عن قريب " بدا وكأنه يحذره او يهدده . لم يجادله عماد ، فقط اومأ برأسه بصمت وهو يحاول الحفاظ على رباطة جأشه . لم تستطع هالة إبعاد ناظريها عنه منذ اعتراف أمينة بأنه هو من تسبب في كل تلك الخسائر . شعرت بالصدمة في البداية ولكن إحساسها كان يقول عكس ذلك وقد تأكد عندما رأت شيماء تنظر لوالدتها بعدم تصديق تحول الى لوم وعتاب صامت فور مغادرة الجد ، لم يستطع عماد التحمل أكثر وقرر الصعود الى الاعلى ...الى غرفته ...ملجأه الوحيد والذي سيفرغ فيه كامل الاحباط الذي يشعر به في تلك اللحظة. توقف على السلالم بعد سماع هالة تناديه باسمه لسماع ماستقوله رغم أنه يشعر بنفسه غير قادر على الوقوف. فورا عادت اليه  صورتها قبل دقائق عندما كانت تتشبث به . لعن نفسه سرا لأنه جعلها تعيش تلك اللحظة السيئة والتي تمنى لو كان باستطاعته محوها من ذاكرتها . صعدت السلالم بسرعة ثم وقفت قبالته تسأله " مش انت لي اشتريت كل هديك السلع مش كده ؟" كانت تنتظر منه ان يؤكد لها ماتفكر به بشأنه . تنفس بعمق ورد بمنتهى الجدية والبرود " لاء أنا !" هالة باصرار " ماتكذبش علي ياعماد ...انا كنت قاعدة وشفت كل حاجة مامتك هي لي جابت الكلام من عندها وقال ..." بينما كان يستمع الى هالة التي بدت مصرة في رأيها وقد بدأ صوتها يرتفع . لاحظ عماد تجمهر امه وابيه في الاسفل وقد كانا يقتربان ناحية السلالم يحاولان فهم مايجري بالاعلى . فماكان منه الا أن يقوم بسحب هالة من ذراعها وادخالها الى الغرفة . هالة بصدمة وهي لم تستوعب سبب سحبها بتلك الطريقة بعد ان افلت ذراعها سريعا " مالك ؟!" عاد الى الخلف ثم قال بمنتهى الجدية " هالة لوسمحتي ، الموضوع ده اكبر مني ومنك . وانا جزء من العيلة دي ولو حاجة غلط حصلت ...حتى لو مش مني لازم اتحملها . فمافيش فارق بين أنه انا او لا ." انقبض قلبها من كلماته ، لم تستطع السيطرة على نفسها فشعور القلق من اجله كان ينهش روحها وقد كان ذلك في طريقتها في الكلام ونظراتها نحوه " انا مابقولش ماتوقفش جنب ابوك ! ...عم قول أنه غلط وظلم ! ...انت ماعملتش حاجة عشان تتحمل كل ده لوحدك ...حتى لو هي عيلتك مش معناه انك تشيل كل حاجة لوحدك !" كانت تتكلم باصرار وانفعال وهي تسير بخطوات سريعة مقتربة منه . " هالة العيلة دلوقتي بأزمة وجدي مش هيقبل بأي اعذار .ولو فضلت افكر بطريقتك وادافع عن نفسي الموضوع هيكبر أكثر والخسارة هتأثر على الكل !" قال بصوت حاسم . هالة باستنكار وهي تنظر الى عينيه ولم تستطع اخفاء القلق والحزن الذي تشعر بهما اتجاهه " يعني انت شايف ان الحل الصح هو انك تتحمل كل حاجة لوحدك عشان الكل ؟!" ابتسم عماد ابتسامة خفيفة ، لكنها تحمل ألما " انا متعود على ده ياهالة . ده جزء من دوري كابن في العيلة دي . ماما وبابا تعبو كتير عشان للمكانة دي ودلوقتي جى دوري عشان احافظ على هذي المكانة " كانت على هالة على وشك فتح فمها لكنها تراجعت ، ظلت تنظر اليه في صمت . تشعر بانها عاجزة عن فعل أي شيئ ...تخبر نفسها أنه لايجب عليها ان تتدخل فهذه شؤونه وقراراته الخاصة لكنها عاطفتها كان لها رأي آخر . زفرت باستياء ثم سارت ناحية السرير تاركة إياه ينظر نحوها في صمت قبل أن يردف " هالة ، انا مقدر كلامك ...بس أنا عارف لي بعمله .ده مش سهل وأنا مش مرتاح . بس ده واجبي " بعد ان استمعت الى ماقاله كاملا ،هزت هالة كتفيها تدعي لامبالاة " انت ادرى ..." اتجه عماد ناحية الحمام ، ليغسل وجهه ربما يستطيع تهدئة نفسه وإيجاد حل لتعويض المال الذي ضيعه والده . ابتسم تلقائيا بعد ان تذكر كلمات هالة ...وبالرغم من أنه لم يكن متاكدا ان كانت قالت ذلك بدافع القلق عليه او لانها لم تستطع تجاهل الامر لانها انسانة تكره الظلم لكنه حين نظر الى إليها رأى في عينيها شيئا من الأصرار والعاطفة . الا أنه كان سعيدا لذلك أيا كان السبب فهذه هي المرة الاولى التي ينفعل احدهم لاجله . كلامها كان كفيلا بجعله يشعر بالدفئ في اعماقه . __ داخل غرفة امينة ووهاب ، كان وهاب جالسا على الاريكة بجانب الطاولة ينظر الى الارض بتعب .اما امينة كانت واقفة بالقرب من النافذة تحاول الحفاظ على هدوئها رغم التوتر الذي كان واضحا في ملامحها . وهاب بنبرة معاتبة " ازاي ياامينة ؟ ازاي تلومي عماد وهو مالوش  أي علاقة ؟ ده ابننا ! ازاي تحطيه في موقف صعب قدام أبويا ؟!" تنهدت امينة ثم أدارت وجهها نحوه ، فقد كانت تعلم ان ماقالته على طاولة الطعام لن يمرر لها مرار الكرام خاصة ان وهاب حساس عندما يتعلق الموضوع بعماد " وهاب ، ماكانش عندي حل ثاني .انت شوفت ابوك ازاي كان معصب جدا ، ولو قلت أنه السبب انا او شيماء أكيد مش هيصدقني ..." هز وهاب رأسه ببطء ، وصوته مليئ بالاحباط " ولو ...الواد مالوش علاقة بالخسارة دي !" اقتربت منه جالسة بقربه محاولة تهدئته " يا حبيبي اسمعني ...عماد الفترة الاخيرة عم يدير مسؤولية متجره كويس جدا وانت قلتلي ده بنفسك . يبقى مافيش مشكلة لو شال مسؤولية المتجر ده كمان " انتفض وهاب بعيدا عنها بغضب قائلا بانفعال وعدم تصديق " المشكلة دي مش زي اي مشكلة ثانية ...امينة المبلغ لي خسرناه المرة دي عشان نرضي أبويا كان كبير اوي . وماحصلناش ولافايدة من السلع لي هي خربت دلوقتي ! تعويض الخسارة دي مش هيكون سهل على عماد ، ولاعلى اي حد ثاني في العيلة " زفرت امينة بضيق وردت عليه هي الأخرى بنبرة ارتفعت قليلا " مادام زعلان كدة ! قوم وروح عند ابوك ، قله انا شوية وفلستك ، قله انت لي ساويت كدة ومش عماد ! قله انت لي رح تتحمل المسؤولية دي وتعوضه ! ايه رأيك ياوهااب ؟!" اخدت نفسا عميقا ثم وقفت تمسك بيدي زوجها قائلة بنبرة هادئة " وهاب ...انا عملت لي شفته الصح في هديك اللحظة ...ممكن اكون غلطت اه بس كنت خايفة عليك ...دي مش اول مرة ياحبيبي ...كان لازم اتصرف بالطريقة دي عشان مصلحتنا " ظل وهاب ينظر إليها بصمت ، كان يعلم انهما مخطئان ولكن لم يكن بوسعه فعل اي شيئ غير الدعاء ان يتمكن عماد من تجاوز هذه المصيبة . _ مر اسبوع كامل وكم كان ثقيلا على الجميع ،ولكن اكثرهم تأثرها كانت هالة . لم تكن معتادة على ذلك البعد بينها وبين عماد فرغم بداية علاقة زواجهم المتوترة وانه يكون صامتا طوال الوقت عندما تكون معه إلا أنها كانت مرتاحة وهي تراه كل يوم امامها . لكنها الان ليست كذلك .فبعد انشغال عماد بمشكلة تعويض الخسائر ، كانت تستيقظ في كل صباح لتجد الغرفة فارغة وكأنه لم يكن فيها أبدا . وعندما يعود ، تكون هي قد استسلمت للنوم بعد ساعات من محاولتها على البقاء مستيقظة لرؤيته وللاطمئنان عليه . حتى وجبات العشاء التي كان من المفروض عليه حضورها كان لايأتي إليها الا نادرا ويعتذر عن اغلبيتها . كان القلق مسيطرا عليها، وفي كل ليلة كانت تسأل نفسها قبل النوم : هل ينام جيدا ؟ هل يأكل كما يجب ؟ هل يحمل كل هذا العبئ بمفرده ؟ اسئلتها اخدت تتكرر وأثقلت تفكيرها ، لكنها في الوقت نفسه لم تكن تجرؤ على البوح بها خوفا من ان تبدو مهتمة به أكثر مما ينبغي . ذات ليلة ، جلسا معا على العشاء . حاولت هالة ان تبدو طبيعية رغم تلك المشاعر المتأججة بداخلها . لكنها لم تستطع منع نفسها بصوت بدا أكثر اهتماما مما ارادت " عماد كل حاجة تمام ؟" أجابها عماد بهدوء بدا عاديا ولكنه يحمل ثقل التعب " تمام ...مافيش مشاكل " ثم إضاف مع ابتسامة صغيرة " وانتي ؟ ايه اخبارك ؟" ردت بخفة ، محاولة اخفاء قلقها فهي لم تكن تصدقه فبالطبع سيدعي امامها أنه بخير والله اعلم مايعانيه حقا " رجعت لشغلي في المستشفى ...من يومين و الامور ماشية كويسة الحمد لله " " حمدلله " كانت تريد ان تسأله المزيد ، لكن كبريائها كان حائلا بين ذلك _ في يوم بدا عاديا ، كانت هالة قد وصلت الى البيت فانتهى دوامها كممرضة مبكرا . كان خاليا ، فالسيدة امينة خرجت لزيارة شقيقتها رفقة شيماء اما بدر فقد ذهب رفقة ابنه الى الشركة بسبب بعض الأعمال .   جرت قدميها بملل ثم صعدت السلالم باتجاه غرفتها وهي تشعر بالوحدة ، ليس بسبب ذهاب الجميع بل لانها لن ترى عماد اليوم أيضا . دفعت باب الغرفة بتثاقل ، لكن مارأته اوقفها للحظة . كان عماد بالداخل ، جالسا على الاريكة بجانب الطاولة ، الاوراق حوله منتشرة بشكل فوضوي والالة الحاسبة بيده . بدا منهمكا جدا في الحسابات وعيناه تحملان تعب الأسبوع كله ارتسمت على شفتيها الزهريتين ابتسامة واسعة بسبب السعادة التي غمرتها . وجوده هناك رغم انشغاله جعلها تشعر بشيئ من الراحة التي افتقدتها طوال الايام الماضية . عندما ادركت أنه لاحظها تقدمت نحوه بخطوات هادئة وهي حافية القدمين ثم قالت بابتسامة أصغر بكثير من الاولى " ماتوقعتش انك موجود ..." " إا  ...كان في عندي حاجات قليلة اخلصها فقلت خليني اخلصها هنا " ثم إضاف " كنتي انتي بردو شغالة مش كدة ؟" " أيوه ، بس قدرت اني اخلص بدري ...ماكانش في ضغط الحمد لله " هز عماد رأسه وعاد الى عمله بعد ان أنهى محادثته القصيرة معها ، بينما هالة انجذبت عيناها نحو الاوراق المليئة بالارقام والالة الحاسبة التي كانت بين يديه . ومن دون أي تفكير سألته " محتاج مساعدة ؟" نظر إليها بدهشة فهو لم يكن ان يتوقع ان تعرض عليه المساعدة . كان على وشك الرفض ولكن عندما رآها تنظر له بجدية غير رأيه . لاحظت هالة دهشته فتابعت " كنت شاطرة جدا في الرياضيات ايام المدرسة وهقدر افيدك " " بس شكلك تعبانة ..." قال بتوتر " مش تعبانة ولاحاجة ...إستنى هغير هدومي وارجع اساعدك مش هتأخر " ومن دون أن تنتظر ردا ، اتجهت بسرعة نحو الحمام لتغيير ملابسها . تاركة أياه خلفها جالسا في مكانه . ابتسامة خافتة تسللت الى وجهه رغما عنه . فلاول مرة منذ اسبوع ، شعر بأن ثقل العمل لن يكون بالحدة المعتادة . _ كانت هالة لاتزال داخل الحمام . فبعد ان غيرت ملابسها الى أخرى بيتية مريحة وقفت تحدق في انعكاسها على المرآة بعيون مترددة . بينما يديها ترتبان شعرها بايماءات بسيطة . كان قلبها ينبض بقوة وبسرعة غير معتادة ، اخدت نفسا سريعا محاولة تهدئة نفسها . قبل أن تبدأ حديثا داخليا صارما مع نفسها " أهدي ياهالة دي مجرد مساعدة ...حسابات وشوية ارقام ...ماشي؟ مافيش داعي تفكري باكثر من كدة . ركزي! انتي قررتي تساعديه مش اكثر فهتعملي كدة ...يعني ده لي رح يحصل ...وبحدود ! " توقفت للحظة تنزل يديها الى أسفل ثم تقترب من المرآة أكثر وكأنها تحاول التأكد من ان ملامحها لن تكشف مشاعرها . كانت تحاول جعل نظرتها جدية وهي تستمر في التفكير " انتي بتعملي كدة عشان لقيتي حد محتاج مساعدة بس ...مش عشان ...عشان هو " كانت نظرتها تلين في كل لحظة يخطر اسمه على بالها " هالة انتي هتفضحي نفسك ...وهو آخر واحد محتاج يشوف ده دلوقتي !" وبحزم داخلي " هالة انتي قوية ! مش هتسمحي لنفسك تبين ضعفها...رح تركزي على الارقام والحسابات مش أكثر . وعماد فكري بيه على أنه مجرد زميل ...لا! مجرد حدا محتاج مساعدة . اخدت نفسا عميقا مرة أخرى ، ثم ابتسمت لنفسها ابتسامة خفيفة كما لو كانت تقول "انا جاهزة !" بعدها ترفع رأسها بخفة ، تعدل من وقفتها وتغادر الحمام بخطوات ثابتة نحو عماد محاولة اخفاء اي أثر للتردد او القلق الذي كانت تشعر به قبل لحظات خرجت هالة من الحمام بعد ان عدلت ملابسها ورتبت افكارها .  كانت نظرتها ثابتة وهي تتجه ناحية نحو كرسي طاولة التزيين الخاصة بها . سحبته بهدوء لتجلس قبالة عماد . كانت تفكر في انه يجب عليها التصرف بالطريقة الطبيعية حتى لاتكشف نفسها وتظهر اهتمامها اكثر من اللازم . هالة وهي تجلس على الكرسي " طيب ، قلي عايزني اساعدك بايه ؟" رفع عماد عينيه نحوها في تلك اللحظة ، بدا لها وسيما مرة أخرى بتلك النظارة . شعور بالتوتر الخفيف مر عليه .ففكرة ان تساعده هالة في عمله لم تكن مريحة له قليلا، لكنه مع ذلك قرر الوثوق بها . اخد مجموعة من الاوراق التي تحتوي على جداول ومدها بيده نحوها قائلا "  دي جداول محتاجة نحسب شوية ارقام ونملأ البيانات دي بناءا عليها ...الطريقة سهلة هشرحالك " اخدت هالة الاوراق منه ونظرت إليها باهتمام . وبعد ذلك عادت تنظر لعماد وهي تهز رأسها بتفهم " تمام وريني الطريقة " اقترب منها قليلا حتى يستطيع ان يشرح لها بسرعة . واثناء شرحه القصير لاحظ كم كانت هالة جادة ومركزة في كل كلمة يقولها . وماهي بضع دقائق ، حتى عاد الى مكانه بينما بدأت هالة تعمل بحرفية وهدوء . اصابعها تتحرك بخفة وهي تحمل الآلة الحاسبة وملامحها تظهر الجدية المعتادة .اخد عماد يراقبها للحظات مستمتعا بصمتها المريح ثم عاد ينجز مابقي بين يديه . فجأة سألته هالة وهي تدون النتيجة التي حصلت عليها في احدى خانات الجدول دون أن ترفع رأسها وتتظر اليه بعفوية " على فكرة ...ازاي بقيت محاسب ؟ انا فاكرة كويس انك ايام المدرسة كنت بتكره الرياضيات واي حاجة عندها علاقة بالحساب ." نظر لها عماد باندهاش خفيف ، ثم ابتسم ابتسامة هادئة تحولت الى ضحكة لم يستطع مداراتها عندما وجدها تنظر اليه بتحذير محبب " وماتقوليش انك مش فاكر لاني مش هصدقك !" عماد وهو يضحك بهدوء " ماكانش عندي خيار ، معدلي في الثانوية العامة كان قليل وبصعوبة خلاني ادخل التخصص. ولو على اختياري كنت زماني بعيد عنه . ابتسمت هالة ،واستمرت في العمل الذي وكل لها ، نظر لها عماد قليلا ثم قرر اعادة الطرح السؤال إليها " طب انتي ؟ ازاي دخلتي التمريض ؟ كنتي تقولي انك استحالة تروحي لتخصص عنده علاقة بالعلوم والصحة ؟" ابتسمت هالة لأنه كشف نفسه أخيرا ولانه يتذكر ماقالته منذ سنين مضت هزت كتفيها بخفة ثم اجابت بصدق " خلينا نقول أنه الاقدار رمتني في المشفى زي مارمتك انت وخلتك محاسب . " ابتسم عماد مجددا فقد شعر حقا بالراحة وهو يتحدث معها .  وانطلقت ضحكة مشتركة بينهما . كان الحديث بينهما بسيطا ، لكنه يحمل في طياته راحة غريبة لكليهما . الحديث عن الذكريات الماضية جعلهما يشعران وكانهما بعيدان كل مشاكلهما الحالية . الشعور بالمشاركة والجلوس بجانب بعضهما البعض لأجراء هذه الحسابات جعل الجو بينهما أكثر دفئا . لقد رأى عماد أنه لاباس بالحديث عن نفسه امامها ، فهي لم تطلق عليه اية احكام ، ولم تثقله بالاسئلة بل كانت تقول كل مايجول بذهنها ...طريقتها في الكلام كانت بسيطة ومريحة له . فكر أنه من الجميل ان يستمع له احد وهو يتحدث خاصة أنه لم يفعل هذا منذ زمن طويل . هالة من جهتها كانت سعيدة لسماع عماد يعبر عن نفسه امامها ، كما السابق او افضل بكثير ... وظلا على هذه الحالة يعملان بينما يتحدثان عن ايام الماضي والعمل ... حتى نهض عماد من مكانه ، سألته هالة التي كانت تستند على الكرسي تمسك الورقة بيديها ترفع امام عينيها تتاكد من ملأ كل الخانات . " رايح فيني ؟" " هشوفلي عصير وراجع ؟ تحبي تشربي ؟" " لا شكرا " _ كانت الطاولة لاتزال محاطة بالاوراق وهالة التي غفت عليها بعد ساعات من العمل بدأت  تستعيد وعيها . رفعت رأسها بتثاقل تشعر بألم خفيف في رقبتها و عضلاتها بسبب وضعية النوم الغير مريحة . تطلعت حولها تبحث عن عماد ، لتجده غير موجود . تساءلت بصوت خافت وهي تمرر يدها فوق عينيها ثم شعرها " هو لسة مارجعش؟" كانت تشعر بالقلق والتعب ، ومع ذلك نهضت من مقعدها . أطلقت تأوه خفيفا وهي تنهض بسبب التيبس الذي شعرت به في اطرافها . وقد قررت النزول للاسفل وتحديدا الى المطبخ لترى مالذي شغله كل هذا الوقت ؟ توقفت للحظة عند مدخل المطبخ فور وصولها ، وعيناها قد التقتا بمشهد لم تتوقعه .