الفصل الخامس
في اللحظة التي وصلا فيها الى الفندق . كانت هالة تحاول أن تقرأ تعبيرات وجه عماد الجامدة التي لاتعبر لا عن فرح ولا عن استياء .
تظاهر بالهدوء وهو يفتح لها باب السيارة . قبل أن تنزل من عليها هي الأخرى بهدوء .
ممسكة بفستانها الابيض الذي كان لايزال يحافظ على على كل تفاصيله من الفرح .
دخلا سويا عبر باب الفندق . وفي كل مرة كان عماد يحاول الابتعاد عن اي تواصل بصري معها .
فدماغه كان مشغولا بالافكار التي اخدت تتزاحم عليه .
كان يعلم أنه لايستطيع الاقتراب منها ولو أراد ذلك . فهو لن يدمرها مرتين . ليس بعد ان قرر ان يطلقها .
وصلا أخيرا الى غرفتهما ودخلا إليها بعد ان فتح عماد الباب .
في الغرفة المضاءة بضوء خافت، كان الصمت بين هالة وعماد ثقيلا . مليئا بتوتر غير مرئي جعل كلاهما يلتزمان الهدوء .
كانت هالة تحاول السيطرة على نفسها وعلى مشاعرها المتأججة ففكرة وجودها مع عماد بنفس الغرفة ...بمفردهما ...تكاد تجعلها تصاب بالجنون .
على الجانب الاخر ، جلس عماد على الاريكة التي وحدها امامه بعد ان خلع سترته بهدوء ورماها على اقرب كرسي وجده .
كان يبدو عليه التوتر وكأن كل حركة له محسوبة. ورغم أنه إستمر في تجنب النظر إلى هالة الا أنه كان قادرا على الاحساس بكل حركة تقوم بها .
كانت هالة قد شعرت بالاختناق من هذا الفستان بالفعل وتمنت لو باستطاعتها تمزيقه الان والتخلص منه .
اخدت نفسا عميقا بعد ان قررت التصرف بشكل طبيعي
" هغير الفستان ..." قالت ذلك وقد بدت وكانها تحدث نفسها فعماد لم يعطي اي رد .
سارت ناحية الحمام حافية القدمين . وماان اغلقت الباب شرعت في فتح السحاب .
الا أن محاولاتها لم تكن ذات فائدة فقد كان عاليا وذراعها لم تكن قادرة على الوصول اليه .
عضت على شفتيها بتفكير قصير ...وماهي لحظات حتى كانت تقف امامه .
" ينفع تساعدني ...السحاب مش عايز ينفتح؟" قالت ببساطة وهدوء شديد
تجمد عماد في مكانه . عيناه اتسعت من المفاجأة وضربات قلبه زادت في لحظة .
أحس بتوتر غريب لم يستطع اخفائه .
الا أنه مشى نحوها ببطء وهو يحاول ان يظهر ان الموقف عادي ولا يوجد به اي خطب .
رغم حالته المتأهبة .
اللحظة التي لمس بها السحاب باطراف اصابعه بدت وكأنها سبب في نشوء صدمة كهربائية في الجو .
شعرت هالة بأنفاسه الحارة على رقبتها فاخدت دقات قلبها تتصاعد اكثر فاكثر مع كل درجة كان ينزل بها السحاب فيظهر جزءا من رقبتها البيضاء الناعمة .
حاول عماد ان يسيطر على نفسه ويحافظ على هدوئه الا أنه كان متوترا جدا .
حركة السحاب وهو ينفتح جعلتهما يشعران بان الزمن قد توقف بهما . لحظة بين الرغبة والوعي . بين الماضي الذي كان متأصلا في قلب هالة وبين الحاضر الذي يهدد عماد بأن يخرج عن السيطرة .
شعر عماد أنه غير قادر على المواصلة . كان على وشك ان يفقد قدرته على ضبط نفسه .
دفعته مشاعر الخوف من العواقب لو ترك نفسه للموقف بعيدا عنها . وبقرار حاسم تراجع خطوة للخلف .
فور ان شعرت هالة بأن انفاسه قد تلاشت من عليها ادركت ابتعاده عنها .ففتحت عينيها ثم استدارت تنظر اليه .
وجدته يحمل سترته من على الكرسي بعجل ثم ينظر ناحيتها دون أن تلتقي اعينهما وكأنه يحاول اخفاء الصراع من داخلهما .
وبصوت مختنق من فرط مشاعره قال " أنا ...لازم أخرج شوية "
هرب قبل أن يسمح لنفسه بتخطي الحدود التي وضعها وخرج من الغرفة تاركا هالة واقفة مكانها لم تتحرك قيد أنملة تنظر الى الباب الذي اغلق في وجهها غير مستوعبة لما جرى .
هل يعقل ان تكون شجاعتها التي تكون بلاتفكير سببا في خذلانها ام انها قد خلقت لها لحظة لايمكن ان تنساها ؟
حاولت استعادة رباطة جأشها ...ورغم الصدمة التي لم تكن قادرة على مفارقة وجهها بعد . اقتربت من الحقيبة التي اعدتها لها والدتها تفتحها لتخرج منها احدى ملابس النوم .
ابتسمت بسخرية عند رؤيتها لقمصان النوم المثيرة التي كانت قد اشترتها منذ ايام . وبحركة عصبية دفعت بها الى عمق الحقيبة وكأنها بذلك تخفيها عن اعينها .
انتهت من مسح مكياجها ...ثم رفعت شعرها بشكل ذيل حصان سريع .
صعدت على السرير مستندة بظهرها على الوسادة تضم ساقيها الى صدرها بانتظار عودته .
انها الان تقضي ليلة زواجها الاولى وحيدة في غرفة الفندق الواسعة تنظر الى تلك الساعة المعلقة امامها وكأنها تتعمد تعذيبها في كل مرة تمر بها ساعة اخرى وهو لم يعد .
رغم ان ماحدث كان غريبا وصادما لها . الا أن رأسها لم يكن قادرا على التفكير وقتها .
كانت تنتظر منه العودة والتبرير . سبب تركها بمفردها في ليلتهما التي كانت يجب ان تكون اجمل واروع ليلة على الاطلاق .
صراع داخلي اخد يعصف بها ، بين حبها القديم لعماد الذي لم ينطفئ أبدا وبين الألم الذي بدأ يتسلل إلى روحها . كان فعل عماد قد ترجم إليها كرفض وبعد .
بدات عينيها تنغلقان ...لكن في كل لحظة كانت تسمع بها صوت خطوات اقدام في الممر يعود الامل إليها وتعتدل في جلستها بتأهب للحديث معه .
الا أن عينيها سرعان ماامتلأتا بالدموع . رفعت رأسها الى الاعلى كي تمنع نفسها من البكاء .
فهي ستكون قوية رغم ان تلك الوحدة التي عاشتها تلك الليلة كانت ثقيلة جدا .
____
مع اقتراب الفجر . عاد عماد الى الغرفة بخطوات هادئة يحاول بأقصى مايمكن ان لايحدث ضوضاءا يوقظ هالة من نومها .
ماان فتح الباب ، حتى تسللت معه خيوط ضوء الفجر الباهتة التي لامست جدران الغرفة .
اقترب عماد ببطء ،وعيناه تتجهان نحو تلك النائمة توليه ظهرها .
كانت مستلقية على السرير تضم الوسادة الى صدرها .
نظر الى ملامحها فوجدها هادئة وغارقة في النوم .
كان شعرها الاسود الناعم منسدلا على الوسادة . وجهها يحمل مزيجا من البراءة والتعب .
وكأنها فرت الى عالم الاحلام هربا من كل مايؤلمها في الواقع .
وقف يتأملها لدقائق ولو كان بيده لساعات وقلبه مثقل بالمشاعر المتضاربة .
في تلك اللحظة ، شعر بموجة حزن تجتاحه . احساس بالندم لأنه تركها وحيدة في ليلة كان من المفترض ان تكون مختلفة ، مليئة بالفرح والامل . ولكن رغم ذلك كان هناك شيئ اعمق يحركه .
قراره بالبعد عنها حتى لاتتأذى منه لاحقا كان اقوى من كل مايستطيع التعبير عنه .
ليسير ناحية الحمام بخطوات مثقلة يغير ملابسه الى أخرى مريحة . لكنه يشك في قدرته على النوم هذه الليلة والتي مع ذلك لم تكن مختلفة بالنسبة له عن باقي الليالي الاخرى.
فهو يعاني منذ زمن طويل من ارق متواصل لايستطيع النوم سوى ساعات قليلة هذا ان استطاع ان ينامها كاملة من الأساس .
_
كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة وبضع دقائق ، فتحت هالة عينيها ببطء وقد عاد احساس الثقل الى قلبها فور تذكرها ليلة أمس .
حدقت في الساعة قليلا ، قبل أن تجول عيناها في انحاء الغرفة بلهفة وقلق بحثا عن عماد
أين هو ؟ هل عاد ؟ تساؤلات عدة ترددت في ذهنها .
فجأة ، سمعت صوت الباب يفتح . التفتت لترى عماد يخرج من الحمام بكامل تجهزه واناقته .
وجهه يحمل تعبيرا هادئا خال من اي قلق او إرتباك .
فور ان انتبه لاستيقاظها قال بصوت عادي " صباح الخير ...لو سمحتي استعدي عشان ننزل ناكل حاجة ونروح بيت أهلي . " حاول التصرف بطريقة طبيعية وكأن الليلة الماضية لم تترك أثرا عليه .
نظرت اليه باستنكار ، قبل أن تدفع الغطاء بقدمها باستياء وتنهض من على السرير تتقدم ناحيته بخطوات متسارعة لتقف قبالته وهو يوليها ظهره مشغول بتسريح شعره .
كان طلبه الذي يبدو للوهلة الاولى عاديا كفيلا باشعال نيران الغضب المكبوتة داخلها من ليلة أمس .
تغيرت ملامحها وقالت بصوت حاد " إستنى لحظة ياعماد ! "
استدار إليها عماد على الفور تاركا مابين يديه . ماان رآها حتى علم انها غاضبة وهو يعذرها على ذلك ولها كل الحق . لذا ماكان امامه سوى الاستماع لها
" ازاي بتتكلم كدة كأن مافيش حاجة حصلت ؟! ...قلي رحت فين ليلة امبارح ؟! وازاي تسيبني بالطريقة دي ؟!"
انتظرت منه الإجابة وهي توجه نظراتها النارية نحوه
وقف عماد للحظة ، قبل أن ينظر لها بنظرة هادئة رغم كل التوتر الذي يشعر به .
وقال بصوت منخفض " كنت محتاج وقت لوحدي "
هالة بدهشة وقد ارتفع حاجبها "وقت لوحدك ؟!" ثم تابعت بلوم " و مالقيتش الا الليلة دي عشان تقعد فيها لوحدك؟ "
اردفت بغضب وهي تقترب خطوة للامام
" وعادي كدة بالنسبالك تقوم وتسيبني لوحدي في الاوتيل ؟! "
رغم حدة هالة و صوتها العالي ، لم يحاول عماد ان يرفع صوته أبدا ولم ينزعج منها حتى .فهو يعلم أنه مخطى بحقها وقد آلمها كثيرا .
حاولت هالة ان تكون اكثر نضوجا وتفهما رغم ان الموقف الذي هي به الان لايحسد عليه ، فخفضت من نبرة صوتها ونظرت الى عينيه قائلة بجدية تحاول أن تلتمس منه عذرا يكفر ذنبه
" طب قلي ، احتجت تقعد لحالك ليه ؟ "
صمت عماد فهو لن يجيبها . لانه ان اجابها فسوف تتالم أكثر .
" ماتقول ياعماد !" بدت وكانها تترجاه قبل أن تلمع في رأسها فكرة لو كانت حقيقية تعلم انها ستتدمر كليا
" انت مش عايز الجوازة دي ؟" سألته بشك ، ومع كل حرف كان تنطق به كانت تتمنى ان لاتكون محقة .
الصدمة التي ارتسمت على تقاسيم وجهه كانت كفيلة بجعلها تهتز .
انها محقة !
سألته مرة أخرى لكن ببرود وكأنها قد تحولت الى شرطية استجواب بدل ممرضة وزوجة لهذا الرجل
" طب اتجوزتني ليه ؟"
مع لحظة الصمت التي ملأت الغرفة . كانت هالة تقف امام عماد في مواجهته ورغم تقاسيم وجهها التي كانت بلا تعبير .كان غير مصدقة للواقع الذي تعيشه.
الرجل الذي احبته من اعماق قلبها ولم تنسه مع كل عام اضيف لعمرها . الرجل الذي جعلها تغير رأيها في فكرة الزواج وتقرر الأقبال عليه .الرجل الذي قطعت من اجله عهدا على نفسها بان تكون السند له . الأخت والام والصديقة والحبيبة والزوجة . يخبرها بعد ان تزوجها وان انتهى أنه لايريدها زوجة له. أي ألم هذا ؟ ان قلبها يوشك ان يقع من شدة الوجع .ولكن مع ذلك فهي لن تتركه حتى تعرف الحقيقة منه .
هل اجبره اهله على الزواج منها ؟ كانت تلك الفكرة الوحيدة والمنطقية بالنسبة لها في تلك اللحظة
وبنبرة ساخرة " عيلتك جبرتك مش كدة ؟"
كان عماد يقف امامها هو الاخرى يشعر وكأن الارض قد التفت من حوله وكم تمنى لو ابتلعته وماعاش هذه اللحظة و اللحظات التي تلتها. إدرك في قرارة نفسه ان هالة مصرة على معرفة الحقيقة ...وقد اكتشفتها بالفعل ...فلم ييبقى امامه سوى التأكيد عليها فقط
وبقلة حيلة رد " أيوه ! ، اهلي جبروني اني اتجوز ...فمالقيتش قدامي غير انه ..." لم يكن يريد تبرير نفسه ولكنه وجد نفسه يفعل ذلك
" فمالقيتش قدامك غير انك تتجوزني " حملت نبرة صوتها الألم الذي مهما حاولت جاهدة اخفائه فشلت
" اتجوز ياهالة ...مالقيتش قدامي غير الحل ده !
حياتي كلها كانت مرهونة بالجوازة دي . ماكانش عندي حل ثاني " تابع بصوت منخفض وعينيه موجهتان للارض ."
كانت هالة في حالة صدمة . لم تكن قادرة على التصديق .فقلبها يتحطم امام عينيها وهي غير قادرة على فعل اي شيئ .
" يعني انت كنت ناوي تكمل حياتك معي وانت مش عايزني ؟" سألته من باب الفضول وكأن الألم الذي ينهش قلبها لم يكن كاف بالنسبة لها فاخدت تزيده
" ماكنتش قادر ارفض ياهالة والله العظيم ..." كان واضح عليه أنه يحاول الشرح ، والندم كان واضحا في صوته.
وضعت هالة يديها على خصرها تنظر للارجاء بضياع تحاول تنظيم افكارها . لعقت شفتيها الجافتين بلسانها
قبل أن تردف بمنتهى الجدية والحزم دون اي أثر للضعف من قرارها
" طلقني !"
رفع رأسه إليها ببطء بصدمة وكأنه يطلب منها ان تؤكد له ماسمعه للتو
" طلقني !" كررتها للمرة الثانية بنفس المشاعر
حاول عماد التماسك ، لكن صوتها القوي وملامح وجهها القاسية كسرت اي دفاعات كان يحاول بنائها
" هطلقك ياهالة بس مش دلوقتي ...عشانك ...فكري في سمعتك ...انتي عارفة الناس وكلامهم عنك . مافيش حد يطلق بعد ليلة واحدة . " قال بتعب
لم تهتز هالة ، بل ردت عليه بحدة بدون ان تفقد منطقها
" طلقني ياعماد ولو ما طلقتنيش هروح المحكمة واخلعك .
مافيش حاجة تخلي الواحد يضحي بكرامته عشان كلام الناس ! دي مش أنا ! ...مش أنا لي تضل بمكان مش مرحب بيها !"
ظل عماد صامتا للحظة . يتأمل وجهها القوي رغم الألم الذي استطاع قرائته من عينيها . شعر أن الامور تزداد تعقيدا لكنه لن يخاطر بجعلها عرضة لكلام الناس ولو كان ذلك قرارها
سألها بهدوء " طب واهلك ؟ "
كانت تلك هي الجملة التي أطاحت بما تبقى من قوتها .
اهلها ...كيف ستكون حالتها لو تكلم احد عن شرف عائلتها ...شرف والدها .
هي لن تستطيع العيش مرة أخرى لو حدث ذلك .
أردفت بغضب شديد بعد صراع طويل مع نفسها .سوف ترمي بكرامتها صوب ذلك الجدار . فسمعة عائلتها أهم عندها من اي شيئ آخر وهي مستعدة للتضحية بنفسها من اجل أن تحافظ عليها وان لاتكون سببا في تلويثها
" عام واحد ...عام وطلقني فاهم !"
" أهدي يا هالة هطلقك ...هطلقك ماتخافيش "
ألقت نظرة اخيرة صوبه ، نظرة تحمل الخيبة والالم . ثم اتجهت ناحية الفراش تجر قدميها تجلس على طرفه تستعيد قوتها التي خارت بينما ظل هو متسمرا في مكانه يراقبها .
قبل أن ترفع راسها تواجهه وابتسامة ساخرة شقت شفتيها " ماتخافش مش هيعط ومش هصرخ اكثر من كدة . مش عشانك ! عشان كلام بابا لي ماعداش عليه اربع وعشرين ساعة حتى يروح معا الهوا !
مش بابا لي كلتمه بلا قيمة !"
___
لم تنزل هالة لتناول الطعام بل ظلت حبيسة غرفة الفندق تفكر مع نفسها . تفكر في مستقبلها .
فبعد كل ما حدث، شعرت بمزيج معقد من المشاعر، وكأن عاصفة عاتية تجتاح قلبها. لم تكن تتوقع أن يتحول زفافها، الذي لطالما تمنت أن يكون بداية سعيدة، إلى هذا الكابوس البارد. كانت خيبة الأمل تغمرها، تملأ كل زاوية في قلبها، لكنها لم تسمح للدموع بالانهمار، لأنها لم تكن ممن يسمحون للحزن بأن يسيطر عليهم
في داخلها، كان الغضب لايزال مشتعلا . فلم تهن كرامتها يوما كما اهينت اليوم
حاولت تهدئة نفسها ...ورغم ان قرارها بالانفصال لاحقا كان صعبا الا انه القرار الصحيح. فمن المستحيل لها تقبل فكرة أن تستمر في علاقة ليس لها مستقبل حقيقي، علاقة بدأت تحت الإجبار لا برغبة صادقة. ومع ذلك، كانت هناك نقطة من الحزن الخفي، شيء أشبه بالحنين لفكرة السعادة التي حلمت بها ولم تتحقق.
انتهت من الاستعداد . ثم نزلت الى الأسفل حيث كان عماد ينتظرها . ركبت سيارته في صمت . المقعد الخلفي قبل أن تنطلق السيارة باتجاه بيت عائلة العيالي . عائلتها الجديدة .
بدا لها المنزل للوهلة شامخًا وسط حدائق خضراء واسعة، تحيط به أشجار النخيل التي تتمايل بنسيم هادئ. الواجهة ذات الطراز المعماري الفاخر مطلية بلون كريمي دافئ، وتتزين بأقواس جميلة تضفي عليه طابعًا كلاسيكيًا أنيقًا. النوافذ الكبيرة تعكس أشعة الشمس، وتكشف عن غرف واسعة ومضاءة بشكل طبيعي.
فور رؤيتها لاسم والدتها شعرت برغبة عارمة في البكاء ...مسحت الدموع التي سالت من عينيها سريعا قبل أن ترد . فهي لن تقلق عائلتها أيا كانت الظروف التي تعيشها.تحدثت معها لمدة لاباس وفي كل مرة كانت تسألها عن عماد وان كان يعاملها جيدا كانت تجيب باجوبة مختصرة محاولة ابعاد الشكوك عنها . فآخر ماتريده ان تكتشف امها بأنها غير سعيدة ...بائسة بسبب قرارها .
ولكنها ستتحمل مسؤوليته ، هي مجبرة على ذلك .
__
كان عماد قد عاد الى الغرفة منذ مدة ، اخد مكانه على الاريكة الصغيرة وظل جالسا يعبث بهاتفه محاولا نسيان وجودها . فقد كانت فكرة مشاركتها له الغرفة تؤرقه .
بينما هالة كانت قد صعدت الى أعلى السرير تستند على الوسادة تشاهد حلقة من مسلسل كانت قد وجدتها صدفة على شاشة التلفزيون بعد ان غيرت ملابسها الى أخرى بيتية مريحة عبارة عن سروال فضفاض بلون رمادي وقميص ابيض ناعم باكمام . وربطت شعرها بمشبك خلفي تاركة بعض الخصل تنسدل على وجهها الخالي من اي نقطة مكياج . مما اضفى عليها لمسة بسيطة وعفوية .
كان كل واحد من هما قد اخد طرفا لايتبادل كلمة مع الاخر .
لم تكن هالة قادرة على متابعة اي لقطة من الحلقة ، ورغم انها تعشق مشاهدة المسلسلات ودائما ماتتابعها بشغف . الا أنها وجدت نفسها لاتستطيع فعل ذلك في وجوده . رغم أنه كان هادئا جدا ولم يزعجها أبدا .
سألته من دون مقدمات " ليه وافقت على الجواز لو كنت مش عايزه؟ ثم تابعت عندما وجدته ينظر إليها بدهشة تحولت بعد ذلك الى اسى " ايه لي خلاك تقول انك مش قادر ارفض ؟"
" وايه رح تستفادي لما تعرفي دلوقتي ؟ ... مالاجابة مش هتغير حاجة " اجاب بتعب وهو يضع هاتفه جانبا بعد ان اغلقه
تضيق عيناها بتصميم " بس أنا محتاجة افهم حتى لو مش هيفرق ..."
صمت عماد للحظة ، ثم نطق ببطء وعيناه تحملان نظرة مستسلمة " في حاجات في الدنيا بتحصل غصب عننا ...بنلاقي نفسنا مضطرين نعيشها من غير مايكون لينا راي حتى "
لم تشح بعينيها عنه ، تفكر في كلامه
ثم قال بتأكيد " بس صدقيني ياهالة ...انا ندمان اوي اني ظلمتك معايا وماقدرتش أقول لا قصاد اهلي وابعدك عن كل الخلبطة دي "
شعرت هالة بالارتباك وهي تسمعه يدلي باعترافه الاخير .
الا أنها مع ذلك لن تضعف ...لن تضعف من جديد خاصة بعدما حدث ليلة أمس وماسمعته هذا الصباح.
أدارت وجهها بعيدا عنه بسرعة محاولة السيطرة على مشاعرها .تاركة إياه يخفض راسه بقلة حيلة لكنها مع ذلك لم تستطع منع نفسها من الشفقة عليه . تفكر في سبب أصرار عائلته على تزويجه رغما عنه .