نبضات عبر الزمن ( اول رواية مكتملة لي في حياتي) - الفصل الرابع : - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: نبضات عبر الزمن ( اول رواية مكتملة لي في حياتي)
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الرابع :

الفصل الرابع :

فكر بينه وبين نفسه تلك اللحظة ( لما هي صريحة جدا ؟) اربكه كلامها ولم يجد مايقول . حاول فتح فمه للحديث ولكنه لم يجد مايرد به سوى الاعتذار . هي لم تكن تريد منه الاعتذار ...كانت  تريد فقط ان يلاحظ جهودها ومشاعرها . اوصلها الى المنزل ورغم محاولات محمود الذي كان ينتظر امام بوابة المنزل وصول ابنته لابقائه لتناول وجبة العشاء. رفض عماد باصرار مع وعده بانه سيشاركهم الاكل في مرة قادمة . لاحظ محمود جمود ملامح ابنته فسألها " هالة مالك يابنتي؟" ردت هالة بينما تفتح الباب وكأن شيئا لم يكن " مافيش حاجة يابابا " ثم تقدمت الى الداخل وتابعت وهي تنحني كي تنزع حذائها " تعبانة شوية بس ..." محمود باقتناع وحنان ابوي" ادخلي ارتاحي لكان " _____ كانت الساعة التاسعة ليلا ... أنه الوقت الذي يمكن لعماد ان يسترخي فيه . فبعد تناول وجبة العشاء مع جميع أفراد عائلته والتي كانت تبدو له كسم مجبور على تذوقه في كل مرة . جلس على طرف سريره يعبث بهاتفه قبل أن يشرع في تذكر تفاصيل يومه والتي لطالما كانت تبدو باهتة بالنسبة اليه غير ان اليوم كان مختلفا بالنسبة اليه او بالاحرى اصبحت ايامه كلها مختلفة ...فيها نوع من المرح ...وذلك بفضلها . شقت ابتسامة خفيفة تقاسيم وجهه وهو يتذكر ملامحها وهي مرعوبة بسبب كائن لطيف مسالم . لكن تلك الابتسامة سرعان مااختفت وحل محلها عبوس . لقد تذكر نبرة صوتها وهي تؤنبه بيأس لانه لم يلاحظ ماارتدته ...فلقد ارتدت القلادة التي اختارها بنفسه كامتنان له . كما تذكر تقاسيم وجهها الخالية من اي تعبير عندما نزلت من سيارته وعندما تمنت له الوصول بأمان الى البيت . مرر يده عبر شعره في ضيق واطلق زفرة ثقيلة اخد قلبه يخبره بمراضاتها ...فهو يعلم ان هالة تستحق اهتمامه وتستحق محاولته لتصحيح الامور .لكن الخوف كان ينهش اعماقه .     خاصة وان ذلك كان قراره من البداية فهو يريد منها الابتعاد عنه لكنه لايملك الجراة الكافية لاخبارها بذلك . فماوجد غير تلك الحلول الصبيانية السخيفة. انه يرى من نفسه شخصا غير قادر على تلبية احتياجاتها . غير قادر على اسعادها فهو اصلا غير قادر على فعل ذلك لنفسه. فكيف يفعل ذلك لها ؟ وهالة ...تستحق اكثر من ذلك ...تستحق شخصا رائعا يليق بها فهي انسانة رائعة ايضا . لم يستطع ان يتمالك نفسه . ارتدى سترته الرياضية الزرقاء وسار خارج غرفته باتجاه غرفة شقيقته . فور دخوله جلس على الكرسي الذي وجده امامه بينما اعتدلت شيماء في جلستها " ايه الزيارة دي ياابيه ؟" قالت بفضول " مافيش ...جيت بس اطمن عليكي واشوفك عاملة ايه " هزت كتفيها بعدم اقتناع . لم يكن عماد ناجحا في بداية الحوارات و النقاشات ولكنه حاول مع أخته في تلك اللحظة الحديث معها حول المواضيع التي لطالما كانت تاتي اليه كي تثرثر عنها . فلطالما كان مستمعا جيدا لها وبئرا خزنت فيه العديد من الأسرار كونها تراه اهلا للثقة والأمان . صمت قليلا بعد بضعة احاديث قبل أن يسألها بينما كانت مشغولة بالنظر في هاتفها " عايز استشيرك في حاجة ياشيماء " اردف بهدوء رغم توتره اكتفت بالهمهمة دون أن ترفع راسها فقد كانت مشغولة بالرد على رسائل اصدقائها " لو مثلا ...على سبيل المثال انا جبتلك اسوارة او نقول سنسال في يوم ميلادك او حاجة زي كدة وبعدين انتي لبستيها في يوم من الايام وانا مانتبهتش انك لبستيها يبقى ردك عامل ازاي ؟ حتفكري ازاي عني؟" أننهى طرح سؤاله المشفر ثم اخد يترقب باهتمام كيف سيكون جوابها انعقد حاحباها في استياء وردت باستنكار " رح ازعل طبعا !" ثم تابعت بشهقة وقد استوعبت الامر " ماتقوليش عملت كدة مع هالة ؟!" قالت بصدمة عماد بصدمة " ايه هالة ؟! ...لا ..." ثم تابع بندم " أيوه " شيماء بعدم تصديق واستياء من تصرف شقيقها " هالة لبست القلادة لي أنت جبتهالها وانت ماقلتش حاجة . " " حاجة زي ايه ؟" " حاجة زي...وا شكلك زي الامر ، القلادة لبقتلك  او على القليل الحمد لله أنه عجبتك " " ماشوية اهتمام ياابيه !" قالت بانفعال " أكيد البت رح تكون زعلت ...عارف دلوقتي رح تفكر انك مش مهتم بيها ولافارقة معاك اصلا !" بدت حزينة على هالة لم يسعد عماد رغم ان مطلبه قد تحقق . فهو كان يريد طيلة الوقت ان يبدو بمظهر اللامهتم لعله بذلك يستطيع جعل هالة تلغي الخطبة . عاد الى غرفته بعد سماعه للعديد من المحاضرات التي القتها عليه شقيقته حول ضرورة احترام مشاعر المرأة . ليجلس على طرف سريره وهو يمسك بهاتفه يتأمله غائص في افكاره وصدى كلماتها وكلمات شيماء يتردد في ذهنه . مع شعور بالمسؤولية اخد يراوده نحوها . ___ كانت هالة واقفة امام نافذة غرفتها تراقب السماء في ضياع شاردة بين افكارها مع مرارة في قلبها لم تنفك تغادرها . لقد حطم عماد اللحظة التي كانت تنتظرها طيلة اليوم . فهو لم يلحظ عقده الذي ارتدته من أجله واخدت بسببه تبحث عن ملابس تلائمه بشكل مثالي طيلة الليلة الماضية . ومع ذلك كانت لاتزال ترتديه . لم تستطع خلعه ولاتظن انها قادرة حتى على خلعه . رن الهاتف فجأة . كان الرنين كفيلا بقطع سيل افكارها نظرت الى الشاشة وقد بدا الرقم غريبا بالنسبة لها . " الو ؟" " هالة ...انا عماد " " ماكنتش عارفة أنك مسجل رقمي عندك ...بس نعم تفضل ؟" اجابت بصوت لم تستطع اخفاء نبرتها الباردة به . " آسف اتصلت بوقت متأخر بس ..." انتظرت منه ان يتابع  " هالة !" بدا وكأنه يناديها تنفس عماد من الطرف الاخر بعمق قبل أن يقول دفعة واحدة بعد ان حاول استجماع شجاعته " هالة أنا آسف بجد ! السنسال! ...انا آسف بجد ...كان لازم علي الاحظ انك لبستي السنسال ! ماتزعليش مني لو سمحتي" لم تستطع هالة منع نفسها من الابتسام و شعرت بان قلبها قد لان رغما عنها . كانت تعلم ان عماد لايجيد التعبير عن نفسه .الا أن محاولته الان واتصاله بها للمرة الاولى منذ تعارفهما مع تلعثمه وصوته المليئ بالندم جعلها تشعر بشيئ من الرضا . بل وتتاكد ايضا أنه شخص طيب ولم تخطئ في تفكيرها عنه . كان ينتظر سماع صوتها ...ايعقل انها ماتزال غاضبة عليه ؟ وضعت هالة يدها على العقد المتدلي من رقبتها البيضاء الناعمة وكأنها قد استعادت الامل في ان ماهي مقررة عليه صحيح " مش زعلانة ..." قالت بهدوء " متاكدة ؟" رد بشك (لما يبدو كطفل صغير يحاول مراضاة والدته عندما يخطئ )فكرت هالة ضحكت " أيوه متاكدة " ثم تابعت بمزاح " تغيرت ياعماد ...فاكرة زمان يوم سحبتني من ورا حتى اتقلع ذراع شطنتي ماجيتش اعتذرت مني الا لما عدا اسبوع. بس دلوقتي ..." وابتسمت بحنين بينما صمت عماد " ماتعملش حالك مش فاكر... لانها بصراحة مش رح تجد عليا " قالت بجدية وكأنها تؤكد له انها قد كشفت ادعائه عماد " أيوه ..." ____ لم تدم محادثتهما طويلا إلا أنها كانت كفيلة باسعاد هالة التي ارتمت على السرير بعد ان اطفات نور الغرفة استعدادا للنوم بدا لها الامر وكان الماضي يعود من جديد لكن بطريقة مختلفة . كان ذلك قبل عشر سنوات عندما رن الجرس الاخير معلنا نهاية الدوام المدرسي .   خرجت هالة من الصف برفقة ثلاث من صديقتها ضاحكة مستمتعة باحاديثهن . وحقيبتها الجديدة تتارجح من خلفها . كانت بيضاء اللون مع بعض الرسوم الانيقة . لكن فجأة ووسط ضجيج الطلبة الخارجين من الفصول . وجدت يدا تسحبها من الخلف بقوة غير متوقعة . اختل توازنها وكانت على وشك الوقوع . حتى لاحظت تمزق حقيبتها . استدارت على الفور ناحية الخلف صائحة بعينين مشتعلتين من الغضب" مين لي عمل ده ؟!" لترى عماد واقفا خلفها ملامحه مضطربة وعيناه مرتبكتان " ليه ؟! مالشنطة جديدة ؟! ايه التصرف الطايش ده ؟! " " مش قصدي ..." بدأ يقول لكن كلماته كانت قد تلاشت تحت تأثير نظراتها هالة القاسية مما جعله يشعر بانقباض داخل صدره أراد الاعتذار ولكنه شعر بالعجز ايضا ومع تدافع الطلبة قامت احدى صديقاتها بسحبها بعيدا عنه دون أن يستطيع الاعتذار منها . ف نيته كانت مختلفة تماما عن ذلك وما حدث كان غير متوقع . في اليوم التالي تجنب عماد الاقتراب منها كليا . كان يراها من بعيد وهي تمشي في الممرات وقد بدت مصرة على عدم النظر نحوه . حتى مر الاسبوع عليهما وكل من هما في مكانه لايحدث الاخر كان عماد قد سئم من التردد وقرر أخيرا مواجهتها . اقترب منها عندما وجدها وحيدة في ساحة المدرسة " سلام ..." نظرت اليه مدهوشة فلم تكن تتوقع رؤيته امامها خاصة وانه لم يأتي للحديث معها ولامرة منذ تلك الحادثة . " سلام " نظرت اليه بترقب بينما نظر إليها هو الاخر يحاول معرفة اذا كان غضبها قد انطفأ ولكنه لم يرى امامه في تلك اللحظة سوى عينين طبيعيتين واسعتين جميلتين . " هالة عارف أنه متأخر بس أنا أسف بجد على لي جرى لشطنتك ومستعد اعوضك عنها " بدا لها جادا رغم أنه كان مرتبكا ابتسمت بخفة ورغم انها كانت ترغب في معاقبته لفترة اطول إلا أنها شعرت بالاسف عليه فاعتذاره بدا صادقا لها . __ كان ذلك قبل ايام من الزفاف ... حيث كان الجد بدر كبير الأسرة جالسا على كرسيه الفخم محاطا بهالة من الهيبة و السلطة .   الا أن الغضب كان يشتعل في عينيه كما لو كان بركانا على وشك الانفجار امتلأت قاعة الإجتماعات باصوات تذمره . نبرة صوته تتردد في كل زاوية  وكلماته الجارحة تتساقط كالسكاكين على وهاب الواقف بعيدا عنه تاركا مسافة امان وإلى جانب ولده عماد . " هو ليه انا مابشوفش تغيير خالص؟!" قال الجد بصوت ممتلئ بالغضب وخيبة الامل . " الاعمال راكدة من مدة ولاحد فكر فيكم يعمل حاجة ! مش قادرين تفهمو أنه انا مش عايز عرق جبيني وتعب عمري يروح على الفاضي والسبب أنه ...ابني وهاب وابنه مش قادرين ياخدوا القرارات الصحيحة !" امتد صوته الغاضب وهو يضرب براحة يده الخشنة على الكرسي مما جعل وهاب يحني رأسه بخجل بينما اغمض عماد عينيه بعد تلك الصرخة الاخيرة . ازداد التوتر في الجو عندما وجه الجد حديثه الى حفيده الذي فتح عينيه بسرعة ورفع رأسه بصعوبة فور سماع اسمه . " وانت ايه ياعماد ؟! " " هو امتى رح تقوم زي الرجالة بدل ماقاعد في الظل تتحرك بلا قوة ! ده انت عرسك ابوك وانا متكفلين بيه ! " صمت مثقل .. " بس اللوم مش عليك اللوم على ابني لي من زمان ماقدرش يعمل منك راجل صعب وقادر !" ترددت كلمات الجد في عقل عماد تثير في داخله شعورا بالغضب المكبوت بالعار . لطالما سمع جده يقلل من والده بسببه . يوم اعادته لسنته الدراسية لاول مرة . يوم عدم قدرته على تجاوزه امتحان الثانوية العامة بينما سافر ابن عمه الذي كان أصغر منه بسنة للدراسة بالخارج بعد حصوله على معدل مرتفع . وهذا المشهد قد تكرر امامه مرة أخرى . كان يتمنى لو كانت يملك القدرة على الوقوف في وجه جده يحمي كرامة والده التي مسحت بالارض بسببه . الا أنه عاجز كما جرت العادة ...تاركا تلك الخيبة تنمو بداخلها اكثر فاكثر . خرجا كليهما من الغرفة . ليجدا امامها امينة وشيماء واقفتين خارج الباب كان وجه امينة يعكس تعابير الغضب والاحباط فالظاهر انها تمكنت من الانصات لما قيل . سألت زوجها بقلق وهي تضع يدها على صدره " انت كويس ياوهاب ؟" سحبها من يدها الاخرى مبتعدا عن غرفة الإجتماعات التي كان بها والده وسار خلفهما كل من شيماء وعماد . " مش كويس أبدا ! ...ده سمعني كل حاجة !" قال بعصبية وهو يمسح على شعره بتوتر . بسرعة وجهت امينة انظارها الى ابنها الواقف قريبا منها وبلهجة حادة " هو ليه ماتساعدش ابوك ياعماد ؟! ...مش عارف اد ايه قاعد يتعب حتى يحافظ على احترامنا قدام جدك وانت قاعد كدة ؟!" كانت تلومه . فلم تجد امامها غير هذا الرجل الذي يقف ثابتا في مكانه يتنفس بعمق محاولا كتم الألم الذي سببته كلماتها . نظرت شيماء الواقفة في الزاوية الى والدها لعله يقول كلمة يهدئ بها زوجته يدافع بها عن شقيقها الذي يكون ابنه . لكنه ظل يتحرك ذهابا وايابا يفرغ غضبه بسبب عدم قدرته على قول شيئ قصاد والده بدر . غمرها شعور بالشفقة والقلق على شقيقها الاكبر وهي ترى ملامحه المتألمة دون أن تستطيع فعل اي شيئ فلايمكن لاحد ان يقول شيئا في هذا البيت أبدا . فكرت في مدى القسوة التي يتعرض لها منذ ان كان صغيرا . __ عاد عماد الى غرفته وهو يشعر بثقل كلمات والدته وجده . تسلل اليه شعور عميق بعدم الكفاءة . جلس على طرف سريره بينما كانت انظاره تتجه ناحية الجدار المقابل له ينظر بفراغ . كان يشعر أنه وزنه لايساوي شيئا في معادلة عائلته . مجرد قطعة شطرنج تحركها ارادة جده القوية . قطعة مجبورة على فعل الامثل و الوصول إلى التوقعات العالية والا اعتبر منبوذا و بلافائدة . قطع تيار افكاره المختلطة وصول إشعار في هاتفه . اشعله بروح منطفئة . كانت هذه رسالة من هالة تسأله عن اخباره وعن يومه . فقد اصبحت تراسله بشكل متقطع منذ اول واخر مرة أتصل بها . ورغم ان رسائلها كانت بسيطة ومتكررة الا أنها بالنسبة اليه كانت تحمل دفئا يخفف بعضا من توتر ايامه . ابتسم بمرارة ، وتسائل كيف ستكون حياتها بعد ان تصبح عروسا له وكنة في هذا البيت الذي يكاد يختنق من القيود و التوقعات . فكر في الخطة التي رسمها له والده وهاب .خطة تبدو مريبة ومؤلمة : ان يتزوج هذه الفتاة ، يرضي الجد ، يأخد مايستطيع اخده لنفسه ولعائلته ، ثم يطلقها بعد ان يعود كريم . حيث سيتحول انتباه الجد اليه فور عودته . فهو الحفيد المثالي العبقري بالنسبة له وبالنسبة للجميع . ويبدأ الضغط عليه هو لانجاب الحفيد . ورغم أنه كان لايريد الزواج فهو يرى نفسه غير قادر على ان يكون شريكا لاحد. غير قادر على ان يسعد اي احد . فلوسأله احد عن مايريده حقا لقال أنه يريد العيش وحيدا حرا بالطريقة التي يريدها هو . لايريد احدا معه يطلب منه شيئا او يتوقع منه اي اشيئ . الا أن هذه الفكرة بالنسبة إليه كانت الاسوء وقد ازدادت سوءا وفظاعة عند علم ان هذه العروس ستكون هالة . _____ تم اقامة الزفاف في قاعة فسيحة من اختيار السيدة امينة وهالة . زينت بازهار بيضاء وحمراء تضفي احساسا بالهدوء والرومانسية . كان المكان يعج بالحركة فقد توافد المدعوون بملابسهم الانيقة واشقاء هالة يذهبون روحة وجيئة بسعادة . بينما يلمع الضوء الناعم على اقمشة الديكور المختارة بعناية . وفي غرفة صغيرة كانت هالة جالسة بفستانها الابيض على اريكة صغيرة تستعد للخروج برفقة والدتها وشيماء . قبل أن تقبل والدتها ناحيتها بأعين تلتمع بالدموع ونبرة حانية وهي تضع على عنقها قلادة ذهبية برفق . قطعة عائلية قديمة تناقلتها نساء عائلة هالة تزينها زخارف ناعمة "  القلادة دي يابنتي كانت من ماما الله يرحمها جدتي لبستها ياها . ودلوقتي اجى الوقت لتكون ملكك انتي !" ثم تابعت وهي تنظر بجدية الى ابنتها " عايزاكي تعرفي يابنتي أنه الزواج رحلة طويلة حتعيشوها انتو الإثنين سوا  . فياهالة لازم تكون صبورة وحنونة ...كوني السند لجوزك واوعك تقللي من احترامه حتى لو زعلتي منه . واهم حاجة ...حافظي على نفسك وعلى احترامك . ومهما حسيتي انك ضعفتي اعرفي أنه بس احترامك لي رح يقويكي ! وافتكري دايما أنه مامتك جنبك ...طول مااحتجتيها رح تلاقيها حتى لو مش رح اكون عايشة معاكي بعدين . فاهمة ياهالة ؟فاهمة ياضنايا؟" كانت هالة تهز راسها مع كل كلمة تخرج من شفاه والدتها . متاثرة بكلامها ومشتاقة لها حتى وهي لم تبتعد عنها بعد . امتلأ وجهها بالدموع بدون ان تحس. خرجت شهقة خفيفة منها فور عناقها لوالدتها تلتها شهقات اخرى اكثر علوا . __ كانت شيماء قد انتهت من مساعدة هالة على تعديل مكياجها . وجاء الوقت الذي يرى فيه عماد عروسه المنتظرة . تقدم عماد الى داخل الغرفة ببذلته زفافه السوداء التي تناسقت تماما مع قوامه الطويل والممشوق . كان شعره البني مصففا بعناية وعيناه الداكنتان كانتا تعكسان مزيجا من الجدية والقلق . وجدها جالسة على الكرسي تنظر الى الأسفل بشرود . قبل أن تبتسم له بسعادة فور رؤيتها له . تجمد عماد مكانه شاعرا بان انفاسه قد سلبت منه . فقد كانت هالة تشع بجمال لم يتوقعه وابتسامتها كان إه بمثابة نور خلاب . وقفت هالة على الفور دون أن تنتظر منه الوصول إلى مساعدتها على النهوض . انساب فستانها الابيض المزين بتطريزات ناعمة على الارض . فحاولت امساكه من الاعلى كخطوة اولية . لم يكن وجهها مليئا بمستحضرات التجميل كما اعتادت بقية العرائس . مما جعل تبدو اكثر طبيعية واكثر راحة . لكن لايمكن انكار ان تلك اللمسات البسيطة استطاعت ان تضاعف جمالها . لم يستطع عماد فتح فمه للحديث فقط كان مشغولا بتأملها . بتأمل كتلة الجمال الطاغية ...غير مصدق ان  هذه الفتاة تكون عروسه . قالت هالة بينما كانت تنظر اليه بعينيها المتسعتين واللتين تشعان بريقا "ساكت كدة ليه ؟" " طب أقول ايه ؟" رد بتلقائية ممزوجة بالبلاهة ادعت التفكير قليلا وهي تدير عينيها قبل أن تجيبه بابتسامة أطاحت عقله وقلبه معا " رايك بشكلي مثلا ؟ او حاسس بايه دلوقتي ؟" كانت تنظر الى المرآة المعلقة على يمينها بتأكد . فهي لم تكن تتوقع منه ان يجيب عن اسئلتها " انتي ...مش متخيلة قد ايه شكلك جميل " قال بهدوء أدارت برأسها اليه على الفور تنظر اليه بدهشة  . بدت وكانها تستوعب ماقاله للتو فهو الذي طالما كان خجولا غير قادر على التعبير عن مشاعره منذ اول لقاء لهما يقول لها شيئا كهذا لتضحك بعد ذلك بخجل مردفة " بجد ؟!" وقد احمرت وجنتاها وارتفعت درجة حرارة جسدها . فكرت في أنه كيف يمكن لتلك الكلمات البسيطة ان يكون لها كل هذا التأثير عليها . وكأن شيئا دافئا يشع في اعماقها بسبب هذا الجانب اللطيف الذي قد لزيارتها من حين لآخر __ أقل ماكان يقال عن هذا الزفاف أنه رائع . أستمتع الجميع بالطعام والحديث . ثم ارتفعت اصوات الموسيقى . كانت موسيقى هادئة ورومانسية اقتضت مساعدة عماد لعروسه هالة للنزول من على كرسيها باتجاه منتصف القاعة أين سيتشاركان رقصتهما الاولى . امسك عماد يد هالة التي بدت له صغيرة جدا كيد طفلة بلطف .ثم اخد معها الخطوة الاولى . التي اخدتهما منهما شعورهما بالواقع . كما لو ان العالم كله قد اختفى ولم يبقى فيه سوى هو وهي . لاحظت هالة في عينيه ملامح الحيرة والقلق التي كان يحاول جاهدا اخفائها طيلة الوقت وان يظهر امامها بمظهر الهادئ . الا أنها لم تجد امامها حلا سوى الابتسام في وجهه وكانها تحاول طمأنته . فقد ظنت أنه توتر الزفاف . كان بدر جالسا على كرسيه بجانبه والده الذي يدعي التصفيق وقريباً منهما كان محمود المشغول بمراقبة ابنته بنظرات حنونة وقد بدا عليه التأثر الشديد . همس وهاب في اذن والده قائلا " ليكو ياحج عماد سمع كلامك وتجوز ..." بدا وكأنه يؤكد انه قادر على السيطرة على ابنه . اكتفى بدر بهز راسه قليلا وقد كانت ملامحه متجمدة وكان هذا اليوم ليس يوم زفاف حفيده . كانت عائلة عم عماد والد كريم قد وصلت لتوها بسبب مسافة الطريق . السيد توفيق وزوجته منيرة . وقد تمكنا من التعرف على هالة وعائلتها بترحاب كبير . جاء الوقت الذي يذهب فيه عماد مع هالة التي قد اصبحت زوجته بعد ان انقضاء اليوم الى احد الفنادق لقضاء ليلتهما الاولى كزوجين جديدين . كانت السماء قد اظلمت . والجو قد اصبح باردا . اقتربت بهجة من ابنتها تساعدها على ارتداء معطف كانت قد احضرته لها فوق فستان زفافها . كان عماد واقفا بجانب هالة عندما تعانقت مع والدتها التي لم تستطع تمالك نفسها وانفجرت باكية . تعانق وتكرر فلذة كبدها . قفز اشقائها الثلاثة الصغار يعانقونها جماعة فكان ذلك المنظر كفيلا بجعلها تضحك على طفوليتهم . جاء الوقت الذي اقترب فيه محمود . عانق عماد أولا بحرارة ثم قال بعد ان اخدت يده بين يديه ناظرا اليه بجدية "انا عارف أنه الزمان لي احنا فيه مش سهل والجواز مش دايما بيكون سهل . لكن لازم تعرف حاجة يابني هالة دي لصارتك دلوقتي مراتك على سنة الله ورسوله عليه افضل الصلاة السلام مش بس بنتي ، دي روحي لي اتنفس بيها .  فمتخليش شي في الدنيا دي يبعدها عنك وحافظ عليها زي لو كانت قلبك . ومهما كانت الظروف لازم تحط راحتها قبل كل حاجة !" عماد الذي كان يحاول ان يكون هادئا في هذا الموقف  شعر بثقل كلمات محمود . فابتسم بخجل وقال " أيوه ياعمي رح اعمل كل يلي بجهدي عشان احميها " الا أن خجله قد اختفى مع نهاية كلامه وبدا عليه الصدق الشديد . اومأ محمود براسه وقال بنبرة اكثر حزما " أنا مش عاوز منك حاجة غير تحترمها وتحافظ على كرامتها ولو فكرت في شيئ فكر دايما بسعادتها قبل كل حاجة . هي هالة مش رح تكلفك ومش رح تطلب منك الكثير بس هي مع ذلك تبقى تستاهل كل حاجة حلوة في الدنيا دي !" كان يعلم عماد في سره ان كل ماقاله محمود صحيح . فهالة انسانة جميلة وتستحق كل ماهو جميل . لكن شكه في ان يكون قادرا على توفير كل ماتحتاجه وان يكون سببا في سعادتها كان اكبر من كل شيئ خاصة وهو يتذكر ان سبب زواجه لها في المقام الاولى هو تحقيق رغبة جده والحفاظ على حق وسلامة اسرته. الا أن شيئا واحد هو متاكد منه . هو أنه سيحميها من نفسه التي قد غرقت في بئر مظلم منذ زمن طويل ومن عائلته ولو على حسب نفسه ومشاعره التي أصبح غير قادر على فهمها منذ ان عادت لحياته . لقد وعد نفسه بعد سماعه لتلك الوصايا ان يعيدها لاهلها سالمة في يوم ما ولن يكون ذلك اليوم ببعيد . فهي تستحق العيش بجوار اهلها الذين يحبونها ويقدرونها وليس بجوار رجل أقل مايقال عنه أنه بلااهمية لاسرته او للاخرين لايملك سببا واحدا يدفعه للاستمرار في العيش . شعرت هالة بمزيج من الفخر والأمتنان رغم ان قلبها كان يعتصر من القلق . فقد كان والدها دائما الحامي والمصدر الاول للامان بالنسبة لها . ولكنه اليوم يسلمها لعماد الرجل الذي احبته منذ ان كانت مراهقة واستمر حبها له لمدة عشر سنوات كاملة دون أن تراه او تسمع عن اخباره شيئا . كان شعورها بالقلق غير معلن رغم ان عينينا كانتا قد التمعتا بالدموع بالفعل . كما لو كانت تود لو يظل بجانبها أكثر . نظر إليها والدها هذه المرة بحنان وعينيه كانت تلمعان بسبب امتلائهما بالدموع . اخدها في حضنه على الفور واخدت يده تصعد على شعرها صعودا ونزولا برقة بالغة . ثم قال وهو لم يخرجها من حضنه كليا " اسمعيني ياحبيبة قلبي زي ماقلت لعماد رح أقوله ليكي الجواز مش بس ورقة وحفلة وخلصنا . الجواز مسؤولية ومسؤوليتك انتي تبقى في انك تحافظي على جوزك وعلى بيتك وده بيتحقق لما تحافظي على نفسك وعلى قلبك . عماد ده مش رح مجرد راجل هتعيشي معاه. ده يبقى شريكك وسندك وكل حاجة بحياتك وانتي بردو كوني له كل حاجة في حياته . وطبعا لو حسيتي باي حاجة ...انا هنا ! ولو الدنيا كلها وراكي اعرفي أنه بابا موجود ودايما واقف وراكي . والله يوفقك !" لم تستطع هالة تمالك نفسها رغم محاولاتها العديدة في عدم البكاء . وهي تعانق والدها بحرارة تشكره على كل مافعله لاجلها . تعانق والدتها واشقائها من جديد. قبل أن تودع الجميع وهي تركب سيارة عماد بعد ان ساعدها على الصعود .