الفصل الثالث:
الفصل3:
الفصل3:
تحدثتا فيما بينهما عن ايام الجامعة ومشاكل العمل ...آخر صيحات الالبسة والحقائب .
كانت شيماء تنتظر ابتعاد السيدة بهجة وقد كان لها ذلك ففور ابتعادها عنهما قفزت من مكانها لتقول بحماس "
مش عارفة اوصفلك فرحتي قد ايه لما عرفت انك قبلتي تتجوزي عماد ياهالة !"
ابتسمت هالة بلطف " شكرا ...انا بردو فرحانة بيكي اوي ياشيماء "
لحظة صمت خفيفة جاءت قبل أن تطرح هالة سؤالها وهي تتظاهر بالتركيز على فرز الأطباق في اماكنها كي لاتكشف نفسها وتفضح مشاعرها .
" شكله عماد قرر يخطبني عشوائي مش كدة ؟"
تلعثمت شيماء لحظتها وبكل ماحاولت اظهاره من صدق ردت " لا ! ليه ؟"
هالة بسخرية تخفي انزعاجها " ماهو قال أنه مش مذكرني ياشيماء . شكله الزمن غيرني اوي !" وضحكت بزيف
انعقدت حواجب شيماء و باستغراب قالت " ازاي؟ مااحنا اول ماقلنا اسمك عرفك ..."
استدارت هالة بجسدها كاملا مقابلة لشيماء المستغربة
بدهشة .
ترددت نبضة قوية في اعماقها فور تاكد احساسها . كماشعرت بسعادة دافئة تتسلل الى قلبها .
لكن سرعان مااختفت تلك السعادة وجاء محلها القلق .
لما يكذب عليها ويدعي أنه لايتذكرها ؟
ايعقل ان هذا التذكر مجرد صدفة بالنسبة اليه ولايعني له شيئا كما يعني لها .
عادت شيماء وخلفها هالة بوجه شارد تحت انظار عماد الذي كان يستمع الى السيد محمود .
ولكن قبل أن تجلسا اردفت السيدة بهجة بعد استرقت نظرة الى زوجها
" ايه رايكم تطلعوا تشوفوا الجنينة برة ؟ ...ها...هالة جوليهم في الجنينة "
قرأت شيماء الجو سريعا فقالت بحماس وهي تنظر لشقيقها تؤكد له " معاكي حق ياطنط ! عايزين نشوفها !"
اخدت هالة نظرة الأذن من والدها ثم سارت وخلفها سار عماد وشقيقته .
الى الحديقة ...التي كانت صغيرة الحجم ومع ذلك وبسبب حسن تنظيم السيدة بهجة للزهور التي انتشرت بجميع الوانها التي ترسم لوحة فنية بدت غرار ذلك .
كانت هالة تتجول ببطء مع عماد وشقيقته تراقب ادق التفاصيل لعلها تستطيع تشتيت عقلها قليلا .
بينما كانت شيماء لاتتوقف عن الحديث والضحك بشقاوة محاولة كسر ذلك الجمود برمي كلمات خفيفة وممازحات تداعب الأجواء ورغم تفاهتها كانت هالة تتفاعل معها بطريقة تثير للضحك او هكذا بدا على الأقل لعماد الذي لم ينبس بشيئ ،يبتسم فقط فور رؤيته لها تبتسم او تضحك .
لم تجد شيماء امامها حلا سوى الادعاء بالاتصال بوالدتها تاركة لهما بعض الوقت و المجال .
ولكن ذلك لم يفد بشيئ فقد ظلا صامتين قرابة الخمس دقائق .
قررت هالة قطع الصمت ...لماذا تكون دائما المبادرة عندما يكون هو في الصورة ؟
" شكله البيت عجبك ؟"
هنا نظر إليها بانتباه وهز راسه " أيوه بيت حضرتك حلو اوي "
رفعت هالة حاجبها وقالت بعصبية خفيفة " ايه حضرتك دي؟"
نظر إليها عماد ببلاهة فيبدو أنه لم يفهم سؤالها "نعم ؟"
هنا اعتدلت هالة في جلستها فقد اصبحت لاتطيق صبرا للحديث معه وفهم كل شيئ منه .
" عماد هو بجد شايف أنه دي الطريقة الصحيحة لتتكلم بيها معايا ؟" قالت باستياء
" هو انا قلت حاجة غلط في حقك ؟" بدا عليه التوتر والتردد
" مادي المشكلة انت ماقلتش حاجة ..." زفرت باحباط
يبدو أنه فهم أخيرا ماتقصده .انها تتحدث عن هدوئه وقلة كلامه
" آسف ...شخصيتي كدة ..."
لما هو آسف بشأن هذا ؟ هي لامانع لها بذلك . لامانع لها ان يضل صامتا وان لايجد شيئا للحديث .هي ستجد موضوعا لهما ....انها تريد فقط ان يقول أنه يتذكرها عندما تساله . ان يتذكر ولو القليل من اللحظات التي جمعت بينهما
ردت بثقة " وانا عارفة ده !
"
نظر إليها بسرعة وكأنه يحاول توقع ماستقوله في اللحظة التالية
" شكلك الوحيد لي مش عارف " اردفت بغضب مكبوت
لم يقل شيئ هذه المرة ايضا.
أوحى لها شكله بانه خال من اي أثر للماضي وهذا كان بمثابة طعنة باردة تجمدت في قلبها . لم تستطع منع نفسها من الشعور بالاستياء . رفعت راسها قليلا محاولة اخفاء المها خلف قناع القوة لكنها لم تستطع ان تمنع خروج صوتها بشكل مرتعش وهي تقول بينما تنهض من مكانها مبتعدة عنه قليلا
" معقول لهالدرجة ذاكرتك ضعيفة لدرجة انك تنسى انسان عرفته في يوم وتعامله على اساس غريب "
ثم التفتت بعيدا تنظر الى الحديقة الممتدة امامها محاولة تهدئة عاصفة مشاعرها لكنها لم تستطع التخلص من ذلك الاحساس الذي يؤكد لها بانها لاتعني له شيئا ولم تكن تعني له اي شيئ من الأساس . وماكانت تراه بينهما كقدر ضاع الان.
____
مرت ايام على ذلك اليوم المؤلم بالنسبة لها .
بينما ظل عماد يتوقع قدوم والدته تؤنبه لالغاء هالة للخطبة لكن ذلك لم يحدث . بل ماادهشه كانت تجهيزات والدته ليوم الذهاب والباس هالة خاتمها.
كانت جالسة في حديقة المنزل تمسك بورقة وقلم تدون ماتفكر بشرائه كهدايا لها وهي ترى المقترحات عبر شاشة الايباد الخاصة بها .
بدت مشغولة حتى أنها لم تلحظ قدوم عماد وتسليمه عليها .
" اا عماد ! الله جابك ! ..." لكنها قطعت ذلك فور رؤيتها لشيماء تسير ناحيتهما " شيماء تعالي !"
" نعم ياماما ؟ " اردفت شيماء بتساؤل
" انصحيني ...في كتير اقتراحات ومش عارفة اختار من بينها لهالة ماانا مش عارفة ذوقها . شوفيلي انتي يابنتي "
هزت شيماء كتفيها بجهل " انا بردو زيك مش بعرف هي بتحب ايه وبتكره ايه " ثم جلست بجانب والدتها تنظر للاقتراحات بانبهار " دي جميلة اوي ياماما جيبيها "
ضربتها والدتها بخفة بالقلم على مقدمة راسها " دي جميلة بالنسبالك مش بالنسبة للبت !"
هنا طلبت شيماء من شقيقها ان يختار معهم " ماتشوف انت ياابيه "
عماد بهدوء وجهل " مش عارف "
كانت والدته تتفحص العديد من الفساتين وهي تحرك باصبعها شاشة الايباد
شيماء " اي رايك بده ؟" استقرت عينها على فستان طويل باكمام منتفخة قليلا بلون زهري مزين ببعض الاحجار المشعة " شوفي الالوان ..."
" الاسود " قال عماد دون أن يرفع راسه عن شاشة الايباد
امينة بدهشة " الاسود ؟! ...في حد يجيب الاسود ياعماد كهدية ؟!"
صمت عماد فتدخلت شيماء على الفور قائلة بمزاح " وليه لا ياماما ؟! دي بعدين رح تبقى مراته وحقه يجيبلها لي هو عايزه "
هزت امينة كتفيها بموافقة رغم انها لم تقتنع
" طب قلي اجيب علبة شوكولاطة ولاكعك ؟ ايه برايك؟" نظرت لولدها
شيماء بمقاطعة مرة أخرى عند رؤيتها لملامح شقيقه المتغيرة وكأنه يعاني صراعا ما
" ماتخلي ابيه يتكفل بده ياماما واحنا نشوف نلبس ايه يوم نلبسوا الخواتم !"
ابتسمت امينة بدهشة " والله معاكي حق ..." ثم ناولت القلم و الورقة الى عماد بعجلة " ماتشوف عروستك محتاجة ايه وجيب ياعماد! "
ظل عماد طيلة اليوم حبيس الغرفة يفكر فيما سيشتريه لها .
ليقوم في اليوم التالي بأخد سيارته من المرأب و الخروج بها في انحاء المدينة .
اخد ينظر الى المحلات التجارية من خلف الزجاج الامامي وكأنها عوالم غريبة . تنهد بعمق يحاول استجماع افكاره فقد كان اختيار هدايا لهالة ليس بالفعل البسيط .خطا في المتجر الاول والذي كان عبارة عن متجر مجوهرات .
وماان رأى ذلك القدر الكبير منها قلائد واسوار وخواتم .تبادرت الى ذهنه سؤال ماذا ستحب هالة من بينها ؟
بدا السؤال ابعد مما يمكن أن يكون بالنسبة له . فمعرفته بهالة محدودة جدا مبنية على بعض الذكريات القديمة وبعض الحكايات التي سمع بها عن نجاحها من اخته .
في لحظة ما انتبه الى وجود قلادة بسيطة وخفيفة تشع بجمالها الرقيق والغير متكلف . بدت للوهلة الاولى وكانها مرآة لهالة نفسها بملامحها الرزينة وروحها الشفافة .
لكن سرعان ماتساءل مرة أخرى وهو يتخيل وجهها عندما تراها . فكر انها ستعتقد انها مبتذلة او قد لاتناسب ذوقها فربما تكون من النوع الذي يحب الاشياء البراقة والفخمة .
مر عليه اليوم وهو من متجر الى آخر .
كانت الساعة الخامسة مساءا وهو لم ياكل شيئا بعد .
قرر النزول امام متجر لشراء قارورة ماء يسد بها جوعه ريثما يصل الى البيت . فاليوم يوجد عشاء عائلي !
دخل والتقط زجاجة الماء من الرف ليقع بصره على زاوية صغيرة ممتلئة بسناكات شوكولاتة متنوعة مغلفة بألوان زاهية . رؤيتها كانت بمثابة ومضة جعلته يعود بالزمن للوراء قليلا .
حيث كانا جالسا داخل الفصل في مقعده يضع الكتاب امامه ويحادث احد زملائه . لكنه تشتت فورا عند رؤيته لتلك التي قد عادت للفصل رفقة زميلاتها لتخرج من حقيبتها شوكولاتة ذات غلاف بنفسجي فاقع .
ابتسم تلقائيا بخفة وهو يراها تفتحه ثم تأخد قضمة كبيرة وهي تبتسم و تتحدث بحماس وكأن هذه الشكولاتة تجلب لها سعادة خاصة.
ليلاحظ لاحقا انها دوما ماتتناول الشكولاتة سواء كانت بنفسجية اللون او شوكولاتات من انواع مختلفة ولكن تبقى الاولى الاحب الى قلبها على مابدى له .
سأل فورا البائع بعد ان بحث عنها داخل متجره فلم يجدها .
" والله مش عارف يافندم . الشكولاتة تصنيعها قديم ومابظنش أنه بقت تتصنع أساسا "
_____
كانت هالة قد عادت الى عملها منذ اليوم الذي قدم فيها عماد وشقيقته لزيارتهم . اخدت عيناها الواسعتين تبحثان بجدية عن مريض آخر يحتاج لعنايتها .
وقد تجاهلت امر التفكير بالامور الشخصية التي ارقتها في كل يوم تعود فيه الى البيت . ولكن مع ذلك فقد كانت تحرص على دائما على منح مرضاها الأولوية القصوى ولاوقت للتعب او الاستياء .
____
في الليلة التي سبقت الخطبة الرسمية .
كانت هالة جالسة تراقب السماء المظلمة من نافذة غرفتها ورغم برودة الجو إلا أنها تركتها مفتوحة . فهي دائما ماتجد من تلك البرودة مايهدئها .
كانت تعلم ان هذه ليست مجرد مسألة عاطفية فالزواج مسؤولية كبيرة تتطلب منها التزاما عميقا وتغييرا لمسار حياتها بأكمله .لم تستطع منع شعورها بأن عماد قد تغير عن ماكان عليه قبل زمن فهو الان يحمل بعض الغموض .شيئا لم تستطع فهمه بعض .
احاطت نفسها بذراعيها وكأن كانت تحاول حماية نفسها من خيبة أمل محتملة . فلطالما كانت قوية ومستقلة بارائها وأفكارها تفعل ماتريده وماتراه صحيحا. وهي مستعدة روحيا لان تكون في حياته . ان تكون سندا له وسببا في سعادته . لكنها في نفس الوقت مرتبكة تخشى ان تكون جزءا من عالمه الذي لم تكن قادرة بعد على فهمه . تمنت في تلك اللحظة ولاول مرة وجود شخص تطلب منه النصيحة . شخص يعلم بالقصة بينهما من البداية لعله يزيح عنها عبئ التفكير فيها
ولكن للأسف لم يكن يوجد احد كهذا في حياتها الان .
فمنذ ذهابها الى الثانوية كانت قد اصبحت وحيدة كليا بعد ان قطعت جميع الاتصالات مع الفتيات اللواتي كن صديقاتها في يوم لاسباب مختلفة . في تلك اللحظة . دخلت عليها والدتها بعد ان دقت على الباب برفق .
أغلقت هالة النافذة واقتربت من والدتها التي كانت قد جلست على طرف السرير ثم جلست بجوارها تنظر إليها باهتمام . بدت والدتها جادة جدا في تلك اللحظة لكن ذلك لم يكن قادرا على اخفاء نبرة الحنان الممزوجة بالقلق
سألتها والدتها " كنتي بتفكري ؟"
هزت هالة رأسها دون كلام .
" طب انتي متاكدة من بكره؟ "
شردت هالة قليلا في بساط الارضية الابيض بينما تعبث به بقدمها
فتابعت والدتها وهي تضع يدها الدافئة على خدها مما جعلها ترفع رأسها اليها وتبتسم باندهاش
" بصي ياهالة ! صحيح أنه انا وباباكي قلنا أنه الواد كويس ومن عيلة محترمة ويعجبنا . بس ده مش معناه أنه غصب عليكي توافقي عليه .
فبنهاية ده قرارك ..." ثم اردفت بابتسامة كأي ام تتمنى "بس والله يابنتي متمنية أنه نشوفك عروس ببيتك ونطمن عليكي "
" عارفة ياماما ..." بدت مترددة ...
كانت في تلك اللحظة تواقة للحديث عن مشاعرها .
لم تكن تريد التهور فهذا مستقبلها . ولكنها في نفس الوقت تريد اتباع مشاعرها اي كانت النتيجة .
فمامن شيئ واحد تمنته في حياتها بقدر ان يكون عماد جزءا من حياتها مرة أخرى .
" انا عماد عاجبني ياماما !" قالت دفعة واحدة
ثم نظرت بتردد الى والدتها فوجدتها تبتسم باتساع
" ما كويس يابنتي ايه المشكلة ؟"
هالة باستغراب " ماتصدمتيش ليه ؟!"
هنا ضحكت والدتها قليلا " و اتصدم ليه ؟ ...هو انتي ماشفتيش شكلك كان عامل ازاي وقت كان معانا على الغذاء "
تسارعات دقات قلبها وتوردت وجنتاها " نعم ؟!!"
ثم سالتها بتشكك " ازاي ؟"
" بسمتك لي منورة وشك الحلو ده لما يتكلم او يكلموه .
برقة عيونك دي لما تسمعي اسمه او تشوفيه .
ازاي مش رح الاحظ كل ده في بنتي لي جبتها للدنيا ؟!"
عضت هالة على شفتيها بارتباك .
كانت تعلم ان نظراتها تلك فضيحة بالنسبة لها . ولكن كيف لها ان تخفي ما تشعر به ؟ ان تخفي ذلك الحب الذي اخد يتسلل شيئا فشيئا منذ عودة عماد للظهور في حياتها . فعماد يجعلها تشعر بشيئ غير مفهوم لم يتغير مع مرور الزمن .
_____
كانت منزل عائلة هالة ينبض بالحياة في يوم الخطبة . الزينة الانيقة والمصابيح المعلقة التي اضافت دفئا للمكان .فيما امتلأت الصالة بالمحادثات المتداخلة بين الاسرتين مع بعض من الضحكات الخفيفة بين السيدات .
حضرت عائلة عماد بأناقة لاجل اليوم المنتظر باستناء الجد بدر الذي لم يتمكن من المجيئ .
كان عماد يقف بجانب والده وهاب ببذلة كلاسيكية داكنة اللون اما هالة فقد بدت كزهرة رقيقة في ثوبها المحتشم الزهري الذي اظهر بريق عينيها الواسعتين . ورغم التوتر الممزوج بالفرح اللذان كانت تعيشهما في اعماقها إلا أنها بدت راكزة جدا فلطالما كانت ماهرة في كبت مشاعرها .
ومع ذلك لم تستطع منع نفسها من إلقاء نظرات خاطفة الى عماد تراقب تصرفاته وتبتسم بخفية عن الاعين التي شعرت انها قد اصبحت تحاصرها .
حين جاء وقت ارتداء الخواتم ساد المكان صمت مشوب بالترقب . وبينما وقفت شيماء خلف شقيقها تراقبه وهو يمسك بالخاتم ويديه بالكاد تستطيعان اخفاء ارتباكه من ماهو مقدم عليه فهو يسحبها الان الى عالمه الذي لايريد ادخالها اليه . وضع الخاتم في اصبعها الرقيق فتلامست اصابعهما بلطف مما جعله يجفل . وبينما ظلت هالة متماسكة حين وصل الدور إليها وهي تدخل الان الخاتم في اصبعه مع قلبها الذي ينبض .
فجأة ومع تلك النظرة المشتركة التي جعلت كلا اعينهما تتلاقى شعرت كما لو ان المكان حولهما وقد إختفى وكانهما وحدهما في لحظة قد جمعت بين الماضي والحاضر الان . ماان انتهى الامر وابتعدت عنه قليلا .
حتى انفجر المكان بالتهاني والتصفيق مع الزغاريد التي اطلقتها بهجة بحماس وتهليل .
محمود " الله يتمم على خير ان شاء الله " قال وهو يعانق وهاب ثم عماد
لحظات وكانت امينة الان تقدم الهدايا التي احضرتها الى هالة لوالدتها . و كلاهما كانتا سعيدتان بهذا اليوم .
جلست شيماء تثرثر مع هالة بعد ان تبادلت معها ارقام الهاتف وحساباتها الشخصية .
كانت هالة تتوقع في كل لحظة ان يتقدم عماد للحديث معها ولو قليلا لكنها قد خابت فهو لم يتحرك من مقعده في وسط الرجال .
تاففت بسخط قبل تنظر الى الجانب الاخر بعيدا عنه وهي تعقد ذراعيها الى صدرها . ليظهر ذلك الخاتم المشع الذي قد اصبح باصبعها الان .
_____
بعد انقضاء الخطبة وجدت هالة نفسها في غرفة المعيشة بحالتها المبعثرة فقد كانت تربط شعرها بأهمال تتامل الهدايا التي جاءتها اليوم من عائلة العيالي وإلى جانبها اخوتها الصغار الذين اخدوا في التحمس في كل مرة تفتح بها هدية ما .
جلست والدتها بجوارها تنظر الى الصناديق والحقائب .
قبل أن تلمح صندوق مجوهرات صغير ففتحته" شوفي دي ياهالة !"
" ها ! " استدارت براسها بعيدا عن ماكان يلعب بها شقيقها لتنظر الى والدتها وهي تريها صندوقا يحتوي على قلادة أقل مايقال انها ابهرتها .
" حلوة مش كدة ؟" قالت وهي تخرجها تسأل والدتها ثم تابعت " ناعمة اوي "
هزت بهجة راسها باتفاق " الظاهر أنه عيلة العيالي بتمجد المعنوي اكثر من الماديات "
" زيي " اردفت هالة بينما تعيد تلك القلادة لعلبتها . ثم قالت بعدم تصديق " رح ورجيكي شغلة ياماما " وهنا ارتها ذلك فستان اسود فخم. ثم ضحكت " بصي !"
" اسود ؟!" سألت بهجة باندهاش
" ماتوقعتش يجيبو فستان اسود . بالعادة الالوان الفاتحة تكون المناسبة !"
لكن هالة كانت سعيدة جدا .التقطت الفستان بيديها وعينيها تلمعان بمزيج من الامتنان والفرح
" دا لوني المفضل ياماما ! "
هنا ردت بهجة بسخرية " ماكل خزانتك سودة قومي ضيفي دي ليها "
اكتفت هالة بالضحك .
" هالة ماتشوفي اخوكي بياكل ايه !" قالت بهجة مشيرة بعينيها الى ابنها الصغير الذي جالسا على الارض ياكل قطعة من الحلوى وبين ساقيه سلة مليئة.
نزلت هالة على ركبتيها قبل أن تطلق شهقة عالية جعلت الطفل يجفل مكانه بينما صرخت والدتها هي الأخرى بقلق " في ايه؟!"
قفزت هالة من مكانها وهي تحمل علبة شوكولاتة بلون بنفسجي . اعتادت على تناولها منذ كانت صغيرة .
ولكن مع مرور السنين توقفت عن شرائها بسبب انقطاع بيعها في المتاجر
" كل ده عشان شوكولاتة ؟" قالت بهجة بعدم تصديق
" دي الشوكولاتة خاصة ..."اردفت بحنين وهي تحتضن تلك السلة برفق وكأنها تمسك ذكرى غالية قد عادت لتضيئ حياتها من جديد
لتقرر فتحها سريعا واخد قضمة كبيرة منها تتاكد ان كان طعمها قد تغير .
صحيح أنه قد تغير فقد اصبحت أقل حلاوة إلا أنها ماتزال لذيذة .قالت بهجة بابتسامة وهي ترى وجه ابنتها الذي يشع فرحا " ماتنسيش تتصلي بشيماء وامها تشكريهم ياهالة !"
هتفت هالة بتاكيد" طبعا ! هتصل بيها حالا !" ثم سارت مبتعدة وهي تحتضن تلك السلة قبل توقفها والدتها باستنكار " رايحة فين وهداياكي مرمية كدة !"
ردت هالة بعجلة وهي تهز السلة " ماخلاص اخدت دي والباقي رتبيه انتي ياماما لو سمحتي !" وركضت ناحية غرفتها دافعة الباب بظهرها حتى انغلق .
وضعت السلة على السرير . واقتربت من المكتب حيث كان هاتفها يشحن . نزعت الشاحن ثم جلست على الارض تستند على السرير .
تضغط على اسم شيماء منتظرة ردها . وقد جاءها فورا .
" شيماء ازيك ؟"
" كويسة وانتي؟ عارفة كنت رح أتصل بيكي بردو !"
" بجد؟ ...هي طنط امينة معاكي ؟ ماانا اتصلت عشان اشكركم على الهدايا... عجبتني اوي اوي!"
" الحمد لله ..."
" أيوه حبيت كل حاجة من هم وطلعت بتناسب ذوقي بطريقة رهيبة . "
" ابيه لي اختارهم !" اردفت شيماء بهدوء
لم تعلم شيماء ان الكلمات التي تفوهت بها ببساطة كانت بمثابة صدمة لصدر هالة .شعرت بشيئ ثقيل يهبط على قلبها وبالفراشات تعبث بمعدتها وكانها استلمت مفاجأة كانت تجهلها طوال الوقت .امتلأ راسها فورا بالتساؤلات ومع كل كلمة عادت تخرجها كان يقبع بداخلها فرح يتزايد
" عماد جابهم ؟" سألت من جديد وكانها تريد التأكد من تلك الحقيقة الغير متوقعة .
وكأن شيماء شعرت بحيرة هالة فردت " أيوه الفستان والقلادة ده حتى المكياج طلبهم بنفسه !"
امسكت هالة الهاتف بقوة ولسانها لم يستطع التعبير عن المفاجأة التي كانت تجتاحها .
" هالة ماما عايزة تتكلم معاكي "
هنا اخدت هالة نفسا تستعيد به ثباتها وتماسكها " أكيد اعطيني إياها "
____
عندما أغلقت هالة الهاتف ووضعته جانبا بعد مكالمتها مع امينة وابنتها .شعرت بشيئ غريب يعصف بقلبها وحيرة شديدة مع قدر كبير من السعادة لايوصف.
تتذكر كلمات شيماء بان عماد اختار لها كل شيئ بنفسه .
بذوقه الخاص او ذوقه الذي حاول جعله شبيها بذوقها . لكن كيف يعرف هو ذوقها أساسا ؟
كانت تسأل نفسها هكذا مرارا وتكرارا .
توقف الزمن بها قليلا وهي تعود للوراء .تتذكر كيف كان عماد لايهتم بالاشياء من حوله كثيرا .لكن اليوم بدا لها كل شيئ مختلف بدءا من القلادة الى الفستان بلونها المحبب نهاية الى تلك الشوكولاتة التي كانت ستدفع أيا كان ثمنها لتناولها من جديد.
هل تذكر حقا انها تحب أكلها ؟
ربما هو الاخر يتذكر تلك التفاصيل الصغيرة مثلها . كان ذلك بمثابة شعاع أمل لها . اغمضت عينيها استعدادا للنوم وبرفقتها ذلك الاحساس بالحنين والامل.
شيى بداخلها لم تعد قادرة على السيطرة عليه اكثر وفكرة واحدة تتردد في ذهنها
(انا أحبه وسأكون بجانبه )
__
بقرار من الجد وبتفاهم الاسرتين تم تقريب موعد الزفاف. فماكان من هالة الا أن تباشر استعداداتها بعد
قررت اخد اجازة من العمل .بدت مشغولة بشكل مستمر بالتحضيرات من اختيار التفاصيل الصغيرة كالزهور و الأطباق ..الى فستان الزفاف في وجود كل من والدتها وامينة التي لم تبخل عليها باي شيئ .كان كل شيئ يسير كما يجب والوقت يمضي بسرعة .
لكن في كل مرة تلتقي بعماد كانت تشعر بانه لايزال هناك شيئ غير مفهوم بالنسبة لها .صحيح أنه هادئ ...وصحيح أنه يكتفي بالجلوس على الاطراف يتجنب الحديث عن تفاصيل الزفاف او يرد باجابات قليلة .الا أنه بدا لها غير متحمس بل يبدو وكأنه يضغط على نفسه فقط ليكون معها او ليظهر اهتمامه .
غير عالمة أنه كان يفعل ذلك فقط لابعادها عنه .
كانت تلك طريقته الوحيدة لفعل ذلك او بالاحرى لاراحة ضميره الذي كان يؤنبه لاجلها
تركته في احد الايام خلفها بعد ان انتهت من التسوق تسير باتجاه سيارته المركونة في نهاية الشارع .
وقدكانت مشغولة بالتفكير. تحاول أن تفهم سبب تلك التصرفات الغريبة .قبل أن تطلق صرخة فزع عند اقترابها من باب السيارة الامامية .كان ذلك بسبب ملاحظتها لقط مستلقي أسفل السيارة يغلق عينيه بكسل وكأنه نائم . والعجيب أنه لم يتحرك هربا رغم رؤيته لها .
تراجعت بسرعة خطوة الى الوراء ثم توقفت تبحث عن طريقة لابعاده .اقترب منها عماد فورا بعد ان سمع صرختها سائلا إياها بقلق
" فيكي ايه ؟!"
هنا ردت عليه هالة باصبع متحرك تشير الى أسفل السيارة متجنبة النظر
" في قط تحت !!" بدا صوتها مرتجف
انحنى عماد قليلا بقامته ورأسه قليلا قبل أن تضرب هالة على ظهره بدون قصد مرددة بقلق " ماتبصش ليه كدة رح يجي !"
و بالفعل نفذ ماطلبته منه .
ابتسم بحنان وهو يراها تتظاهر بالنظر بعيدا كي لاتنظر الى ذلك القط فهو لم يتوقع ان تخاف من القطط .
فلطالما بدت له فتاة صلبة هادئة . و رؤيتها بهذا الشكل الان يثير الضحك
" بتخافي من القطط ؟"
ردت باشمئزاز وقد انعقد حاجباها وتجعد أنفها " أيوه مابستحمله...هاااش " عادت لصراخ من جديد والهروب مبتعدة عندما رات ذلك القط على وشك الخروج .
هنا لم يستطع عماد تمالك نفسه وانفجر ضاحكا .
ضاحكا بهدوء كما كان يضحك قبل عشر سنوات
صفنت هالة في ضحكته لثوان ...وقد زالت كل تشككاتها التي كانت تؤرقها منذ قليل برؤية هذا الجانب .
جانب منه ليس غريبا عنها .
توقف عن الضحك وهو يقول بلطف " تعالي القط مشى !"
هالة بشك " متاكد ؟"
ضحك بخفة مرة أخرى " أيوه متاكد ...تعالي!" رد بينما اخد يمد يده لها .
كانت لاتزال مترددة لكن عندما راته يمد لها يده سارت ناحيته غريزيا .
ساعدها على الركوب ثم ركب وهو يكبت ضحكته عندما اخدت نظراته تتبع افعالها . فقد كانت تنظر لارجاء السيارة واسفل قدميها وقدميه بحذر تتاكد من اختفاء القط كما لو كان قد ركب معهم في السيارة .
لترفع راسها بعد ذلك تنظر اليه فوجدته هو الاخر ينظر اليها قبل أن يسحب اعينه سريعا ناحية مرآة السيارة .
ابتسمت لخجله وإذ بالسيارة تنطلق . لكن ذلك الاحساس الذي شعرت به قبل لحظات لم يختفي شعور بالأمان الذي لم تكن تدري انها بحاجة اليه حتى في موقف عابر.
" أيوه ياعمي ؟" قال عماد
جاءها صوت والدها
" هي هالة معاك ياعماد ؟"
" أيوه ياعمي . ماانا جايبها للبيت ماتقلقش حضرتك ."
" شكرا يابني ماانا اتصلت عليها وماردتش فقلت هي راحت فين "
هنا تحدثت هالة " انا هنا يابابا . ثيليفوني شكلي نسيته صامت ."
" هالة؟! ...تمام ...طب ماعطلكش ياعماد . " ثم قال بتحذير محبب" متتاخروش ياولاد !"
ضحكت هالة فور انتهاء المكالمة وتمتمت " الله على غيرتك يابابا ..."
اسندت براسها قليلا تنظر عبر نافذة السيارة قبل أن تزيد من فتحها .
استدارت اليه متسائلة " لو فتحتها اكثر هتبرد ؟"
" لا ! براحتك "
كان الهواء باردا يداعب خصلات شعرها المسترخي خلف ظهرها بترتيب. ولكن مع ذلك بدا الامر لها اكثر من ممتع خاصة وهي تشاهد مختلف المتاجر و المناظر بينما كان عماد يمر عليها بسيارته .
عندما لاحظت انهما على وشك الوصول إلى منزلها .
اعتدلت في جلستها محاولة اخراج صوتها الذي يبدو أنه قد اختفى بسبب البرد .التفتت اليه فجأة .
ظن انها على وشك الحديث فنظر إليها بترقب .
هالة وهي تعبث بحقيبتها الصغيرة التي كانت في احضانها.
" نسيت اشكرك على الهدايا ...انا عرفت من شيماء أنه انت يلي اخترتهم " قالت ذلك بدفئ وانتظرت مترقبة رده
" لا ...ولايهمك ...بس آسف الهدايا كانت بسيطة اوي مش كدة " لم يكن عماد معتادا على تلقي الشكر بش