نبضات عبر الزمن ( اول رواية مكتملة لي في حياتي) - الفصل الاول - بقلم mayah | روايتك

اسم الرواية: نبضات عبر الزمن ( اول رواية مكتملة لي في حياتي)
المؤلف / الكاتب: mayah
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الاول

الفصل الاول

كانت أروقة المستشفى تعج بالحركة اصوات خطوات الاقدام السريعة تملأ المكان واجهزة طبية تصدر اصواتا متقطعة . هالة بزيها الابيض الناصع كانت تتحرك برشاقة واحترافية هنا وهناك بين المرضى تسأل عن احوالهم وتطمئن عليهم . ابتسمت لتهدئ مخاوفهم وأخدت تتفحص الاجهزة لتتاكد من ان كل شيئ على مايرام . أرجعت بعض من خصلات شعرها الداكن خلف أذنها حيث كانت ترفعه بشكل ذيل حصان للاعلى بحركة آلية . كانت داخل احدى الغرف الصغيرة تتفقد نبضات قلب رجل طاعن في السن قبل أن تنظر الى ساعة يدها . لم يتبقى سوى بضع دقائق على استراحتها القصيرة التي لطالما تحمست لها . بعد ان انهت تأكدها سارت ناحية غرفة الإستراحة في نهاية الرواق . لكنها لم تتوقع أن لحظة استراحتها القصيرة ستكون فيضانا لوابل المشاعر التي كانت تخزنها منذ سنين الى الان   وماان فتحت الباب ودخلت حيث كان يوجد بعض من الممرضين والممرضات يستريحون وبعضهم ياكل حتى لمحت وجها مألوفا وجه لم تره منذ سنوات . " هالة؟!" نادت إمراة وقد بدت الدهشة والفرح يتراقصان في نبرة صوتها . وقفت هالة في مكانها تنظر بذهول قبل أن تبتسم ابتسامة واسعة تسارع إليها تعانقها وتلقي عليها التحية . كانت صديقتها ايام المدرسة الاعدادية متجسدة امامها وكأن الزمن لم يفرق بينهما . بوجهها الممتلأ ذي الملامح الهادئة والجذابة . وقامتها القصيرة الممتلئة التي يغطيها حجاب بلون بني فضفاض وتغطي شعرها بشال بنفس اللون . أخدتا جانبا بعيدا كي تتحدثا وكل منهما كانت متحمسة أكثر من الأخرى " ازيك ياهالة ؟! دي مدة طويلة ! واحشاني اوي !" " انتي بردو واحشاني اوي اوي ! انا كويسة وانتي عاملة ايه ؟ اخبارك كويسة؟" " الحمد لله انا كويسة وكلي تمام زي الفل " ثم القت بنظرتها الى مئزر هالة تتفحصها قبل أن تردف بدهشة " انتي شغالة هنا ياهالة ؟ ماكنتش عارفة ..." ابتسمت هالة وهي تنظر الى الارجاء امامها " أيوه بشتغل هنا . ماانا ممرضة ! " هزت المرأة رأسها باعجاب . هالة بتساؤل " خير ياهديل ؟ ماتكوني تعبانة او حاجة ..." " لا ياحبيبتي مش تعبانة ولاحاجة ! بس كنت مع اختي هي بردو متدربة هنا وعمال احاكيها نادوها وطلعت . مانتي عارفة كويس اجواء المشافي عاملة ازاي ..." " أيوه عارفاها كويس !" امسكت هديل بيدي هالة بحميمية وقد بدا اللطف الممزوج بالاشتياق في عينيها " دي مدة طويلة ياهالة ! ...فاكرة ايام زمان ...ايام المدرسة لما كنا بنقعد مع بعض كنا سوا على طول !" هزت هالة رأسها بتأثر " أيوه بتذكر كل حاجة " تابعت هديل بحماس للذكريات " فاكرة لما كنا نتنافس على المراتب وفاكرة يوم كنا نتجمع مع بنات صفنا نمم على الفصول الثانية ...فاكرة لما سرقت الشكولاتة لي شتريتيها لينا واخدت الف بيها الساحة لحد مااخدتها مني الأبلة !" كانت هالة تضحك مع كل ذكرى تتذكرها " بس اخبارهم انقطعت كليا " قالت هديل بفضول " أيوه ...للصراحة ماعنديش تواصل مع ولا حدا " " انا كمان ! اا ...اا كريم ! بتذكريه ؟!" نظرت إليها هذه المرة هالة بانتباه " كريم يلي بالفصل المجاور لينا ! العبقري ! ابن عمه كان معانا بالفصل الاخير آخر سنة اعدادي ...مش ذاكرة اسمه ..." هالة بهدوء" عماد " ضربت هديل ساقها براحة يدها بخفة متذكرة " أيوه عماد !" " ماكريم راح لكندا يكمل دراسته الجامعية !" شهقت هالة بذهول " واو ! ماشاء الله !" هديل باعجاب " مالواد كان الأول على طول .مسيرته الدراسية حافلة وناجحة عشان كدة دي متوقعة منه !" اكتفت هالة بهز راسها قبل أن تردف ممازحة لصديقتها رغم مشاعرها التي عادت تتكون " ماانتي كنت معجبة بيه ولاناسية !" ضحكت هديل قبل أن تقول " مش انا بس كل البنات معانا وقعوا لحضرته ...او بالاحرى مش كلهم " ثم نظرت الى هالة بنظرة ذات مغزى " انتي استثناء ياهالة !" ضحكت هالة بخفة وادعت الجهل " ليه ؟" " ايه ليه دي؟! ماانتي كنت مقضياها مع عماد طول الوقت . " " كنا رفقة ياهديل " قالت هالة بجدية " عارفة بس هو مش من النوع لي كان يحكي مع البنات او حتى يعرف يحكي معاهم . كان خجول اوي وبيتوتر على طول " قالت هديل باستغراب ابتسمت هالة بحنان للذكريات وشرعت في الرد وكان صورة عماد التي مر عليها 10 سنوات امامها في تلك اللحظة " عارفة وده لي عجبني فيه بصراحة ! أنه معاي كان يضحك ويهرج ! " " ياا ...ايام زمان ..." قالت بحنين للماضي لمدة الربع ساعة التالية وبينما كانت هديل تسترسل حديثها عن كريم . شعرت هالة بانفاسها تتبطأ وغصة تشكلت في حلقها وكأنها تسبح في ذكريات بعيدة . حيث عادت ذاكرتها الى الخلف قرابة العشر سنوات الى آخر سنة في الاعدادية حيث انتقل الى فصلها طالب جديد ورغم أنه كان معيدا عكسا منها هي الطالبة النجيبة التي تسابقت على المراكز الاولى . الا أن ذلك الصبي كان خجولا هادئا بنظراته السريعة والمحرجة وقد تمكن من خطف قلبها الصغير المراهق . فكم كانت تتمنى التقاء اعينهما معا وتتمنى نشوء حديث بينهما ولو كان عابرا ! وبعد مغادرة هديل وعودة هالة الى البيت وحتى عندما وضعت رأسها على الوسادة للنوم بعد يوم متعب مليئ بالاشغال تسللت ابتسامة صغيرة الى شفتيها وهي تتذكر لحظات بسيطة ولكن لاتنسى جمعت بينهما اول لقاء بينهما عندما ارادت تغيير المقاعد معه ومع زميله للجلوس خلف صديقتيها . نظراته المترددة وكيف كان يبتعد عن المجموعات الصاخبة حتى استقر في المجموعة التي هي فيها ونشأت بينهما صداقة نقية ولكنها لم تدم طويل بسبب انتقالهما الى المدرسة الثانوية وافتراقهما .شجارها معه ذات مرة وغيرها من اللحظات التي تمنت لو باستطاعتها العودة بالزمن لتعيشها من جديد ومع استمرار تفكيرها به تساءلت بداخلها كيف يمكن لذكرى شخص لم تره لمدة طويلة ان تثير كل هذه المشاعر التي غطتها بكثل ثلجية متراصة فوق بعض لاخفائها ؟ سألت نفسها ثانية .هل ظل عماد كما هو ؟ خجولا وهادئا ام تغيرت شخصيته مع مرور تلك السنوات ؟ ___ كانت الساعة الثانية مساءا كان جميع الأفراد جالسين في غرفة المعيشة بصمت يحيطون بالسيد " بدر " وهو رجل في السبعينات من العمر طويل القامة ورغم كبر سنه الا أن قامته كانت معتدلة تماما .من عينيه تنعكس سنوات من الخبرة و السلطة . يجلس في كرسيه المهيب في آقصى الغرفة . وأمامه يجلس ابنه " وهاب " الابن الثاني لهذه العائلة يظهر عليه التوتر وهو يحدق في والده ينتظر منه الكلام . ورغم التوتر الذي كان يشعر به الا أنه حاول ان يبدو متماسكا . اخدت  انظار أفراد الأسرة تنتقل فيما بينهم  الا أن الجميع يعلم ان الحديث سيبدأ بفم الجد وعادة ماكان حديثه يحمل القرارات الحاسمة والصادمة . بدا الجد الحديث عن اعمال الأسرة وعن التطورات التي شملتها .اذ ان الأسرة تدير سلسلة من المتاجر لبيع المواد الغذائية وكانت اعمالهم ناجحة في السنوات الفائتة وحتى الان . الا أن موضوع اليوم كان يخص الحفيد الاكبر للاسرة عن غيره من الأفراد . " اجه الوقت يلي لازم عيلتنا تكبر ...مش كدة ياوهاب ؟" صوته الذي خرج من حنجرته مثل صرخة قائد في وسط معركة . وسؤاله المحدد و الغير متوقع لابنه جعل ذلك الاخير يرفع راسه وينظر اليه بتساؤل ممزوج بالقلق " بتقصد ايه يا حج ؟" " عماد كبر ولازم يتجوز ! صار الوقت لي لازم يقوم ويقف ويساعدنا في الأعمال ." رد وهاب بابتسامة صغيرة مستغربة " ماهو بيساعدنا أساسا ياحج ! عم يشتغل وعنده متجره الخاص حتى !" الجد بدر بصرامة " بس دلوقتي لازم يكون عيلته الخاصة ويكبر عيلتنا بردو . " ثم نظر اليه وكأنه متشكك " ولا انت شايف حاجة ثانية ياوهاب ؟" " لا مش كدة يا حج ..." كان على وشك المتابعة لكنه توقف . ابتلع وهاب ريقه . عيونه انتقلت بين ولده الجالس في مكانه لم يتحرك قيد انملة يضغط على اصابعه ثم الجميع . كانت أسنانه تصر ولكن كل كلمة من كلمات الجد كانت  كالصوط على ظهره ولكن للأسف لايمكنه فعل اي شئ. . هنا استغنى بدر عن الحديث مع ابنه وتوجه الان الى زوجته التي كانت هي الأخرى متوترة وبالها مشغول بمصير ولدها " المهمة عندك ياامينة " نظرت اليه امينة بصدمة وانتظرت منه المتابعة وقد تابع بالفعل وقال " مهمتك تشوفي بنت محترمة متخلقة من عيلة كويسة تكون لايقة بمقام مرات ابنك " القت امينة نظرة على زوجها فوجدته يحثها على القبول فاردفت بنبرة هادئة " أكيد ياحج " هنا رفع عماد رأسه عن اصابعه ونظر الى والديه بصدمة . لقد رضخا بالفعل ...ثم نظر الى جده بصدمة فهو لم يساله حتى عن رايه ولو كان لاينفذه . لحظات وغادر الجد . تاركا الجميع خلفه ينظرون لاثاره قبل أن ينهض وهاب من مقعده يعبث بشعره باضطراب " لااله الا الله ! ايه لي جاب فكرة الجواز في باله ؟!" انتفض عماد من مقعده ناحية والده يسأله باستنكار " انت بجد موافق يابابا ؟!" نظر وهاب الى ابنه بقلة حيلة فكلمات ابنه قد زادت من ثقل العبئ الذي يحمله وقال " وعايز مني اعمل ايه ياعماد ؟ فاكر أنه جدك رح يسمعلي! ده بحياته ماسمع حد !" وارتفعت نبرة صوته فصرخت به زوجته تزجره " ماتهدا ياوهاب لو سمعك! " رفع وهاب راسه عاليا يهدأ من ثورة غضبه قبل أن يرمي بنفسه على المقعد من جديد أمينة بتساؤل " يعني بجد إروح اشوف عروسة لعماد ؟" نظر عماد بعدم تصديق لوالدته التي هي بالفعل غير مهتمة به ألقى وهاب نظرة لولده الذي اصبحت حياته ومستقبله متعلقة بكلمة جده . كما كان هو قبل سنوات طويلة . " أيوه ..." في المساء ... كانت السيدة امينة جالسة داخل غرفة ابنتها الصغرى شيماء والتي كانت أصغر من عماد بسنتين. تبحثان فيما بينهما عن عروسة مناسبة لعماد وقد تحول الامر بالنسبة إليهما لتسلية. تذكران مفاتن البعض ومساوئ الاخريات . هنا دخل عماد بملابس نومه الرمادية الى غرفة أخته وفوجئ بوالدته هناك تتوسط الفراش . " عماد الله جابك ! " قالت والدته ببهجة نظر عماد إليها بتساؤل وهو يتقدم ناحيتها ليراها اذا كانت قد أحتاجت لشيئ ما " من الصبح وانا بدور عن بنت مناسبة ...للصراحة في كتير بنات حلوات بس مش عارفة اختار واحدة .ايه رايك تساعدني !" " أيوه ياابيه تعال !" هتفت شيماء بحماس عماد بيأس " أمي انا مش عايز اتجوز ." زفرت والدته " خلاص ياعماد ! ..." ومحاولة منها لاقناعه وابهاجه سألته مرة اخرى"طب ايه رايك بمها ؟" هنا نفخ عماد بنبرة عالية جعلت شيماء تنتفض من مكانها وتنظر اليه بقلق تاركة الهاتف على السرير " ما ياامي!!" " عايزني اعمل ايه ياعماد بالله عليك ؟!!" قامت أمينة من على السرير تنزل فستانها ليغطي ساقيها لتقف قبالته " ماجدك قال وخلص ! وبعدين انت رافض الفكرة ليه ؟ دراسة وخلصت بسرعة . شغل وابوك شغلك .  عندك حاجة ثانية تسويها غير الجواز؟! " ثم قالت بنبرة جعلت داخله يهتز آمرة إياه"  جدك قال تجوز يبقى تتجوز ! انت مجبور تعمل ده مش عشانك عشان ابوك وعشانا انا واختك ... ولا ناوي جدك يحقد عليك وندفع احنا كل حاجة  !"  نظرت اليه بتوسل " مستخسر في عيلتك ياعماد ؟ " ثم وضعت يديها على كتفيه تنظر اليه بنظرات متوسلة مستعطفة تركز عينيها بعينيه الباهتتين " ماتقبل يابني وتريحنا انا وابوك ... احنا عايزين نطمن عليكم ...انت واختك  "  كان من الواضح انها تقصد حقهم في الميراث الذي يمكن أن يحرم عليهم لو رفض عماد الانصياع لاوامر وطلبات جده. ___ بعد مرور ايام قليلة ... ذهبت عائلة عماد المكونة من والديه وشقيقته فقط لخطبة فتاة من المعارف باقتراح من امينة . الا الأسرة عادت بخيبة امل عندما قوبل طلبهم بالرفض . تلك الليلة لم تتمكن امينة من النوم ولم تدع ابنتها كذلك . فقد كانت مصرة على ايجاد العروس ...ليس لاجل الجد ...بل لها ...انها تريد كنة تفخر بها ....تريد التباهي بزواج ابنها ! وبينما كانت امينة تتحدث مع شيماء حول ضرورة العثور على فتاة مناسبة لعماد باسرع وقت . برزت في ذهن شيماء ذات الوجه الطفولي الجميل ذكرى قديمة عن فتاة عرفتها ايام المدرسة والجامعة . وبابتسامة مشوبة بالحيرة اقترحتها على والدتها . كانت تلك هالة ! سألت امينة ابنتها بتشكك " البنت كويسة ؟ جميلة ؟ محترمة ؟" هزت شيماء رأسها بثقة " أيوه ياماما البنت بنت معروفة باخلاقها واحترامها . ومن ناحية الجمال هي جميلة . " ثم تابعت باعجاب " دي كانت من الاوائل ايام المدرسة وحتى بالجامعة ياماما !" ابتسمت امينة بدهشة " بجد ؟" " أيوه ياماما !" " اذا انتي واثقة فيها فماعلي غير أقول بسم الله " " ابصملك لو عاوزة ! " ضحكت امينة على حماقة ابنتها قبل أن تسألها بفضول وهي تنظر في هاتفها الى احدث تصاميم الغرف " وانتي عرفتيها منين يابنتي ؟!" ردت شيماء بتلقائية " ماانا قلتلك ياماما درست معايا بنفس المدرسة ..." " اا ! البت بعمرك !" " لاياماما دي اكبر مني بسنة ...  بس درست مع ابيه ...فاكرة لما عاد آخر سنة بالاعدادي وبابا غيرله الفصل ؟" " أيوه ..." " هي كانت بالفصل ده!" ثم تابعت عندما رات الاندهاش على والدتها " وشوية شوية تعرفت عليها مش كرفقة بس بنسأل على بعض ونتحدث لما نلتقي وبعدين اكتشفت انها بنفس الجامعة بتخصص تمريض  " " ممرضة ؟!" قالت امينة بدهشة كبيرة " ايوه ممرضة !...بس مش فاكرة المشفى يلي بتشتغل فيه بصراحة لكن بظن أنه رح يكون مشفى محترم !" اكتفت امينة بهز راسها وهي تزن صفات  العروس المرشحة ___ كان الخبر قد وصل لمسامع هالة بان رجلا ماسيتقدم لها فور عودتها من العمل فقد كانت والدتها تنتظرها على آحر من الجمر لاعلامها . " دول ناس وعالم ياهالة بلاهة تكسفينا زي كل مرة !" قالت والدتها السيدة بهجة وهي تسير خلفها باتجاه غرفتها  وبيدها ملعقة التحريك الخشبية توقفت هالة بعد ان فتحت الباب على الخط الفاصل بين غرفتها والخارج تنظر الى والدتها بثبات رغم التوتر العاصف بها " قولوا من البداية أنه مافيش بنات للجواز وهيك مايتعصبوا هما ومانتكسف نحنا !" شهقت والدتها وهي تضرب يدها الى صدرها " نعم ياختي؟! ياخربيتك يابت من امتى نرفض الناس قبل مايوصلوا البيت ؟!" ثم تابعت بمسايرة لاقناع ابنتها " ياهالة ياحبيبتي ! رافضة ليه ؟ ماتشوفي العريس بالاول واتعرفي عليه وبعدين ارفضي ؟ ليه رافضة دايما العالم قبل ماتتعرفي عليهم ؟ يمكن يعجبك المرة دي ويكون في نصيب !" ردت هالة باصرار وهي تضغط على كل كلمة تؤكد بها راسها " مافيش نصيب ولاحاجة ! ياماما انا مش عايزة اتجوز دلوقتي ولابعدين . عايزة افضل زي ماانا هيك سعيدة ومرتاحة !" السيدة بهجة بصدمة " عايزة تعنسي ياهالة ؟!" ثم تابعت بغضب وهي على وشك ان تجن " هي انتي مالك ؟ بعقلك او عقلك مشى وسابك من يوم ماتخرجتي ؟! ده البنات منتظرين يتجوزوا على آحر من الجمر وحضرتك رافضة وعايزة تضلي لحالك " هالة بتلقائية " مش حضل لحالي . حضل معاكي ومع بابا " هنا صرخت بهجة  في وجهها باسمها بطريقة ارعبتها وجعلتها تعود للخلف خطوتين كادت بسببها ان تقع " ماتعيطيش ياماما! " قالت هالة وهي تحاول استعادة ثباتها " لكان اعقلي ...كنتي زمان تقولي عندي دراسة وقلت البت معاها حق احنا التعليم عنا قبل الجواز . وبعدين قلتي أشتغل قلنا طبعا احنا بزمن المرأة لازم تكون مستقلة ومعتمدة على نفسها ...وبعدين ..." ونظرت إليها بنظرات نارية جعلتها تنظر الى الارجاء بتوتر " اسمعي ياهالة ! " اردفت والدتها بجدية هذه المرة " رح تقعدي تقابلي العالم زي كل بت محترمة متعلمة تتعرفي على الواد ولو هو كويس ومحترم ومافيهش ولاعيب يبقى نقول الله يبارك فاهمة !" هالة بعناد " مافيش راجل ماعندوش عيب !" نظرت إليها بهجة نظرة اخيرة بغيظ قبل أن تعود للخلف ناحية المطبخ تاركة خلفها هالة التي لن تعذب رأسها باي افكار ولن تقلق نفسها حتى فهي دائما تفعل ماتريده . ____ كانت جالسة على طاولة التجميل تضع القليل من مساحيق التجميل تحت انظار والدتها المصممة والتي جعلتها تنهض باكرا وتستعد لهذا اليوم . تمتمت هالة بطريقة بائسة مشتكية " مش لو كنت رحت شغلي احسن " تجاهلتها والدتها بل وفرضت عليها الاوامر من جديد " ماتعجلي ياهالة ! ...عدلي الروج شوية شوفي اذا لونتي سنانك بردو " ردت هالة بتافف " حاضر ..." هنا تقدم والد هالة وهو رجل أقل مايقال عنه أنه وسيم رغم ذلك الشيب الظاهر في مقدمة رأسه يعدل من ملابسه ناحية الغرفة فقد كان بابها مفتوحا على مصرعيه " يابهجة ..." نادى زوجته التي استدارت اليه فورا " نعم يامحمود ؟ ...جهزت؟ خلصت ؟" "أيوه وانتوا ؟" ثم نظر بفضول لابنته التي استدارت اليه تنظر اليه برجاء . لاحظتها والدتها فورا فقالت بجدية " أيوه خلصنا ! الجماعة امتى جايين بالضبط ؟ " " قرابة النص ساعة ان شاء الله يكونوا وصلوا ... ماانتي عارفة زحمة السير يوم السبت بتكون ازاي " هزت بهجة رأسها بتأكيد ثم نظرت الى ابنتها من جديد تلقي عليها عدة اوامر قبل أن يسالها زوجها باستغراب " هما الاولاد فين ؟' توقفت بهجة عن الكلام مع ابنتها وردت على زوجها بدهشة " بعتتهم عندك اختك يامحمود مش عايزة فوضى في يوم زي ده وانت عارف اولادك جدا بيكونوا عاملين مثل القردة لما يزورنا حد " تمالك محمود ضحكته عند رؤيته لوجه ابنته المستاء والتي لم تتوقف عن النظر اليه برجاء . هنا قالت بهجة لابنتها بدهشة " مالك ؟  هتبكي قبل الفرح ولاايه ؟" " انتي عارفة مالي كويس ياماما " ردت هالة زفرت بهجة بقيلة حيلة مما جعل محمود يتسائل " خير ان شاء الله ؟" بهجة بسخرية من افكار ابنتها " مابنتك يااستاذ محمود رافضة العريس قبل ماتشوفه وعايزانا نمشي الناس !" محمود بدهشة " ليه؟" هنا قفزت هالة من على الكرسي فسقط ثوبها الطويل ذي اللون الازرق الفاتح المصنوع من قماش ناعم يتناغم مع حركتها بدقة. كان القماش بسيطا لكنه مزينا من الجوانب الاساسية الخصر والكتفين مما اضفى لمسة من الانوثة الراقية عليها . بينما شعرها الاسود ورغم طوله الذي لم يتجاوز كتفيها انسدل بنعومة مع بعض التموجات الخفيفة  التي حاولت قدر الامكان جعله طبيعيا . مجموعة من الاكسسوارات البيضاء التي اخدت تلمع مع الضوء لتزيد من طلتها جمالا . وقفت امامه تحاول اقناعه " يابابا انا مش عايزة !" " ليه ؟" سالها بدهشة هزت كتفيها " كدة " " اسمعيني ياهالة الناس واصلة قريبا فبلاهة تخربيها زي كل مرة !" اردفت بهجة بحزم قبل أن تغادر الغرفة تاركة المجال لزوجها في اقناع ابنتهما فلطالما كان بارعا في ذلك . كان وجه هالة مستاءا وحاجباها معقودان " اسمعيني ياهالة " قال محمود لابنته بعد ان اجلسها على السرير وجلس هو بجانبها بهدوء " انا مش رح اجبرك على حاجة والرأي يبقى رأيك طبعا فبالنهاية انتي لي رح تتجوزي مش نحنا . بس يابنتي عايز اطلب منك طلب ..." هنا نظرت اليه هالة باهتمام " لو سمحتي تعرفي على الواد الاول وبعدين قرري . ده انا سألت عنه وهو فعلا طلع ابن ناس معروفين باخلاقهم ونجاحهم بعملهم " لم ترفض هالة ...لكنها لم ترد ايضا ...فهي لاتريد ان تكسر بخاطر والدها . مدة قصيرة ووصل الخطابة الى بيت هالة التي اجبرتها والدتها على البقاء في المطبخ حتى تاتي إليها وتناديها . لم تكن مهتمة بهذا الامر أبدا فماكان يشغل تفكيرها في تلك اللحظة كيف ستتصرف لتجعل العريس واهله يرفضونها هم هذه المرة وليست هي من ترفضهم . اخدت تدور في ارجاء المطبخ تفتح ابواب الخزانات واحد تلو الاخر وكأنها تتعرف على مطبخهم لاول مرة . حتى جاءت إليها والدتها وقد بدا عليها الحماس و التوتر . نظرت باستغراب إليها لكنها تجاهلت طرح السؤال عليها وقالت " تعالي دلوقتي الناس برا عايزين يشوفوكي !" حملت هالة ببرود ولامبالاة الصينية التي كان بداخلها فناجين القهوة . ولكن قبل خروجها اوقفتها والدتها تتاكد من مظهرها وفي ذات الوقت اخدت تسرد لها وتقدم لها معلومات عن القادمين " الناس من شكلهم باينين محترمين وكويسين فعلا ...حتى ابنهم باين محترم واخلاقه عالية ...بس عارفة ياهالة انا طلعت بعرفها لوالدته !" ابتسمت هالة بسخرية ... فهي الان مضطرة لجعل والدتها في موقف محرج فعلا مع معارفها " صاحبتك ؟" سالتها بفضول " مش اوي بس معارف . فاكرة المتجر بلي كنت اجيب منه مستلزمات كيكة ميلادك وميلاد اخوكي ؟" هزت راسها باستغراب " ده طلع بنتاع جوزها وهي كانت بتشتغل فيه مرات . مين قال أنه ابن صاحب متجر " العيالي " يجي يطلبني في بنتي ..." العيالي!! ثانية واحدة .... سالتها هالة بتمهل " العيالي ؟" " أيوه  ! " "هالة يلا الناس ناطرة ..." " لحظة ياماما ...العريس اسمه ايه بالضبط ؟" " العريس؟ ...عماد بعتقد ....عماد العيالي ليه ؟" مالذي يجري الان ؟ اي نوع من القدر هذا ؟ عندما علمت هالة ان العريس المتقدم هو عماد . عماد نفسه الشاب الذي درس معها ايام الاعدادية . الشاب نفسه الذي احبته قبل عشر سنوات والذي كتمت حبه في اعماقها لما بعد ذلك . شعرت بمزيج من المفاجأة والارتباك مما جعلها تقف لوهلة في مكانها بلا حراك كأن الزمن توقف بها للحظات لتجد نفسها تعود الى تلك الذكريات البعيدة تتقافز امام عينيها مشاهد من ايام الدراسة . لقائهما الاول والنظرات الخجولة . اللحظات القصيرة التي جمعتها به الابتسامة الخجولة التي كانت تضيئ وجهه كلما تقابلا صدفة . افاقت من احلام يقظتها على صوت والدتها فسارت خلفها بثبات رغم تلك الرعشة التي اصابت كامل جسدها محاولة اظهار الهدوء رغم تلك العاصفة التي نشبت داخلها على امل استيعاب فكرة عودة عماد من ماضيها وظهوره الان في حاضرها