الفصل 4
---
🌑 الفصل الرابع: دماء على الميراث
منذ تلك الجلسة، لم يعد البيت بيتًا… بل صار مثل غرفة مغلقة على كتمان طويل بدأت رائحته الخانقة تنتشر في كل زاوية.
لم يعد أحد يأكل مع أحد. لم يعد صوت ضحكة يمرّ في الممرات. حتى الدرجات التي كانت ليان تصعدها بخفة، أصبحت تصدر صدى ثقيلًا، كأنها تصعد فوق الذاكرة نفسها.
رائف اختفى يومين دون أن يخبر أحدًا.
كانت ليان تشعر بالقلق نحوه رغم كل الغضب الذي يحمله. فالقلب — مهما كان المجروح — يبقى يعرف طريقه نحو الإخوة.
في الليلة الثالثة، عاد رائف.
دخل البيت متعب العينين، أشعث الشعر، يحمل في يده ظرفًا بنيًّا كبيرًا. كان صامتًا على غير عادته. لا صراخ… لا دموع… فقط صمت يشبه ما قبل العاصفة.
وقف أمام سامر ووضع الظرف على الطاولة:
— "هذه الحقيقة التي أخفاها أبي… كلها."
اقتربت ليان ببطء وجلست، بينما سامر فتح الظرف بيد مرتجفة. كانت أوراقًا، رسائل بخط الأم، وتقارير طبية، وصورة لها وهي أضعف مما تخيلت ليان في أسوأ كوابيسها.
همس سامر وكأنه يختنق:
— "كان المرض ينهشها وحدها… كانت تخفيه حتى لا ننهار… وحتى لا ينهار أبي."
ارتجفت يد ليان وأمسكت إحدى الرسائل.
كان مكتوبًا فيها:
> “سامحوني لأنني سأرحل قبل أن أكبر معكم.
سامحني يا رائف لأني لم أستطع فهم غضبك.
سامر… كن السند.
ليان صغيرتي… لا تحملي الجرح في قلبك، احمليه في دعائك لي.”
لم تتمالك ليان نفسها، فسقطت الرسالة من يدها ووضعت رأسها على الطاولة تبكي بجسدٍ كاملٍ يرتجف.
لم تكن تبكي أمّها فقط… كانت تبكي نفسها، طفولتها، وحدتها، السنوات التي ظنت فيها أن أمّها تخلّت، بينما الحقيقة أنها كانت تُحتَضَر بصمت.
نظر رائف إلى سامر بعينين دامعتين وقال:
— "هل رأيت؟ لم تكن خيانة… كان الألم أقوى منها… أقوى منا جميعًا."
لكن سامر لم ينظر إليه.
كان يحدّق في صورة الأم، ثم قال بصوت مبحوح:
— "لماذا لم يخبرنا أبي؟ لماذا جعلنا نكره بعضنا؟ لماذا تركنا نرث الظلام بدل الرحمة؟"
لم يجب أحد.
في تلك الليلة… جلس الإخوة الثلاثة معًا للمرة الأولى منذ سنوات.
لم يتشاجروا.
لم يصرخوا.
بل بكوا… كلٌّ على طريقته.
رائف وضع رأسه بين يديه كطفل ضائع.
سامر ظلّ يحدّق في الفراغ بعينين ميتتين.
ليان نامت على الكنبة ودموعها لم تجف.
وبينما هم غارقون في الانكسار…
رنّ هاتف سامر.
اتسعت عيناه وهو ينظر إلى الشاشة.
نطق بصوت مخنوق:
— "المحكمة… يريدون حضورنا غدًا لإتمام إجراءات الميراث."
انكمش وجه ليان وقالت بصوت متعب:
— "ميراث ماذا؟ لم يعد عندي شيء لأرثه… لقد ورثتُ البكاء يا سامر… فقط البكاء."
نظر إليها سامر طويلًا… ثم قال جملة ستكسر قلبها إلى الأبد:
— "ربما… لن يكون أحدنا هنا بعد الغد… كي يرث أي شيء."
رفع رائف رأسه بسرعة:
— "ماذا تقصد؟"
لكن سامر لم يجب.
نظر إلى صورة الأم للمرة الأخيرة…
ثم انسحب إلى غرفته وأغلق الباب.
وبصوت داخله فقط، قال:
> “أنا تعبت يا أمي… تعبت من حمل كل شيء وحدي.”
---