الفصل 2
---
🌑 الفصل الثاني: كراهية تحت الرماد
لم يكد المحامي يغادر البيت حتى انفجر الصمت إلى شظايا.
رمى رائف الكرسي بعنف فتطاير صوته في القاعة:
— "بيت لأختك! محل لك! وأنا… أراضٍ لا تسوى شيئاً دونكما! لماذا؟! لماذا دائمًا أنا آخر من يُحسب له حساب؟!"
وقف سامر ببطء، لكنه لم يرفع صوته. كان الوجع في عينيه أكبر من أن يتحوّل إلى صراخ:
— "ارحم نفسك يا رائف… الميراث لن يعيد أحداً منا… لن يعيد أبي… ولن يعيد أمّي."
استدار رائف نحوه بعينين مشتعلتين:
— "لا… أنت لا تفهم! أنت لديك كل شيء! كنت الابن المفضل… كنت الأقرب إليه… أما أنا فكنت الغلطة التي جاء بها القدر!"
ارتجفت ليان في مكانها.
الكلمات كانت كالرصاص.
كانت تعرف أن رائف يحمل جروحاً… لكنها لم تعلم أنها بهذا العمق.
(صوت ليان الداخلي)
> “لماذا نحاسب بعضنا على حبٍّ لم نختره؟
لماذا نحارب على فتات حبّ كان يجب أن يكفينا جميعاً؟”
اقترب سامر من أخيه ووضع يده على كتفه قائلاً بصوت مبحوح:
— "أبي لم يفضّل أحداً… كان يحبّنا جميعاً بطريقته."
صفع رائف يد سامر بعيداً:
— "أبي؟ أبي؟! هل نسيتَ أنه تركنا نتعفن تسع سنوات بعد موت أمّنا دون أن يشرح شيئاً؟ دون أن يخبرنا كيف ماتت؟ دون أن يقول لماذا كانت تبكي كل ليلة وهو صامت كالحجر؟!"
تجمّد سامر.
شهقت ليان.
كان اسم الأم دائماً الخط الأحمر الذي لا يُذكر.
جلس رائف على الأرض منهاراً، ضارباً صدره وهو يصرخ:
— "لماذا ماتت؟! لماذا تركتنا؟! ماذا كنتم تخفون عني؟!"
لم تتحمّل ليان المشهد. ركضت نحو غرفتها وهي تضع يدها على فمها كي لا يسمع أحد بكاءها، لكن الدموع سبقتها… انهارت على الأرض خلف الباب وأغلقت وجهها بكفيها.
(مذكرات ليان – الماضي)
كانت في الثامنة عشر، يوم ماتت أمّها.
في تلك الليلة، سمعت الأم تقول للأب بصوت منتحب خلف الباب:
> "السر سيموت معي… لكن ليان ستدفع الثمن… سامر سيتحمل النار… ورائف… سيكرهكم جميعاً إن عرف."
ثم بكاء… ثم ارتعاش… ثم صمت.
ذلك الصوت بقي محفوراً في روح ليان كندبة لا تزول.
عادت للحاضر، تبكي بشهقات مؤلمة.
طرق سامر باب غرفتها بصوت مكسور:
— "ليان… افتحي الباب… أرجوك."
لكنها لم تجب.
كان صوتها بين أنفاس متقطعة:
> “لماذا يا أمي؟ لماذا تركتني في عتمة لا تنتهي؟ لماذا أشعر أنني الدليل على الذنب… لا على الحب؟”
عاد سامر إلى القاعة فوجد رائف واقفاً عند صورة الأم المعلّقة على الجدار. مدّ يده ولمس إطارها، ثم همس بمرارة:
— "إن كانت تحبنا… لماذا رحلت؟ وإن كان أبي عادلاً… لماذا ورّثكم الحياة… وورّثني الخراب؟"
ردّ سامر أخيراً بصوت منطفئ:
— "ربما… لأن الحقيقة التي نخاف معرفتها… هي الميراث الحقيقي الذي تركاه لنا."
استدار رائف نحوه والدموع في عينيه:
— "إذن فلتحترق الحقيقة… وليحترق معها كل شيء."
ثم غادر البيت وصفق الباب خلفه بقوة، تاركاً سامر واقفاً، وصوت بكاء ليان ينهار في الطابق العلوي… كأن القلب العائلي كلّه انكسر في الليلة نفسها.
في تلك اللحظة… ولأول مرة…
شعر سامر أن الأب لم يرحل فقط…
بل ترك وراءه ناراً ستلتهم ما تبقى من الروح.
وهكذا انتهى الفصل الثاني.
---