خيوط الإنتقام والمصير - الفصل 42 - بقلم Amani algeria | روايتك

اسم الرواية: خيوط الإنتقام والمصير
المؤلف / الكاتب: Amani algeria
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 42

الفصل 42

* 𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶** آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯ‏‏هہ كانت الغرفة غارقة في سكونٍ روحيٍّ نادر، لا يُسمع فيها سوى أنفاسٍ هادئةٍ تختلط بصوت تقليب صفحات القرآن. جلست غرام على سجّادتها، بثوب الصلاة الفضفاض، وقد غمرها النور الخافت المنبعث من المصباح الصغير. ذلك الضوء الذي كان يلامس وجهها المنهك، يعيد إليه شيئًا من الحياة بعد ليالٍ طويلةٍ من الانطفاء. كانت تتلو الآيات بصوتٍ خاشعٍ يشبه الهمس، كأنها تُخاطب الله من أعماق قلبٍ تائهٍ بين الندم والرجاء. كل كلمة تنزل على روحها كقطرة مطر على أرضٍ عطشى. > "وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم..." رفعت رأسها قليلًا، تأملت المصحف الذي اهدته جدّتها لها. وقد بهتت حروفه من كثرة ما لُمس بالدعاء والدموع. ابتسمت برقةٍ، ثم أغلقت عينيها لحظة، وكأنها تستمع إلى صوت جدّتها يدعوها للثبات. كانت ملامحها رغم الوهن لا تزال تحمل ذلك الجمال الهادئ الذي يُدهش من يراه. عيناها الزرقاوان كزرقة بحرٍ يبتلع شمس المغيب، ورموشها الطويلة تُلقي ظلالًا على وجنتيها البيضاء كالثّلج. وشعرها الأسود الكثيف ينسدل من تحت حجابها كليلٍ ثقيلٍ لا ينام. لكن تلك السكينة لم تدم. حين رفعت عينيها نحو النافذة، لاحظت سيارة سوداء توقفت عند مدخل المزرعة. انعكس ضوءها على الزجاج كوميضٍ غامضٍ، فأحست بشيءٍ غريبٍ يخترق صدرها. وضعت المصحف برفقٍ، وخرجت من غرفتها بخطواتٍ مترددة، حتى بلغت الرواق المطل على الحديقة. وهناك، رأت رجلًا غريبًا يتحدث مع الخادمة سيتي. كان مختلفًا عن كل الرجال الذين رأتهُم من قبل... طويل القامة، بملامح حادّةٍ وواثقةٍ، أنفٌ مستقيم، شعرٌ أسود مموج، وعيونٌ بنيّة عميقة فيها بريق حزنٍ متعب. شيءٌ ما فيه جعل قلبها يرتجف… ربما لأنه يشبه عزّام. “اخخخ ليش..... تذكّرته الحين ؟” همست لنفسها وهي تشد على ثوبها، تستعيذ بالله من تلك الأفكار التي تقتحمها بلا إذن. لكنّ ملامح القلق على وجه سيتي جذبت انتباهها أكثر. رأت الخادمة تضع يدها على فمها، وتقول بالإنجليزية بصوتٍ مرتجف: > “Oh my God... Mr. Azzam... is he alright?” (يا إلهي... السيد عزام... هل هو بخير؟) توقف الزمن لحظة. شعرت غرام بأن قلبها سقط من بين أضلعها دون أن تدري السبب. تقدّمت خطوة صغيرة، فالتفت الرجل نحوها ببطء. نظراته كانت قوية، صامتة، لكنها حملت ثقل خبرٍ لا يُقال بسهولة. اقترب منها بخطواتٍ هادئةٍ وقال بلهجةٍ سعوديةٍ واضحةٍ ومهيبة: – إنتِ غرام، صح؟ حضّري نفسك... نحنا رايحين الحين. تجمّدت ملامحها للحظة، بينما يدها ترتجف على أطراف وشاحها. تراجعت خطوة إلى الوراء، وبصوت خائف مرتجف. – لالا... مين إنت؟! ماني رايحة معك... أبدًا! اقترب أكثر، نظر إليها بثبات وقال بنبرةٍ منخفضةٍ لكنها صريحة – اسمعيني، ما عندي وقت أشرح كثير. عزّام سوى حادث خطير في فرنسا، وهو الآن في العناية المركزة.. تجمّدت الكلمات في حلقها. فتح فمه ليكمل." – ما نبي الخبر يوصل لأمّه ولا لأخته، وضعهم الصحي ما يسمح، وانتي الوحيدة اللي تقدرين تروحين معي وتعتنين فيه هناك. شهقت غرام، وضعت يدها على صدرها،: – لالا... لا ما ما ابي..... قطع حديثها بغضبٍ واضح وهو يضرب بيده على الطاولة: – راح تروحين، وتسكتي بعد! أي إنسانة إنتِ؟. أغمض عينيه يحاول كبح انفعاله، لكنّ صوته خرج مبحوحًا كأنه يخفي ألمًا أعمق: – أنا ما أطلب... أنا أقول. رنّ هاتفه فجأة. أخرج الجهاز من جيبه وأجاب بالإنجليزية بنبرةٍ عملية: > “Thank you. Everything’s ready. The plane will take off in one hour. We’ll be there soon.” (شكرًا لك، كل شيء جاهز. الطائرة تقلع بعد ساعة. سنكون هناك قريبًا.) رفعت غرام يديها بخوف، خطوة إلى الخلف وهي تقول: – مابي... مابي أروح... لكنه أمسك ذراعها بقوةٍ جعلت قلبها يقفز من مكانه، وقال بلهجةٍ صارمة: – سيتي، حضّري شنطتها وكل مستلزماتها وأوراقها، سفرة شهر كامل تقريبًا. ترددت سيتي، التفتت إليه بعينين مذعورتين وهمست بالإنجليزية: > “But... Sir Haron, she—” (لكن... سيدي هارون، هي...) قاطعها بصوتٍ عالٍ غاضبٍ كالرعد: – قلت الآن يا سيتي!(go).... ارتجفت الخادمة، وأسرعت نحو الغرفة. بينما كانت غرام واقفة هناك، تنظر إليه برعبٍ لا يُوصف... عيناه البنيّتان ثابتتان عليها. . . . العدسة تبتعد ببطءٍ من المشهد، المطر يبدأ في الهطول بقوةٍ على زجاج المزرعة، وغرام واقفة بثوبها الأبيض، ترتجف بين الخوف... والقدر الذي عاد ليطرق بابها من جديد ــــــــــــــــــــــــــــــ . . . . . . كانت غرام تمشي بخطوات باردة، يكسوها الصمت، وملامحها جامدة كأنها فقدت القدرة على الشعور. لم تنطق بكلمة منذ خرجت من المزرعة، حتى الهواء من حولها بدا أثقل مما يحتمل. تقدّم هارون نحو موظف المطار ومدّ له الأوراق قائلاً بلغةٍ إنجليزية هادئة: > "Her passport... the trip will last around a month." رفع الموظف نظره باستغرابٍ خفيف وسأل: > “A business trip?” ردّ هارون بصوتٍ جافٍّ وحازم: > “Not a vacation… it’s an urgent matter.” أومأ الموظف، ثم ختم الأوراق وأعادها له دون أن يطرح سؤالاً آخر. التفت هارون نحو غرام، فأشار لها بالصعود إلى الطائرة. تبعته بصمت، جلست قرب النافذة، حدّقت في الغيوم التي بدأت تبتلع ضوء الشمس، وبدت كأنها تشاهد فيلماً من حياتها يُعاد للمرة الثانية... نفس الرحيل، نفس الخوف، نفس الألم. أغمضت عينيها، ودمعة ثقيلة انزلقت على خدّها دون أن تحاول مسحها. كان هارون يجلس أمامها، يراقبها بنظرةٍ تحمل شيئاً من الغضب المكتوم. اقترب قليلًا وهمس بنبرة حقدٍ متقدة: > "أي إنسانة إنتِ؟ وأي قلب هذا اللي جوّاتك؟ كيف هو بين الحياة والموت… وإنتِ كذا، باردة؟! ما عندك قلب؟" رفعت عينيها نحوه، تلمعان ببقايا الدموع والغضب، وردّت بصوتٍ متقطعٍ كأنها تخنق وجعاً: > "ما يهمّني… خليه لعله يموت! وش دخلني فيه؟!" تسارعت أنفاسها، وشعرت بأن نبضها يطرق صدرها بعنف، وكأن قلبها يعاقبها على ما قالت. حدّق فيها هارون للحظةٍ، ثم قال بكرهٍ شديد، كأنه يلفظ سُمّاً: > "ما عندك لا ضمير ولا انسانية... كيف. كيف … ولا قلب. ماتحسين كيف انخدع فيك. كيف… كيف تقولين كذا وهو زوجك؟" في تلك اللحظة، تجمّد الزمن. توقّف كل شيء. كأن أحدهم سكب عليها ماءً بارداً… عيناها اتسعتا، أنفاسها اختنقت.