الفصل 2
---
الفصل الثاني: الرمز الأول
لم أنم تلك الليلة. كنت أراقب الباب وأنا قابضة على الورقة كمن يقبض على دليل حياته الأخير. ومع كل حركة في الممر، كان الخوف يتسرّب أكثر إلى صدري. من يكون صاحب الحرف "س"؟ وكيف عرف أنني فقدت ذاكرتي؟ ولماذا يطالبني بعدم الثقة… وبمن؟ بأخي؟ بالطبيب؟ بالجميع؟
مع شروق الشمس، دخلت الممرضة لتتفقدني. سألتها بهدوء:
"من زارني منذ الأمس؟ غير أخي والطبيب؟"
توقفت لثانية، وكأن السؤال أربكها، ثم أجابت بسرعة:
"لا أحد. الزوار ممنوعون أصلًا."
كانت إجابتها حاسمة، لكن عيناها تهربان من عيني. كأنها تخفي شيئًا… أو تخشى قول شيء.
بعد خروجها بدقائق، دخل حسّان يحمل كيسًا من الفطور. ابتسم ابتسامة دافئة:
"أحضرت لكِ شيئًا تحبينه."
فكرت بمرارة: وكيف أعرف ما أحب وأنا لا أعرف حتى من أنا؟
سألته بهدوء وأنا أراقب ملامحه:
"حسّان… هل كنت وحدك عندما وقع لي الحادث؟"
تغير وجهه قليلًا، لكنه حاول إخفاء ارتباكه.
"قلتُ لكِ من قبل… كنتِ تقودين وحدك. فقدتِ السيطرة… وانقلبت السيارة."
انزلقت الكلمات إلى أذني لكنها لم تستقر في قلبي. أقود وحدي؟ في الليل؟ لماذا؟ إلى أين؟ ولماذا لا أشعر أن الحادث بسبب خطأ؟ بل… بسبب مطاردة؟ أو هروب؟
قلت له بنبرة متأكدة دون أن أعرف السبب:
"لم أكن وحدي."
تجمّد. ارتبك. ارتخت يده التي تحمل الكوب، كاد يسقط.
"لِمَ تقولين ذلك؟"
نظرت إليه بصمت طويل، ثم اكتفيت بجملة:
"أشعر أن هناك شخصًا آخر في السيارة… وأشعر أن شيئًا أسوأ من حادث حدث تلك الليلة."
تنهّد بضيق، ثم قال بجدية:
"اسمعيني جيدًا… أفضل أن تتركي الماضي وشأنه. الطبيب قال إن الضغط على نفسك قد يسبّب انهيارًا عصبيًا."
ثم اقترب أكثر وهمس:
"بعض الحقائق… مؤلمة. وأحيانًا معرفتها أخطر من جهلها."
غادر بعدها بخطوات ثقيلة، تاركًا خلفه ألف سؤال.
وحين فتحت الكيس الذي وضعه قرب السرير… تجمّد الدم في عروقي.
في الداخل، وجدت علبة عصير. وعلى غطائها مطبوع رمز دائري صغير… وفي وسطه نفس الحرف:
"س"
نفس العلامة. نفس الرمز. نفس التهديد.
وقبل أن أستوعب الصدمة، انطفأت الأنوار في الغرفة فجأة، وانفتح هاتفي الموضوع قرب السرير من تلقاء نفسه، رغم أنه بدون شريحة.
ظهرت رسالة واحدة على الشاشة:
> "الليلة… ستتذكّرين أول اسم."
ثم انطفأت الشاشة كليًا.
وكانت تلك اللحظة بداية استيقاظ الذاكرة… وبداية الرعب الحقيقي.
--