ضوضاء القمر - غموض العارفين - بقلم انس امباركي - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ضوضاء القمر
المؤلف / الكاتب: انس امباركي
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: غموض العارفين

غموض العارفين

إن تصوف مدرسة روحية تربي المريد الباحث عن نور المصطفى صلى الله عليه وآله الأخيار وصحبه الأبرار، ومن اهتدى بهديهم وصار على طريقهم آمين، والحمد لله رب العالمين. فكيف نشأت ومتى ظهرت وما أهدافها وطرقها وكيف قُسمت وما رأي الشريعة الإسلامية؟ إن التصوف له معايير ثابتة وموازين قائمة على الصدق والأمانة والأمر بالجماعة، فهو يطمح إلى تزكية النفس والأخلاق الحميدة قبل الماديات، وتقوم على السنة النبوية والخصال الحميدة. وكان أول من زهد وتعبد وتفرغ للتقوى والتعبد الذين تجردوا من الدنيا وشهواتها بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه الكرام، حيث كانوا يبحثون عن نور الحقيقة، ونذكر منهم الحسن البصري، وإبراهيم بن أدهم، ورابعة العدوية. ثم ظهرت بعدهم طرق اجتمعت تحتها أتباع ومريد هؤلاء الشيوخ، وأقدمها الطريقة القادرية التي تفرعت منها القادرية الجيلانية نسبة إلى شيخ عبد القادر الجيلاني، وهي الأصل، وظهرت في العراق عام 561 هـ، ثم قُسمت إلى الطريقة القادرية البوتيشية 1229 هـ في المغرب، والكركرية حديثًا في الريف 1431 هـ، وطرق كثيرة منفصلة مثل الطريقة الرفاعية نسبة إلى الشيخ أحمد الرفاعي، وهي موجودة بكثرة في تركيا وسوريا. أما الإشكال والخلاف، فليس فيما يتعلق بالزهد والطاعة وما تبناه الأولياء، قال تعالى: "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون"، بل فيما يتبناه أتباع وشيوخ هذه الطرق من مظاهر تخالف الكتاب والسنة، من الحضرة والاستغاثة بالموتى، وإقامة المواسم التي ما أنزل الله بها من سلطان، ناهيك عن تقديس الشيخ واعتماده بوابة تربط بين المريد والجنة، وأولياء الله مبرؤون منها. فقد روي أن عبد القادر الجيلاني كان في خلوة يتأمل ملكوت السماوات والأرض، فعرضت له سحابة فوقها كرسي ينادي المنادي فيها: "يا عبد القادر، أنا ربك قد أحللت لك ما حرمت على أمة محمد"، فجمع الشيخ الباسق وتفل عليه وقال: "لعنك الله، ما أنت إلا إبليس"، فسأله: "كيف عرفتني وقد أضللت 80 عابدًا قبلك في بغداد؟" قال الولي: "ما كان الله ليحل لعبد القادر ما حرمه على خير خلقه صلى الله عليه وآله، من أنا من خير البرية". هنا ندرك أهمية العلم، فهل يستوي العارفون مع الجاهلين؟ وإن التصوف المشروع جاء بعد ثلاثة قرون من وفاة خير البرية، وهم الخيار الأبرار، خير القرون الأولى من التابعين وتابعي التابعين. اللهم اجعلنا من الذين يهتدون بهديهم، وحشرنا يا مولانا في كريم زمرتهم.