الفصل السابع الغياب الاول
---
الفصل السابع: الغياب الأول
لا شيء يوجع القلب مثل الصمت الذي يلي الامتلاء.
فبعدما امتلأت أيامهما باللقاء، جاء الغياب كفراغٍ حادٍّ في النصّ،
كصفحةٍ بيضاء في منتصف رواية لم تنتهِ بعد.
لم يكن غيابه طويلًا، لكنه كان ثقيلاً،
ثقلُه لا يُقاس بالوقت، بل بما يتركه من فراغٍ في الذاكرة.
هي لم تسأله عن السبب، ولم يعتذر هو عن البُعد،
كأنّهما اتّفقا بصمتٍ على أن الخوف من الفقد أشدّ من الفقد نفسه.
كانت تتظاهر بالهدوء،
لكن الأشياء حولها كانت تفضحها:
قلمها توقف عن الكتابة،
فنجانها برد قبل أن تنتهي منه،
وعيناها صارتا تبحثان في الوجوه عن ظلٍّ يشبهه.
في المساء، كانت تحدّق في هاتفها طويلاً،
لا تنتظر رسالة، بل تنتظر معجزة — أن تشعر أنه ما زال هناك.
أما هو، فكان يسير في شوارع المدينة التي صارت بلا ألوان.
كلّما حاول الهروب من صورتها، وجدها في مرآةٍ، أو في ابتسامةٍ عابرة،
حتى أدرك أن الغياب لا يُقاس بالمسافة،
بل بما تبقى من صوتها في داخله.
في تلك الأيام، بدأ كلاهما يفهم أن الحبّ ليس لحظات اللقاء فحسب،
بل أيضًا قدرةٌ على البقاء في الذاكرة دون حضورٍ فعلي.
فمن يحبّ حقًا، لا يغيب إلا جسده،
أما روحه، فتظلّ جالسة على مقعدٍ لم يُرفع بعد.
الغياب الأول لا يقتل الحبّ،
بل يكشف حقيقته:
هل هو نارٌ تحرق حين يبتعد الوقود،
أم نورٌ يزداد صفاءً حين تُختبر العتمة؟
---
سؤال الفصل:
هل يقوى الحبّ بالغياب،
أم أن البُعد يطفئ ما لا يستطيع القرب إنارته؟
---