الفصل الرابع :بين الخوف والحنين
---
🌫️ الفصل الرابع: بين الخوف والاندفاع
كلّ شعورٍ يولد نقيًّا، إلى أن يلمسه الخوف.
كانت هي تخاف من نفسها أكثر مما تخاف منه.
لماذا يحدث هذا الانجذاب الغريب؟
ولماذا يبدو الحنين أكبر من اللقاء نفسه؟
كانت تعرف أن الحبّ في زمنٍ كهذا يشبه السير في حقل ألغامٍ من الذكريات الكاذبة والوعود المتعبة،
لكنها رغم ذلك لم تستطع أن تنكر أنّ شيئًا في داخلها يريد أن يصدق المعجزة.
في كل يومٍ تمرّ أمام المقهى نفسه،
تتظاهر بأنها ذاهبة إلى مكانٍ آخر،
لكنّ قلبها يعرف — هي تنتظر.
تنتظر دون وعي، دون وعد،
فقط لأن الانتظار في بعض الأحيان يكون طريقة الروح في الصلاة.
أما هو، فقد صار يرى الحياة بنصف تركيز،
كأنّ نصفه الآخر بقي هناك، في تلك اللحظة الأولى التي التقت فيها عيونهما.
لم يفهم هل ما يشعر به حنين، أم رغبة في الفهم، أم حاجة إلى المعنى؟
لكنه كان يعرف أنه منذ تلك اللحظة، تغيّر شيء في اتزانه.
في أعماقه حوارٌ لا ينتهي:
> "أقترب؟ أم أهرب قبل أن أُصاب؟"
> "أهو الحبّ حقًّا، أم وهْمٌ صنعه عقلي لأنّي متعب؟"
الحبّ الحقيقي لا يطرق الباب، بل يخترق الجدار.
لا ينتظر إذنًا من العقل، ولا تبريرًا من المنطق.
هو يحدث، فقط لأن القدر أراد له أن يحدث.
في إحدى الأمسيات، عادت إلى المقهى دون قصدٍ ظاهر،
جلست في الزاوية نفسها، وطلبت القهوة ذاتها.
وحين رفعت رأسها، كان هناك — كأنّه لم يغادر أبدًا.
لم يتحدثا أول الأمر.
كانت الصمت بينهما لغة أوضح من الكلمات.
وحين ابتسم أخيرًا، شعرت كأن العالم توقّف ليُصغي لتلك الابتسامة.
قال بهدوءٍ يشبه الحنين:
> "لم أكن أعلم أن للصدفة ذاكرة."
ابتسمت، والدهشة في عينيها تسأل بلا صوت:
> "وهل للقلوب مواعيد؟"
في تلك اللحظة، لم يكن بينهما وعد، ولا اعتراف،
لكنّ الخوف تراجع خطوة، والاندفاع تقدّم أخرى.
وهكذا تبدأ كل الحكايات الكبرى —
بخطوةٍ صغيرةٍ تجرؤ فيها القلوب على أن تكون صادقة.
---