الفصل الثاني: اول نضرة
---
💫 الفصل الثاني: أول نظرة
كانت النظرات أحيانًا تقول ما لا تجرؤ اللغة على البوح به.
في تلك اللحظة العابرة، لم يلتقِ وجهان فحسب، بل اصطدم عالمان — عالمها المليء بالأسئلة، وعالمه المليء بالصمت.
هو لم يكن جميلًا بمعايير هذا الزمن الذي يقيس كل شيء بالملامح،
لكن في عينيه كان هناك هدوء غامض، يشبه وعدًا بالطمأنينة التي نفتقدها في عصر السرعة.
أما هي، فكانت مزيجًا من هشاشةٍ لا تُرى وقوةٍ لا تُكسر، كأن الحياة شكّلتها من نقيضين.
التقيا في مقهى مزدحم لا يجمع العشاق، بل الهاربين من وحدتهم.
لم يكن بينهما حوار، فقط تلك النظرة الأولى التي لم تُكتب في روايات هذا القرن بعد.
نظرة واحدة، لكن فيها كانت الذاكرة تنبض قبل أن تولد الأحداث.
في قلبه سؤال:
> "هل يمكن أن يبدأ الحب من نظرةٍ في زمنٍ لم يعد يؤمن بالعيون؟"
وفي قلبها صدى آخر:
> "هل يمكن أن يلمح أحدٌ حقيقتي من دون أن أتكلم؟"
منذ تلك اللحظة، صار الحضور غيابًا مؤلمًا.
حين غادر المقهى، شعرت كأن شيئًا من ملامحه بقي في فنجانها،
وحين خرجت هي، شعر كأن العالم صار ناقصًا دون سببٍ واضح.
لم يتبادلا الأسماء، لم يتبادلا التحيات، لكن شيئًا في الكون تغيّر.
ربما لم يكن حبًا، بل شرارةَ وعيٍ جديدة جعلت كلًّا منهما يرى نفسه بعيون الآخر.
في الليل، حين عادت إلى غرفتها الصغيرة، جلست أمام المرآة تتأمل وجهها كما لو تراه لأول مرة.
هل كانت أجمل؟ لا، لكنها كانت أصدق.
ذلك ما يفعله الحب في بداياته —
يجعلنا نرى أنفسنا بوضوحٍ مؤلم، وكأننا نُبعث من جديد.
أما هو، فكان يمشي في الشارع والمدينة تغفو ببطء،
وفي ذهنه تتردد جملة لم يقلها أحد له:
> "ليس كل ما يهزّ القلب حبًا، لكنه حتمًا بداية الحكاية."
-