الفصل الثاني
الفصل الثاني: فراغ يشبه الغياب
كانت أيّام ليان تمضي ببطءٍ موجع.
الجامعة التي كانت تراها مكانًا للأمل صارت قاعةً كبيرة للذكريات.
الممرّات التي كانت تملؤها بضحكتها، صارت صامتة كأنها فقدت صوتها معها.
حتى المقاعد التي كانت تجلس عليها تشهد على كل نظرة، وكل همسة، وكل لحظة كانت تشعر فيها أنّ الحياة ممكنة.
لم تعد كما كانت.
صارت تستيقظ بصعوبة، تجرّ نفسها إلى الدوام بلا رغبة، فقط كي لا تُسأل: “وينچ؟ ليش ما تجين؟”
كانت تحضر المحاضرات بجسدها، بينما عقلها وقلبها عالقان في مكانٍ آخر، عنده هو.
كانت ترى “ريان” أحيانًا من بعيد.
يجلس على المنصة بهدوء، يشرح الدرس، كأنه لا يعرفها.
لكن في كل نظرة عابرة منه، كانت تشعر بأن في عينيه كلامًا كثيرًا، كلامًا لا يُقال أمام الطلبة.
عيونه التي كانت تلاحقها بابتسامة صغيرة صارت جامدة، هادئة، كأنها لم تعرفها يومًا.
كل يوم كانت تكتب له رسالة ولا ترسلها.
تفتح نافذة الدردشة، تكتب، تمسح، تكتب من جديد، ثم تغلقها بصمت.
تحدّث نفسها:
> “يمكن يريد يبتعد حتى أنساه، يمكن دايساعدني بطريقته…”
لكنها كانت تعرف الحقيقة: هو تركها لأنها أحبّته أكثر مما يجب.
مرت أسابيع طويلة وهي تحاول التماسك.
كانت صديقتها سارة الوحيدة التي تفهم ما تمرّ به.
ذات يوم، حين رأت سارة التعب في وجهها، قالت بلطف:
> “ليان، كافي. إنتِ مو لازم تربطين سعادتچ بإنسان. هو اختار يروح، بس إنتِ بعدچ هنا.”
لكن ليان لم تكن تقتنع بسهولة.
الفراغ الذي تركه لم يكن شيئًا بسيطًا.
كان يسكن تفاصيلها الصغيرة — صوت هاتفها، طريق الكلية، الكافيتريا، وحتى كرّاستها التي كتب بخطّه عليها ملاحظة ذات يوم.
وفي خضمّ كل ذلك، ظهر شخص جديد —
شاب من قسم قريب اسمه كريم، هادئ الملامح، بسيط، يختلف تمامًا عن “ريان”.
لم يكن يشبهه في شيء، لكن كان يمتلك شيئًا لم تجده منذ زمن: الاهتمام الصادق.
بدأت علاقتها بكريم صدفة.
مرةً سألها عن محاضرة فاتته، ومرةً ساعدها بحل واجب، ثم صار يسألها عن حالها كل صباح.
كانت تحاول أن تبقى متحفظة، تخاف من التقرّب، لكنها في أعماقها كانت تشتاق لكلمة طيبة، لنظرة دافئة لا تؤذيها.
ومع مرور الوقت، بدأت تشعر أن قلبها يتنفّس من جديد.
لكن الماضي لم يكن يرحمها — ففي كل لحظة تضحك، كان صوت “ريان” يعود في ذهنها، كأنه يذكّرها:
> “أنا هنا، حتى وإن غبت.”
وذات يوم، أثناء إحدى المحاضرات، دخل “ريان” فجأة إلى القاعة ليُسلّم أوراقًا لأستاذ آخر.
كان اللقاء سريعًا، لكنه أعاد كل ما حاولت نسيانه.
نظرت إليه، فالتقت نظراتهما لثانية واحدة فقط — لكنها كانت كفيلة بأن تفتح الجرح من جديد.
وفي تلك اللحظة، أدركت ليان أن الجروح لا تُشفى بالزمن فقط، بل بالشجاعة…
وأنها ستحتاج إلى الكثير منها، لتتعلّم كيف تنقذ قلبها من الغرق.