حين احببت المستحيل - الفصل الاول - بقلم غدير غدير | روايتك

اسم الرواية: حين احببت المستحيل
المؤلف / الكاتب: غدير غدير
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الاول

الفصل الاول

الفصل الأول: طفلة تشبه الورد كانت ليان طفلة مدللة، تملأ البيت ضحكًا وبراءة. كانت جميلة الملامح، نقية كنسمة الصباح، وكل من حولها أحبها، خصوصًا عمّها الذي كان يراها كابنته التي لم تُولد بعد. لكن كل شيء تغيّر حين تزوّج عمّها. فزوجته الجديدة لم تحتمل تلك الطفلة التي سرقت اهتمام زوجها دون قصد. بدأت تغار منها، وتبتعد عنها، ومعها بدأ عالم ليان الصغير يتشقق بهدوء. مرت الأيام، وكبرت ليان قليلًا، ودخلت المدرسة الابتدائية. كانت الحياة بسيطة، البيوت متقاربة والناس قلوبهم أقرب. الأطفال يلعبون في الأزقة الترابية، يركضون حفاة، وتعلو ضحكاتهم مثل أغنية لا تنتهي. لكن خلف تلك الضحكات كانت هناك حكايات مؤلمة تدور في الخفاء. تزوج خالها بامرأة ثانية، وكانت الأولى عمّتها. من هنا بدأت المشاكل تتسلّل إلى بيت أم ليان. أعمامها وجدّتها انقلبوا ضدّ أمها، أرادوا أن يُذلّوها كما أُذلّت عمّتهم، فحاولوا إقناع والد ليان بالزواج من أخرى، فقط "ليحرق قلبها"، كما قالوا. لكن أباها لم يفعل، لأنه كان يعلم أن زوجته لا ذنب لها في كل ما يحدث. تراكمت الإهانات، وتلوّنت الأيام بالوجع، لكن أمها صمدت. مرت السنوات، وبُنيت البيوت، وتفرّقت العائلة، لكن أعمامها ظلّوا كما هم، يتحكمون في كل شيء. منعوها من الخروج، من الهاتف، من المسلسلات، من الحياة. كانت تشعر بأنها في قفص كبير، لا تملك فيه سوى أحلامها الصغيرة. كبرت ليان، ودخلت المتوسطة ثم الإعدادية. كانت تدرس رغم القيود، رغم القهر. وفي عام كورونا، تقدّمت للامتحان الوزاري لكنها لم تتمكن من أدائه، فالدراسة توقفت، والمعاهد أُغلقت. وفي العام التالي، مرضت والدتها بمرض خبيث، سرطان الدم. تحوّل بيتهم إلى مستشفى صغير من الحزن، وسافروا إلى كربلاء للعلاج. تأرجحت حياة أمها بين الأمل واليأس، وبين جرعة ودمعة. ورغم ذلك، بقيت ليان متمسكة بإيمانها، تهمس في دعائها كل ليلة: “يا رب، لا تأخذها مني.” وحين تجاوزوا تلك المحنة بسلام، دخلت ليان الجامعة. كانت البداية متعبة، مرحلة جديدة في مدينة غريبة ووجوه لا تعرفها. وفي الأسبوع الأول، لم يحضر معظم الطلاب. لكن في الأسبوع الثاني، جاء أستاذ عصبي الملامح، قاسٍ في كلماته. أنّبهم بشدة لأنهم لم يحضروا من اليوم الأول ولم يطّلعوا على المنهج، وكان اسمه الدكتور ريان. كانت ليان خائفة منه في البداية، لكنه أثار اهتمامها؛ ففي المحاضرة التالية كانت الوحيدة التي أجابت على سؤاله، ومنذ تلك اللحظة، تغيّر كل شيء. كان يذكر اسمها في المحاضرات، ويشجعها دائمًا، حتى غدت دراستها مرتبطة بصوته، ونظراته، وتشجيعه. أحبّته بصمت، ثم بصوت قلبها الذي لم تعرف كيف تخفيه. كانت تشعر أنه الوحيد الذي آمن بها حين لم يفعل أحد، وأنه الضوء الوحيد في طريقها المظلم. لكن بعد فترة، اكتشفت الحقيقة التي كسرت قلبها: كان متزوجًا، وله ابنتان. انهارت ليان، لكنها لم تستطع الانسحاب. كل يوم كان يزيدها حبًا وتعلقًا، رغم علمها بأن هذا الطريق لا يؤدي إلى نهاية سعيدة. صار بينهما مزيج غريب من القرب والبعد، من الخوف والاشتياق، من الصمت والكلمات التي لا تُقال. وحين وقعت أول مشكلة بينهما، وابتعد عنها فجأة، شعرت وكأن الأرض سُحبت من تحتها. حظرها، ثم عاد، ثم ابتعد، ثم عاد من جديد… حتى أصبحت حياتها دائرة من الوجع المتكرر. ومع مرور الوقت، صار غيابه موتًا صغيرًا يتكرر كل يوم. كانت تذهب إلى الجامعة فقط لتراه، لتسمع صوته، لتلتقط نظرة واحدة تكفيها للعيش أسبوعًا آخر. لكنّه ابتعد في النهاية دون سبب، وكأنه قرر أن ينقذها منه بطريقته القاسية. ومنذ ذلك اليوم، صارت نظراته تمرّ عليها كريحٍ باردة، لا تحمل سوى الذكريات. ورغم كل شيء… كانت عيونه ما تزال تقول ما لا يقوله فمه.