البارت الرابع
البارت الرابع: "مواجهة الكلمات الحارقة"
عاد اليوم ليبدأ كسابقه، لكنه كان مختلفًا.
جود دخلت المكتب بخطوات ثابتة، تحمل ملفاتها وكأنها درع من الحديد، لكنها شعرت بارتعاش خفيف في كفّها.
هو جلس خلف مكتبه، ظهره مستقيم، عيناه تراقبها من أعلى، كأنه ملك يُحكم على الجميع.
– “وصلتِ متأخرة اليوم.” قال بصوت بارد، لم يكن غاضبًا، لكنه كان يترك أثرًا في قلبها أكثر من أي صراخ.
– “وصلت في الوقت الذي يسمح لي بالنجاة من ملاحظاتك السخيفة.” ردّت، والابتسامة ترتعش على شفتيها.
رفع حاجبه، تلك الحركة البسيطة جعلت كل الهواء في الغرفة يشتعل.
– “سخيفة؟ كلامك واضح أنك تجهلين حدودك.”
– “أعرف حدودي… لكن ما أعرف حدودك.”
بدأ الاجتماع الشهري، ومع كل كلمة يقولها، كانت جود تصارع رغبتها في الانصراف عن الملاحظة، لكنها لم تستطع.
– “هذا العرض يحتاج تعديل على الشكل التسويقي، لكن محتواه جيد.” قالت بصوت هادئ لكنه حاد.
– “أنتِ تحبين النقد، صح؟” قال وهو يبتسم بطريقة مستفزة.
– “لا… أنا أحب الحقيقة، حتى لو كانت قاسية.”
صمت للحظة، ثم اقترب منها خطوة واحدة، لم تتراجع.
– “الحقيقة أحيانًا مؤلمة، جود… وأنتِ تعرفين أنني أكره الألم.”
– “وأنا؟ أتعرف؟ أنا أكرهه مثلك… بس أعيش معه.”
وقفا وجهاً لوجه، المسافة بينهما أقل من أي مرة سابقة، الهواء مشحون بالاحتكاك الخفي، بالكلمات، بالنظرات.
– “أنتِ… تحدّينني أكثر مما تتصورين.” همس، وكأنها كلمة اعتراف لا يريد البوح بها.
– “وأنت تحاول السيطرة عليّ… وهذا لن يحدث.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكن في داخلها كان قلبها يصرخ: “لماذا يجعلني أشعر بالانجذاب رغم كل شيء؟”
هو بدوره شعر بنفس الاهتزاز، لكنه تجاهل كل مشاعر الغرام، متمسكًا بدوره القاسي الذي اعتاد عليه.
ثم فجأة، وصلتها رسالة على البريد: عرض منافس يهدد مشروع الشركة، وكان عليها تقديم تقرير عاجل قبل نهاية اليوم.
– “سأعمل عليه فورًا.” قالت، محاولةً التملص من التوتر الداخلي.
– “لا… سأساعدك.” قال عقاب بلا مقدمات.
– “لا حاجة لك…” قالت، لكنها توقفت حين رأته يمد يده نحو الملفات.
– “ستعرفين أن وجودي مفيد أحيانًا.”
عملوا معًا، والكلمات بينهما كانت مختلطة: نقد، نصح، تحدٍ، وإشارات غامضة من أعينهما.
في لحظة، وضعت جود يديها على الملفات، ونظرت إليه مباشرة:
– “ليش تحاول دائمًا تغيّر طريقة تفكيري؟”
– “لأني أعرف أنكِ أكثر من مجرد موظفة… أنتِ معركة تستحق كل جهدي.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة، قلبها يرفرف، لكنها رفضت الاعتراف بالارتباك.
– “وأنا أكره المعارك.”
– “لكن المعارك أحيانًا تُولد تحالفات غير متوقعة.”
وفي الخارج، بدأت الشمس تغرب، والسماء تتحول إلى لوحة برتقالية وذهبية، وكأن العالم كله يعلم أن هذه العلاقة بين جود وعقاب بدأت تتشكل، بين الكره والرغبة، بين التحدي والغرام…