شرارة تحت الرماد - البارت الثاني - بقلم Areej | روايتك

اسم الرواية: شرارة تحت الرماد
المؤلف / الكاتب: Areej
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: البارت الثاني

البارت الثاني

البارت الثاني مرّت ثلاثة أسابيع منذ بدأت جود العمل، وثلاثة أسابيع منذ بدأت الحرب الصامتة بينها وبين عقاب. كل يوم يمر، تشعر وكأنها تمشي على حافة سيف. هو لا يصرخ، لا يغضب، لكنه يعرف كيف يجعلها تشتعل من كلمة واحدة. والغريب... أنه الوحيد القادر على إسكاتها بنظرة. كانت تعمل في قسم التسويق، مسؤوليتها إعداد تقارير العروض الجديدة. وفي أحد الصباحات، تلقت رسالة على بريدها الإلكتروني من المدير العام: > “اجتماع طارئ الساعة 11. لا تتأخري. – ع. السبيعي.” تنفست بعمق، ضغطت على شفتيها وقالت بصوتٍ ساخر: – “أكيد بيكون يوم لطيف كالعادة.” دخلت قاعة الاجتماعات في الموعد تمامًا، وجميع الموظفين كانوا حاضرين، إلا أنه هو كان يقف عند النافذة الكبيرة، ينظر إلى المدينة من علٍ، كما لو كانت ملكًا له. حين استدار، وقعت عيناه مباشرة على جود. كانت واقفة بثبات، بنظرةٍ تحمل التحدي ذاته الذي أغضبه في اليوم الأول. جلس الجميع، وبدأ الاجتماع. كان يتحدث عن مشروعٍ جديد، عن أفكارٍ وإعلانات، عن خططٍ للتوسع، بينما كانت جود تكتب الملاحظات بتركيزٍ ظاهر. لكن عندما فتح باب النقاش، رفعت يدها. قالت بثقة: – “سيدي، عندي اقتراح ممكن يكون أكثر فاعلية.” رفع حاجبه وقال: – “تفضلي.” بدأت تشرح فكرتها، عرض منطقي، منظم، والأرقام تدعم كلامها. انتهت، وساد صمت لحظات. ثم قال عقاب ببرودٍ تام: – “الفكرة ممتازة… لكن مش منك.” ارتفع همس خفيف في القاعة، الكل شعر بالإحراج عنها، لكنها لم تنكسر. نظرت إليه مباشرة وقالت بصوتٍ قوي: – “غريب. لأن الفكرة منّي فعلاً.” ابتسم وقال: – “ما أشك بقدرتك، بس واضح إنك استعجلت، وطرحت فكرة غير مدروسة كفاية.” أغلقت دفترها ببطء وقالت: – “أحيانًا الجرأة أهم من الدراسة.” نظر لها وقال بحدةٍ مضمرة: – “وأحيانًا الغرور أسوأ من الجهل.” خرجت من الاجتماع بخطواتٍ سريعة، وجهها حار من الغضب، وقلبها ينبض بسرعةٍ غريبة. لماذا يهتم بتصغيرها؟ ولماذا، رغم كل شيء، تشعر أن كلماته تُحدث فيها أثرًا أكبر مما تريد الاعتراف به؟ في المساء، بقيت في المكتب بعد انتهاء الدوام، تعمل بصمتٍ على تحسين فكرتها، فقط لتُثبت له خطأه. لم تنتبه حين دخل المكتب إلا بعد أن سمعت صوته الخافت خلفها: – “الكل راح… إلا أنت.” تجمدت. استدارت ببطء، وكان يقف هناك، دون معطفه الرسمي، أكمام قميصه مطوية، وصوته أكثر هدوءًا من المعتاد. قال وهو يقترب منها بخطواتٍ ثابتة: – “ليه مصرّة تشتغلين زيادة؟” – “أبي أخلص اللي بدأته.” – “أو تبي تثبتين لي إني كنت غلطان؟” رفعت رأسها وقالت بثقةٍ متوترة: – “يمكن الاثنين.” وقف بجانب مكتبها، ينظر للشاشة بصمت. ثم قال بهدوءٍ أربكها: – “الفكرة ممتازة فعلًا. ناقصها بس ترتيب بسيط.” تسمرت في مكانها، ما كانت تتوقع يسمع منها كلمة ثناء. لكن قبل أن ترد، أضاف بابتسامةٍ خفيفة لا تشبهه: – “بس لا تخلطين الطموح بالعند… لأن العند يضيع الجهد.” تراجعت خطوة وقالت بصوتٍ خافت: – “يمكن العند هو اللي يحمّينا من الناس اللي يحبطوننا.” صمت لثوانٍ، ثم نظر إليها نظرة مختلفة تمامًا، فيها شيء جديد، شيء ما يشبه القسوة اللي تعودت عليها. همس: – “مو الكل يحاول يحبطك، جود.” – “ولا الكل يحاول يساعدني.” – “وأنا وش أكون؟” سؤال بسيط، لكنه ارتطم في داخلها كصوتٍ في فراغٍ عميق. ما عرفت تجيب. كانت تنظر له، وعيونهم تتقابل للمرة الثانية بنفس الشرارة الأولى. لكن هذه المرة، لم تكن الحرب نفسها… كان فيها شيء يشبه الخوف، أو البداية. قال بهدوءٍ وهو يلتفت نحو الباب: – “تصبحين على خير، العنيدة.” غادر، وتركها خلفه تتنفس بصعوبة، وكأنها كانت تحبس أنفاسها منذ دخوله. جلست على الكرسي، وضعت يدها على صدرها، وابتسمت رغم غضبها. – “اللعين… حتى لما يهاوشني، يخليني أفكر فيه.” وفي الجهة الأخرى من المبنى، كان هو يقف في ممرٍ مظلم، يحدق في ضوء المكتب البعيد الذي ما زال يخرج من تحت بابها، ويتمتم بصوتٍ منخفض: – “وش سويتي فيني يا جود؟”