البارت الأول
البارت الأول: "بداية الحرب"
لم تكن “جود الناصر” تؤمن بالصدف. كانت ترى أن كل ما يحدث مُخطط له بطريقةٍ ما، حتى اللقاءات الغريبة، حتى تلك اللحظات التي يُفترض أن تكون عادية، لكنها تُزرع في الذاكرة كوشم لا يُمحى.
في صباحٍ خانقٍ من صيف الرياض، كانت تمسك بملفها بين يديها كأنها تمسك درعًا يحميها من العالم. اليوم هو أول يوم لها في العمل الجديد، في شركة ضخمة يُقال إن دخولها أشبه بالمعجزة. لكن جود لم تكن خائفة، بل كانت غاضبة، كعادتها دائمًا حين تواجه المجهول.
كل من حولها كان يتحدث عن الرجل الذي يدير هذا المكان، عن “عقاب السبيعي”.
رجل صار اسمه مرادفًا للقسوة والانضباط المبالغ فيه. يقولون إنه لا يبتسم، ولا ينسى الأخطاء، وإنه يملك نظرة قادرة على كسر أقسى القلوب.
لكن جود لم تهتم.
بل كانت تبتسم كلما سمعت تلك التحذيرات، وكأنها تتحدى القدر نفسه أن يجرب معها.
دخلت المبنى بثقة، عطرها الفاخر يترك أثره في الممرات، وكعبها العالي يعلن قدومها بصوتٍ واثق.
حين فتحت باب المكتب الكبير، شعرت بأن كل الهواء في المكان تغيّر.
رجلٌ يجلس خلف مكتبٍ من الخشب الداكن، عيناه كأنهما ليلان لا يُرى لهما عمق، وجهه جامد كأنه منحوت من الصخر، وصوته حين تكلم كان باردًا لدرجةٍ جعلت قلبها يرتجف رغم كبريائها.
– “أنتِ الموظفة الجديدة؟”
رفعت رأسها وقالت بثقةٍ متعمّدة: “جود الناصر.”
رفع نظره إليها، للحظة فقط، لكن تلك اللحظة كانت كفيلة بأن تزرع في داخلها شيئًا لم تفهمه.
كانت نظرته قوية… لا، أكثر من ذلك، كانت حاكمة، كأنها تُعرّي ما خلف الابتسامة.
قال بهدوءٍ مستفز:
– “أتمنى تكونين مختلفة عن الباقين.”
ردّت بابتسامةٍ صغيرة فيها كل التحدي:
– “أكيد… أنا أسوأ.”
ساد صمتٌ قصير، لكنه كان صمتًا حادًّا مثل شفرة.
ثم عاد لصوته الجاف:
– “مكتبك في الجهة اليسرى، أبدئي عملك، وما عندي وقت للثرثرة.”
تحركت جود بخطواتٍ واثقة، لكنها كانت تشعر بأن عينيه تتبعانها، كأنها ساحة معركة وهو القائد الذي لن يسمح بخسارةٍ واحدة.
منذ تلك اللحظة، بدأت الحرب.
لم تكن حرب أصوات أو كلمات، بل حرب نظراتٍ خفية، عنادٍ لا يُكسر، وتحدٍ يشتعل في كل زاوية من المكان.
كانت جود تردّ على ملاحظاته الباردة بابتسامة ساخرة، وكان هو يواجه ابتسامتها بالصمت، والصمت في حضرته أقسى من أي صراخ.
وفي اليوم الثالث، حدث ما لم تتوقعه.
كانت جالسة تراجع تقارير مالية، حين دخل المكتب بخطواتٍ ثابتة، ألقى نظرةً على الأوراق ثم قال:
– “أنتِ كتبتي هذا التقرير؟”
– “نعم.”
– “فيه أخطاء.”
نظرت إليه بثقة وقالت:
– “أخطاء؟ ولا اختلاف في وجهات النظر؟”
اقترب خطوة منها، كانت المسافة بينهما ضيقة بما يكفي لتسمع أنفاسه.
– “أنا ما عندي وجهات نظر، عندي معايير. واللي يشتغل معي يا يلتزم فيها… يا يترك الباب مفتوح.”
كلماته ضربتها في كبريائها أكثر من أي شيء.
وقفت أمامه وقالت بصوتٍ منخفض لكنه حادّ:
– “أنا ما أعرف أشتغل بنصف طاقتي، ولا أعرف أقبل إن أحد يقلل مني. وإذا ما أعجبك شغلي، فهذي مشكلتك مو مشكلتي.”
رفع حاجبه بهدوء، كأنه يستمتع بطريقة تمردها.
– “جميل، شكلنا بنقضي وقت ممتع سوا.”
خرج بعدها بخطواتٍ باردة، تاركًا وراءه قلبًا يشتعل غضبًا، لكنها لم تعرف أن ذلك الغضب هو أول خطوة نحو شيء أعمق… وأخطر.
في تلك الليلة، جلست جود أمام المرآة، تحدق في انعكاسها.
لماذا لم تستطع نسيان عيونه؟
لماذا شعرت أن كلماته علقت في روحها مثل شوكة لا تُسحب؟
تنهدت وقالت بصوتٍ خافت لنفسها:
– “أنا ما جيت هنا عشان أحب، أنا جيت عشان أنجح… بس ليه أحسه يراقب حتى أفكاري؟”
وفي مكتبٍ آخر، في نفس اللحظة، كان “عقاب” ينظر إلى تقريرها من جديد.
لم يجد خطأً واحدًا.
ابتسم لنفسه وقال بصوتٍ منخفض لا يسمعه أحد:
– “جريئة… شكلها ما تعرف وش دخلت فيه.”
لم يكن يدري أن تلك الجملة ستكون نبوءة.
وأن الحرب التي بدأت بكلمة، ستنتهي بعناقٍ يكسر كبرياء العالم كله.