الفصل السابع عشر
💔 الفصل السابع عشر: فعل واحد يغير كل شيء
في أعماق الليل، حين سكنت المدينة ولم يبقَ إلا همس الريح، خرج عمر من مخبئه وكأن شيئًا في جسده قد تحوّل إلى نار لا تهدأ. ليس صوت المطر هذه المرة الذي يدعوه للخروج، بل صدى اسم علي — وجه ابن عمه الذي ظل يتكرر في أحلامه منذ أن لم يزل وجوده على الأرض ممكناً.
جلس على حافة الرصيف يراقب شارع الحي الذي اختبأ فيه الشاب المتهم. لم يعد يفكر كثيرًا في الخطأ والصواب، بل في الوزن الفارغ الذي تركه موت علي في صدره. كل خطة مرّ عليها، كل معلومات جمعها من الحلفاء الصغار في التحالف، وصلت إلى هذه اللحظة: لا لقاء استعراضي، لا كلام وسيط، بل مواجهة وجهاً لوجه.
رأى الظل يتحرك خلف نافذة شقة صغيرة، وسماع ضحكة خافتة جعلت قلبه يقبض. كان يعرف أن هذا هو الوقت المناسب. تسلّل عبر الأزقة، يختبئ في الظلال، يتنفس بصمت كأنه لا يريد سماع أي صوتٍ يدلّ على وجوده.
دخل المبنى من باب جانبي، صاعد الدرج بخفة، وقبض على مقبض الباب. قلبه يدق كطبلة في صدره، لكن يده ثابتة. فتح الباب، ورأى أمامه الشاب الذي قيل إنه طعن علي — ابن عمّ عمّته ليلى — يجلس بلا وعي عن خطر الحاضر. كانت جراحه قد تذرعت له بالسقوط على الطاولة، غير مدرك ربما أن الليل سيحمل له ثمن ما فعل.
لم يفكر عمر بالكلمات. تحرّك بسرعة كالسهم؛ اشتباكٌ قصير، دفع واحد، وصرخة متقطعة. لم تكن لحظة بطولية، بل كانت قبيحة ومروعة: فعل ارتجالي مدفوع بالدم، بمرارة فقدان، وبسقوط إنسان بين يديه.
وعندما هدأت الحركة، وجد نفسه واقفًا فوق جسدٍ لا يتنفس — يداه ترتعشان، والعالم من حوله ينهار بصمت. لم يخرج صوت، إلا لهسهسة رياحٍ تبرد الجرح الأكبر في صدره؛ لم يزل علي حيًا يومًا، لكنه الآن رحل نهائيًا.
عاد عمر يركض في الظلام، لا يفكر إلا بكيف يخفي أثر الفعل. هاتفه لا يتوقف عن الارتعاش بقلق — رسائل، تنبيهات، أصوات خطوات تبعد وتقترب. وصلت الأخبار كالسهم المضاعف بعد ساعات: «شاب مقتول في الحي» — كانت الكلمات قصيرة لكنها حملت زلزالاً.
لم يهنأ له نوم. في الصباح التالي، بدا الوجه في بيت الراوي مختلفًا: الهدوء مكسور، والعيون تحولت إلى مرايا تبحث عن سبب، وأم علي تبكي بصوتٍ يخترق الروح. والد عمر لم يتكلم إلا بكلمة واحدة لا تُنسى: "لماذا؟" ولم يجد عمر إجابة تسعف قلب الأب ولا وجعه.
أما ليلى، فكان وقع الخبر عليها مثل سكينين: سكين لأن القاتل هو من عائلتها، وركلة لأن قاتل علي الآن في قبضة الموت. هرعت إليه، دخلت عليه من غير استئذان، وجهها شاحب، وصرخة في حلقها تقول كل شيء:
— "لماذا؟ ماذا فعلت؟"
نظر إليها بعيونٍ متعبة، والكلمات خرجت منه قسرًا:
— "انتقام... لم أتحمّل أن أرى دمه على الارض دون أن يلقى القصاص."
ارتفعت ردة فعلها بسرعة لا قدرة لها على كبحها:
— "يا عمر! هذا انتقام؟ هذا قتل! ألا ترى ماذا فعلت؟ هذا سيحرق كل شيء! أنت قتلت اسماً، لكنك لم تقتل الألم. أنت ستجعلنا أعداءً إلى الأبد."
لم تستطع الكلمات أن توقف وجعهما. ليلى أخدت تتلو أسئلةً صحيحة وقاسية: عن العدالة، عن الثأر، عن كيف يمكن لدم واحد أن يبرر قتل آخر. في عينيها ظهر الخوف الحقيقي — ليس على نفسها فقط، بل على ما سيؤول إليه هذا الفعل: انتقام مضادّ، تحقيق، ربما سجن، وربما موت أكثر.
أما أهل علي، فلم تحن لهم لحظة للنظر في الرحمة. ثارت العائلة، وصار النداء صريحًا: "القصاص!" وبدأت الهمسات تتزايد حول من ارتكب الفعل. الشرطة تستدعي، الشكوك توجه، وقلوب التحالفات السرية التي ساعدت في تجنّب المواجهات بدأت تتصدع تحت وطأة الحقيقة.
في تلك الليلة، جلس عمر على الأرض، رأسه بين يديه، والدم على يديه يجسد ما فعله. شعر أن جزءاً من روحه مات مع علي. لكن الألم لم يذهب؛ تحوّل إلى تعاسة لا تُمحى. تذكّر كلام ليلى: "أنت تقتلنا قبل أن تموت." فكر فيها، تذكّر حرارة يدها، صوتها، كلامها المؤلم والحقّ، وبدأ سؤالٌ جديد يتسلّل إلى صدره: هل ما فعله سيقرّبهم أم يبعدهم إلى الأبد؟
الردّ الفعلي جاء سريعًا: عائلتا علي — وأهل القتيل — لم تنتظر. بدأت الانتقامات المضادة في الظهور: تهديدات على أبواب، إشاعات تُطلق، وحركات ليلية تردّ على ليل. وبدلاً من تهدئة نار الغضب، أشعل الفعل الأول حبال الحرب كلها.
ليلى أيضاً شعرت بزلزال داخلها. حاولت أن تُمسك بيده، أن تمنعه من الغوص أكثر، أن تُقنعه بالهرب أو تسليم نفسه، أو على الأقل أن يبحث عن حل لا يسلب المزيد من الأرواح. لكن كلماتها كانت ضعيفة أمام العاصفة التي أطلقها فعلٌ واحد.
انتهى الفصل بصورة قاتمة: حب قديم يتلوّن بلونٍ جديد — لون الدموع والدمار. عمر تحول من فتى يدافع عن حبه إلى رجلٍ مُطارد، وقلب ليلى يمزق نفسه ما بين الوفاء لحبّه والخوف من عواقب ما جاء به.
وفي آخر سطر من الليل، تساءل كل من يعرفهما: هل سينتهي الأمر بهما على قمةٍ من الانتصار المرير، أم في حفرةٍ لا يُبعث منها أحد؟