اوراق القدر الجزء الثاني - الفصل السادس عشر - بقلم Yahya Al-Haddad - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: اوراق القدر الجزء الثاني
المؤلف / الكاتب: Yahya Al-Haddad
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل السادس عشر

الفصل السادس عشر

الجزء الثاني – الصراع والخطر الفصل السادس عشر: شرارة الانتقام انقلبت المدينة رأسًا على عقب في أيام قليلة. الصخب لم يعد مجرد خلافات كلامية أو صدامات في الشوارع؛ صار دماً يتسرب إلى كل ركن من أركان العائلةين، والهواء نفسه بات مثقلاً بمرارة الانتقام. وصل الخبر كصفعة على وجه عمر: "علي مات." ابن عمه علي — الشاب الذي كان دائماً ما يضحك بصوت مرتفع، ويذكره الجميع بمقالب الطفولة — لم يعد موجودًا. قيل إن المواجهة في السوق تحولت إلى شجار، وأن الرجل الذي طعنه هو ابن عمّتِ ليلى. الكلمات انتشرت أسرع من النار: "هو ابن عمّتي ليلى... هو الذي قتله". تجمّع الرجال من جهة الراوي، وتحولت الهمسات إلى صيحات، والعيون إلى سهام تبحث عن اسمٍ تُطلقه على الهواء. في بيت العائلة، كانت الصدمة تسير بخطى بطيئة تتحول إلى غضب قاسٍ. أمَّ عليَ تبكي، ووالد عمر يقف بلا حركة، وأصابع الاتهام تشير إلى جهةٍ واحدة: أبناء عائلة ليلى. جاء عمر إلى بيت علي مسرعًا. رائحة البخور تشحوب، والناس يتناوبون العزاء بغضبٍ مقموع. اقترب من جثمان ابن عمه، وضع يده على جبينه البارد وقال بصوتٍ لم يعهده أحد منه قبل ذلك: — "يا علي... لم أظن أن طريقنا سيأتي إلى هذا." كان الحزن في أعماق عمر، لكنه لم يستطع قمع شعلةٍ بدأت تأخذ شكلاً آخر — غضبٌ متجذر، رغبة في ردٍّ لا يرحم. عاد إلى مخبئه تلك الليلة، وعيونه لا ترى إلا وجه القاتل كما خُيل إليه، وذهنه يعيد المشهد ألف مرة حتى تحول الحزن إلى قرارٍ قاسٍ. عند اللقاء التالي مع ليلى، كانت هي أيضاً شاخصة على حافة الانهيار. دخلت عليهم ودموعها لا تكف عن الانهمار: — "عمر... هذا خطأ، هذا لا يصنع منه قضية حب. إنه عائلة... أنا أفتقده مثلك." لمحت في عينيه شيئًا حادًا لم تعهده من قبل، نبرة صوته كانت غليظة: — "أنتِ تعلمين من فعل ذلك. هم من بدأوا الحرب." أمست ليلى تائهة بين حبها وحقيقة الدم الذي أريق. أمسكت بكتفيه بقوة، وغمست عيناها في عينيه محاولةً أن توقظه من ذلك الخطر: — "يا عمر، هذه عائلتي... أمي، عمّتي، أولاد عمومتي — قد يكون بينهم من أخطأ، لكن ليس كل من يحمل اسمهم قاتلاً. لا تجعَلنا نُصباً لدوامة انتقام لا تنتهي." ضحك عمر بصوتٍ مُرّ، وابتعد بخطوة قصيرة: — "أنتِ تقولين ذلك الآن، لكن دم علي يصرخ في أذني. سامحيني يا قلبي... ليلى، لكن لا أستطيع أن أترك هذا هكذا." انتفضت ليلى وقالت بصوت مُنهك يختنق بين الغضب والدموع: — "أنت تقتلنا قبل أن تموت، عمر. تقتل حبنا قبل أن يُولد. إن ذهبت للانتقام ستَرسم باسمك قصاصاً لا نهاية له." رغم تحذيراتها، كانت عيناه تترقرقان بعزمٍ بارد: — "سامحني يا قلبي يا ليلى... يجب أن أنتقم لموت ابن عمي." لم يكن الكلام مجرد ثرثرة؛ كان إعلانًا عن تغيير. تحول عمر الذي عرفته المدينة كلها إلى ظل رجلٍ مُصمم. بدأ يتدرب بلا نوم، يتلقى معلومات من الحلفاء السرّيين، ويخطط بحذر لا يشوبُه تهاون. شعر ليلى بذلك التحول في كل نظرة، في كل كلمة يلفُّها الصمت. وفي إحدى الليالي، قابلته سرًّا على الجسر الذي اتخذاه يوماً ملاذًا للذكريات. أمسكت بيديه بقوة، كأنها تحاول أن تمنعه عن المغادرة إلى حرب لا عودة منها: — "لا تذهب، أرجوك. إن ذهبت، لن أستطيع ملامستك بعد ذلك." نظر إليها، ولمس خدها بلطفٍ لم يعُد يكفي لردع عاصفة العقل عنه. همس: — "لو لم أفعل... فسأموت ببطء يا ليلى. الانتقام ليس رغبة... إنه واجب الآن." عادت الكلمات بينهما كأنها سيفان: هي تشجب، وهو يتشبث. في قلب ليلى نشبت معركة أخرى: حبها القديم لأجل هذا الرجل، وخوفها من أن يصبح هذا الحب مُجرماً في ذاته. حاولت أن تُظهر له طرقًا أخرى: العدالة، القانون، الهدنة. لكن المدينة كانت الآن في دوامة، والصوت الأعلى هو صوت من يطالب بردٍّ فوري. انتهى الفصل بصمتٍ مُطبق. عمر يمشي في الشوارع ليلاً، يراقب، يتعلم أسماء الذين يقفون خلف خصمه، يخطّط. ليلى تجلس وحدها، تلملم بقايا حُب يُصارع الظلام، وتُردد بكلماتٍ خافتة: — "لا تقتل ما بيننا... لا تدع الدم يأخذنا." كانت الشرارة قد ولعت — ليست بين منزلين فقط، بل في قلب رجلٍ أحب وأُرغم على أن يختار بين الحب والانتقام. وعلت في الأفق همسات أن الحرب الآن ستأخذ شكلاً شخصيًا، وأن لا شيء سيبقى كما كان.