الفصل 2
---
🔥 الفصل الثاني: لهب الرمال
كانت الرياح تلفظ أنفاسها الأخيرة على أطراف صحراء كاران.
من بعيد، بدت السماء كمرآةٍ من نارٍ تنزف ضوءًا أحمرَ داكنًا، كأنها تنذر بولادة شيءٍ مروّع.
هبطت ليانا فوق كثبانٍ ذهبية متوهجة، جناحاها يلتقطان شراراتٍ من وهج الشمس.
أمامها تمتد مملكة النار — أرضٌ تبتلع الخطى وتختبر القلوب.
في قلبها، يرقد ختم اللهب الأبدي، الأول من الأختام الأربعة التي يمكن أن تعيد التوازن… وتنقذ كايان.
تقدمت بخطواتٍ حذرة، وكل حبة رمل بدت وكأنها عينٌ تراقبها.
ثم جاءها الصوت، أجشّ كصوت الحديد حين يُكسر:
> "لقد تأخرتِ يا وريثة الرياح."
التفتت بسرعة.
من وسط العاصفة الرملية، خرج رجل ضخم يرتدي درعًا مغطى بخطوطٍ من الدم الجاف، في عينيه ومضة جوعٍ وحرب.
> "أنا ماركوس الدموي... أول حراس الظلام الستة. نيرفال يرسل سلامه."
أمسكت ليانا الريشة السوداء التي تحمل أثر كايان، وقالت بحزم:
> "بل أرسل لعنته، وأنت أول من سأنهيه."
ضحك ماركوس بصوتٍ كالرعد، ولوّح بسيفٍ من نارٍ سائلة، فاشتعلت الرمال من حولهما.
لكن قبل أن تهاجم، ارتفع صوت أنثوي رقيق كالموسيقى، وقالت:
> "اهدأ يا ماركوس، إنها ليست للقتل بعد."
ظهرت فاليرا الساحرة، شعرها الفضي يلمع بين ألسنة اللهب، وعيناها تبرقان بسحرٍ غامض.
إلى جانبها، وقف ثورين العاصف، المحارب الأشقر الذي يحمل مطرقة يشتعل طرفها بشراراتٍ زرقاء.
خلفهم تمايلت سيلينا الغادرة بابتسامةٍ مسمومة، وعلى بعد خطواتٍ كان كورنوس العملاق كجدارٍ من الحديد، أما إليكس الساكن فكان واقفًا بصمت، عينيه بلا حياة، كتمثالٍ يتنفس الظلام.
اصطفّوا جميعًا حولها.
ستة وجوه... ستّ قوىٍ من الجحيم.
شعرت ليانا للحظة أن الهواء نفسه يُسحب من صدرها.
> فاليرا: "نيرفال لا يريد قتلك، بل يريدك أن ترَي. أن تفهمي أن النور والظلال وجهان لقلبٍ واحد... قلبك أنت."
> ليانا: "كفى أكاذيب. لن أكون أداة في يده، ولن أسمح له بأن يلوث كايان!"
وقبل أن ترد الساحرة، اخترق صوت حادّ السماء، كأنه صفير نيزكٍ يهبط من السحاب.
ضربت الأرض رمحًا من لهبٍ نقيّ، ومن بين ألسنته خرج رجل يرتدي درعًا من الصخر المتوهج، عيناه تشتعلان كالجمرة.
> "من يقترب من وريثة الرياح... يحترق."
كان هذا تالون، محارب النار — حارس معبد اللهب القديم.
اندلعت المعركة كأنها وُلدت من فوهة بركان:
ماركوس يهاجم بسيفٍ من نارٍ سوداء، وثورين يضرب مطرقته فتنفجر الرمال في دواماتٍ مشتعلة.
لكن تالون صدّ الضربات وهو يصرخ:
> "اهربي يا ليانا! الأختام لا تمنح إلا لمن يبقى حيًا!"
رفضت الهرب.
استدعت الرياح — لكن هذه المرة امتزجت بالنار التي تحيط بها، فتحوّلت إلى إعصارٍ ذهبي أحمر يلفّ الأفق.
الهواء احترق… والسماء صرخت.
صرخت ليانا بكلمةٍ لم تعرف أنها تعرفها:
> “آراث نيرفال!”
تجمد كل شيء للحظة — حتى اللهب توقف عن الحركة.
نظرت فاليرا بدهشة:
> "تلك… لغة الأجنحة القديمة! كيف تعرفينها؟!"
لكن ليانا لم تجب.
سقطت على الأرض منهكة، والريشة السوداء بين يديها تومض بضوءٍ داكنٍ وغامض.
في تلك اللحظة، انشقّ الأفق وظهر أورين قائد مملكة الرياح يمتطي مخلوقًا مجنحًا من العاصفة، ترافقه ليورا ساحرة النور.
خلفهما رأى الجميع خيالات أخرى تقترب — ميرين حارسة الماء وكورفين محارب الأرض وزالا المتنبئة.
صرخ أورين:
> "انسحبوا! لقد استدعينا حلف الممالك!"
اختفى حماة الظلام واحدًا تلو الآخر داخل دواماتٍ من نارٍ وسراب.
آخر من رحل كانت فاليرا، التي همست وهي تبتسم:
> "النور بداخلكِ أجمل مما تظنين... لكنه سيقتلكِ."
حين هدأ كل شيء، ساعد تالون ليانا على النهوض.
> "إن كنتِ تبحثين عن ختم اللهب، فهو في قلب الجبل المقدس. لكن هناك ثمن، يا وريثة الرياح… النار لا تمنح قوتها إلا لمن يحترق أولًا."
رفعت ليانا نظرها إلى الجبل المتوهج في الأفق، وشعرت لأول مرة أن الرحلة نحو إنقاذ كايان لن تكون فقط عبر العوالم… بل داخل نفسها أيضًا.
---