الفصل الثالث « الممر الآمن»
قبل دقائق من بدء العملية، كان ديفيد يختبئ في عربة الصيانة المتوقفة خلف مركز الشرطة. العرق يسيل على عنقه، والقلق ينهش صدره كلما نظر إلى البوابة الحديدية. لم يكن معتادًا على هذا النوع من المخاطرات، لكنه لم يعد يملك ترف التراجع.
اليوم، عليه أن يفتح الطريق لجيمي، مهما كان الثمن.
تسلّل متنكرًا بزيّ عامل كهرباء، يحمل صندوق أدواتٍ صدئًا لا يثير الشبهات. مرّ من البوابة بثقةٍ مصطنعة، وحين سأله الحارس:
— إلى أين؟
أجابه ببرودٍ متعمّد:
— غرفة التمديدات، جاني بلاغٌ بخللٍ في الدائرة الثالثة.
لم يشكّ أحد.
دخل بخطواتٍ ثابتة حتى وصل إلى الرواق الجانبي، ثم انعطف نحو غرفةٍ صغيرة بجوار المستودع. هناك خلع سترته، وأخرج من جيبه جهازَ تشويشٍ بسيطًا، وثبّته قرب كاميرا المراقبة.
الآن أصبح الممر «أعمى» لبضع دقائق.
وفجأة، سمع حركةً خفيفةً وراءه. التفت بسرعةٍ ليرى أحد موظفي المركز يسحب عربةً صغيرةً بالقرب من المخزن. لم يلاحظه، لكن قلب ديفيد ارتجف. انتظر حتى يبتعد، ثم أخذ نفسًا عميقًا ليهدأ.
بعد لحظات، لاحظ ضوءَ فلاشٍ خفيفًا من كاميرا المراقبة الأخرى في الممر المقابل. ابتسم داخليًا، فالفلاش أظهر أنها تعمل بنظامٍ مؤقتٍ للتصوير، ما يعني أن الممر الذي سيعبره جيمي سيكون آمنًا لبضع ثوانٍ إضافية.
جلس ديفيد على الأرض، ظهره إلى الجدار، يراقب الضوء الأحمر الذي بدأ يومض على جهاز التشويش. كان يعرف أن انكشافه يعني السجن أو الموت، لكنه تمسّك بفكرةٍ واحدة: أن يساعد جيمي على الوصول إلى الحقيقة التي دفنها هؤلاء خلف أبواب المستندات.
...............................
كان جيمي ينتظر إشارةً ليتمكّن من الدخول، ضغط على سماعته وقال:
— متى يمكنني الدخول؟ بدأت أفقد أعصابي.
جاء صوت ديفيد هامسًا:
— ثوانٍ فقط، أتأكد أن الممر خالٍ.
بعد لحظات، تلقّى جيمي الإذن.
تحرّك بخطواتٍ محسوبة نحو الرواق المظلم، يتبع تعليمات ديفيد عبر السماعة بدقّة.
ثم سُمع صوتُ حذاءٍ يضرب الأرض. توقّف فورًا.
ومن نهاية الممر، ظهر شرطيٌّ يلوّح بمصباحه، ليتجمّد الضوء على جيمي وهو يتسلّل إلى غرفة المستندات.
صرخ الشرطي بحدّة:
— توقّف! من هناك؟!
لم يتردد جيمي.
أخرج مسدسه المزوّد بكاتمٍ، وأطلق رصاصةً واحدةً أصابت ساقه. سقط يصرخ، فاندفع نحوه بسرعةٍ مذهلة، أغلق فمه بيده، وسحب السكين من كمّه، واضعًا نصله على عنقه.
— حركةٌ واحدة... ولن تتنفّس بعدها أبدًا.
لكن قبل أن يُكمل تهديده، ظهر شرطيّان آخران من الجهة المقابلة، سلاحاهما مصوّبان نحوه.
— ألقِ سلاحك فورًا!
العَرق تجمّع على جبينه، وقلبه يقرع صدره كطبلةِ حرب.
رفع السكين قليلًا، نظر في عيونهم ببرودٍ قاتل:
— خطوةٌ واحدة... وسأفتح حنجرته.
لم يجد مفرًّا سوى التراجع، يتجرّع مرارة الفشل لأول مرة. غلَت في صدره الخيبة، لكن يده لم تطاوعه على القتل... لم يكن يريد أن يسقط أحدٌ بلا معنى.
تحرّك بخطواتٍ محسوبة، والخنجر لا يزال ملاصقًا لعنق الرهينة، وجسده مشدود كوتر قوس .
تراجع ببطءٍ حتى بلغ نهاية الرواق، وما إن حاول الابتعاد، حتى أدرك الشرطيان أنه يفرّ.
انطلقا خلفه بكل قوتهما، لكن جيمي كان أسرع؛ اختفى عن أنظارهما خلال ثوانٍ، مستفيدًا من قربه من المخرج.
اندفع بكل ما تبقّى في جسده من طاقة، يركض في الممرات الضيقة عائدًا من حيث دخل، والأنفاس اللاهثة تملأ أذنيه.
لكن الحظ انقلب عليه فجأة؛ مجموعة من رجال الشرطة ظهروا أمامه، يحاصرونه من الجهة المقابلة.
توقّف لحظة، عيناه تبحثان عن أي منفذ. لمح بابًا في نهاية الرواق.
لم يعرف إن كان مفتوحًا، لكن التردّد لم يكن خيارًا.
قفز قفزتين طويلتين، أوصلتاه أمام الباب في لحظة.
دوّى صوت الرصاص. ثلاث رصاصات غير قاتلة اخترقت جسده — اثنتان في فخذه وقدمه، وثالثة في يده.
تراجع خطوة، يتنفس بصعوبة، الدم يسيل من ذراعه، لكن عينيه ظلّتا تحدّقان في الباب…
صرخةٌ مكتومةٌ انطلقت من صدره، لكنّه لم يستسلم.
اندفع نحو الباب بكلّ ما تبقّى فيه من قوّة، واصطدم به بكتفه الأيمن... فانفتح.
دلف إلى رواقٍ طويلٍ خاوٍ، تتردّد في جدرانه أنفاسُه اللاهثة.
وفي آخره لمح نافذةً صغيرةً تُطلّ على الخارج، فارتسمت على وجهه ابتسامةٌ عريضة — كأنّ قلبه غنّى للمرة الأولى منذ زمنٍ بعيد.
شعر بخفّةٍ مفاجئةٍ في صدره، وانطلق بكلّ ما يملك من طاقة، جارًّا قدمَه المصابة معه، لكنّ السرعة خانته.
وصل رجالُ الشرطة قبل أن يبلغ النافذة.
انطلقت الرصاصات، لتستقرّ في ظهره وفخذه الخلفي.
اهتزّ جسده الضخم للحظة، ثمّ سقط أرضًا بصمتٍ مهيب.
تنفّسو الصعداء بعد سقوط مصدر خوفهم...
لكن فجأة — في لحظةٍ خاطفة — تغيّر كلّ شيء.
كأنّ الزمن انكمش على نفسه وقرّر قلب الطاولة.
ومن خلال النافذة اندفع جسمٌ غامضٌ، محطّمًا الزجاج بضربةٍ واحدة.
قال شرطيٌّ بتوتّرٍ وهو يحدّق في الجسم الغريب:
ــ ما... هذا؟! هل هي صخرة؟
ردّ آخر بصوتٍ ارتجّت له رؤوسُ الشرطة من شدّة الرعب:
ــ إنّهااا... قنبلة!!
في لحظةٍ واحدة، ارتمى الجميع أرضًا، يتوقّعون الانفجار، فيما اقتحم دخانٌ أبيضُ كثيف المكان، فغطّى الأنظار وأغلق الصدور.
صمتٌ ثقيل... لا دويّ، لا نار.
... لم يحدث شيء؟!
لم تنفجر أيُّ قنبلة؟!
في تلك اللحظة، كان جيمي ينتظر أن يطلَّ عليه ملكُ الموت، لكنّ الذي ظهر لم يكن سوى مايك، متخفّيًا خلف قناعٍ أسود، يحمل حبلًا غليظًا في يديه.
اندفع نحوه بسرعةٍ، أمسك به وربطه بإحكامٍ على ظهره، ثمّ قفز به من النافذة المُهشَّمة.
في الأسفل، كان رجالُ الشرطة ممدّدين أرضًا، مغشيًّا عليهم بفعل الدخان الكثيف الذي اخترق صدورهم.
ذلك لم يكن دخانًا عاديًّا... بل غازًا منوِّمًا، صنعه مايك على هيئة قنبلةٍ لخداعهم.
وقد فعلها ببراعةٍ مدهشة.
وصل مايك إلى الشاحنة يتصبّب عرقًا،
ألقى جيمي في الخلف برفق، كأنّه يضع طفلًا يحتضر. أنفاسه متقطّعة، وملامحه شاحبة.
همس مايك بنبرة متألمة:
_ أعلم أنّك لم ترد قتلهم يا صديقي، ولو أردت ذلك، لما سَلِم أحدٌ من فوّهة مسدّسك.
وأضاف بابتسامة خافتة:
_ لقد نجحت... نجحتَ المهمّة. صديقُنا ديفيد تمكّن من أخذ المستندات بينما كنت تُلهي الشرطة... لقد نجحتَ بالفعل، أيها البطل.
فجأة، أدرك أنّ جيمي لم يكن يتنفّس.
كانت عيناه مفتوحتين، لكنهما لم تعودا تُبصران شيئًا.
صرخ بألم نحو السائق:
_ أسرع! إنّه يموت!
حاول إنقاذه بالتنفّس الاصطناعي، ضاغطًا على صدره،
لكنّ الحياة كانت تنسحب منه بالفعل.
لا جدوى...
النزيف لم يترك له فرصة، كأن الموت سبقه بخطوة... لم يستطع إيقافه.
انحنى مايك نحو قلبه، وضع أذنه على صدره.
كان حلمه في تلك اللحظة أن يسمع دقّة قلب واحدة...
لكن كل ما سمعه ... هو بكاؤه... وصمت قلبٍ لم يعد ينبض.
همس وهو يضغط يده على قلب صديقه الميت:
_ سامحني... لم تتمكن من الانتقام لوالديك، ولم تُنهِ الطريق الذي بدأته، لكن دمك لن يضيع هباءً. سأكمل ما بدأته... وسأجعل موتك بداية، لا نهاية.