الخطيئة - الفصل التاني « خطيئة الدم» - بقلم سالم حجاز | روايتك

اسم الرواية: الخطيئة
المؤلف / الكاتب: سالم حجاز
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل التاني « خطيئة الدم»

الفصل التاني « خطيئة الدم»

في زقاقٍ ضيّقٍ تنبعث منه رائحةُ العَطَب والرطوبة، كانت الحانة تقف وحيدة، تتكئ على جدارٍ مهترئٍ كعجوزٍ أنهكه التعب. لا موسيقى، لا صخب، لا أجساد تتمايل لتُرضي شهوات العابرين... فقط صمتٌ ثقيل، يقطعه بين الفينة والأخرى صوتُ أنفاسٍ متعبة، أو همسُ كؤوسٍ خشنةٍ على الطاولات. داخلها، لم يكن هناك سوى رجلين يجلسان عند طاولةٍ وسط المكان. أربعُ طاولاتٍ فقط، خشبُها قديمٌ لكنه متين، يحافظ على بقايا هيبةٍ كلاسيكيةٍ وسط الركام. المكان برمّتِه يشبه صورةً باهتةً من زمنٍ مضى. صاحبُ الحانة رجلٌ في أواخر الستين، ملامحه ذابلة، بشرته شاحبة، ظهره محنيٌّ كمن يحمل على كتفيه سنواتٍ من المرض والتعب. دخانُ سجائره لا يُفارقه، وسُعاله يملأ الفراغ... إلى جانبه تجلس طفلته الصغيرة، ذات الثانية عشرة، تحتضن دميةً باليةً بالكاد تُعرف؛ دبٌّ قُتِلَ لونه من كثرة العناق والغسيل. كانت نحيلةً، بعيونٍ صغيرةٍ سوداء كحبّات الزيتون، وشَعرٍ طويلٍ أسود ينسدل على كتفيها. فستانُها الأحمر الباهت يشبه لونَ دميتها، يتوسّطه وردةٌ صغيرةٌ تلاشت ألوانها، لكنها كانت تُمسك بثوبها وتتباهى به مثل فستانِ أميرات القصص. لم تكن تهتمُّ بفقره أو قِدمه... يكفيها أنه يمنحها إحساسا بالبهجة. تسلّلت إلى الجو كآبةٌ مفاجئة، كما لو أنَّ الهواء لم يُعجبه جوُّ الحانة فابتعد عنها. فقط هدوءٌ قاتل. تقدَّم أحدُ الرجلين الجالسين نحو منطقة الشراء، كانت خطواته بطيئةً متوترة، وعيناه لا تُغادران وجه صاحب الحانة. في لحظةٍ واحدةٍ سريعة، انطلقت رصاصةٌ من مسدَّسه، استقرَّت في رأسه ، مُلطِّخةً بدمه لعبةَ ابنته، وكذلك وجهها الطفولي. •••••••••••••••••••••• في مساء الحادث نفسه ، وعلى بعد عدة شوارع، جلس مايك على أريكته ينتظر أخبارَ السادسة. وفجأة، سمع صراخًا حادًّا قادمًا من المطبخ، فاندفع راكضًا نحو مصدر الصوت. وإذ بزوجته تقف مذعورةً، زائغةَ العينين. قال بصوتٍ متجهّمٍ قَلِق: — ما بكِ؟ ماذا يجري؟ — إنّه فـ... فأر. — فأر؟ كلُّ هذا الصراخ من أجل فأر؟! ظننتُ أن مصيبةً وقعت! استدار غاضبًا، وعاد إلى غرفته يجرّ خطواتِه الثقيلة، والغضبُ يعتري ملامحه. وقف أمام الأريكة دون أن يجلس، بعد أن لفت انتباهَه خبرٌ على الشاشة: > نبدأ نشرةَ اليوم بخبرٍ مأساويٍّ هزّ أركانَ المدينة: عُثر صباحَ هذا اليوم على جثّتَين داخل حانة «كاسالوت» الواقعةِ بشارع فيكتور الثاني، تعودان لرجلٍ في الستين من عمره وابنته البالغةِ من العمر اثنتي عشرة سنة. الحانة كانت مملوكةً للضحية نفسه، وقد أغلقت الشرطةُ المكانَ فورَ وصولها، وبدأت التحقيقات وسط حالةٍ من الذهول بين السكان. وبحسب التقرير الأوّلي للطبّ الشرعي، فإن الرجلَ فارق الحياةَ متأثرًا برصاصةٍ واحدةٍ أُطلقت نحوه بدقّةٍ قاتلة، بينما تبيّن أنّ الطفلةَ تعرّضت لاعتداءٍ وحشيٍّ، دون وجودِ أيّ أثرٍ لطلقٍ ناريٍّ أو جروحٍ طَعنيّةٍ على جسدها. التحقيقاتُ لا تزال متواصلة، فيما لم تُصدر الجهاتُ الأمنية أيَّ بيانٍ رسميٍّ حول هويةِ الجاني أو الدافعِ وراء هذه الجريمة التي وصفتها الشرطةُ بـ«الصدمة المروّعة». وقف مايك أمام التلفاز، لم يستوعب ما يجري، وعقد شفتيه قائلاً: _ عمي مايكل!! الحانة القريبة منا؟! كيف يمكن أن يحدث هذا؟! •••••••••••••••••••••• لم يشعر بكيفية ارتداء ثيابه، وانطلق مهرولًا نحو الحانة. تقدّم بخطوات سريعة بين الناس، يدفع بعضهم بلا تفكير. وفجأة، صرخ صوت من بعيد يمنعه من الاقتراب. رفع رأسه، فإذا بحارس أمن واقف، عيناه تترقب كل من يتجاوز الحد المسموح. — عليّ المرور وفحص الأدلة... الشرطة اللعينة أغبياء، لن يكتشفوا شيئًا... اللعنة عليهم! تراجع بتردد، أخرج هاتفه من جيبه، وعيناه تُحدّقان في الشاشة، ثم ضغط على اسم «ليوناردو»... لكن إصبعه توقّف قبل أن يتصل. _ لا... ليس وقته... ما زال محطّمًا بسبب وفاة والدته. أغلق الاتصال، وطلب رقمًا آخر، وضع الهاتف على أذنه دون تفكير. رنّات قليلة، ثم جاء الصوت: _ ألو؟ _ هل سمعت الخبر؟ جيمي. _ نعم... سمعت. صمت مايك للحظة، ثم أكمل بغضب: _ إذًا أنت تعرف ما عليك فعله يا صديقي. اذهب إلى المقر، سأرسل لك تفاصيل المهمة. أغلق الخط، وأبقى الهاتف في يده، يُحدّق في الشاشة كمن أنهى للتوّ خطوةً لا رجعة فيها.