الخطيئة - الفصل الأول «الوداع» - بقلم سالم حجاز | روايتك

اسم الرواية: الخطيئة
المؤلف / الكاتب: سالم حجاز
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الأول «الوداع»

الفصل الأول «الوداع»

تسللت خيوط الشمس، تعكس ضوءها على وجه شابٍ يقف صامتًا أمام جثة والدته، قلبه مثقل، وعقله يعيد مشهد اللحظة الأخيرة، مقتنعًا في أعماقه أنه هو من أزهق روحها بيديه. يبدو لمن يراه من بعيد في الثلاثين من عمره، لكن ملامحه الشاحبة وعيونه الغائرة تُخفي حقيقة أنه أصغر من ذلك بكثير. انحنى برأسه نحوها، ينظر إليها بعينين حادتين، لا غضب فيهما هذه المرة، بل ربما ندم. الأزهار تحيط بها، تبعث بألوانها في القاعة، وذراعاها على صدرها كما لو كانت نائمة. أمسك ليوناردو يديها الباردتين، قبّلهما، وأعادهما برفق إلى مكانهما، والحضور من حوله منشغلون بأحاديثهم وضحكاتهم المكتومة. وبين الوجوه الكثيرة التي ملأت القاعة، كانت هناك نظرةٌ واحدة فقط يشعر بصدقها، نظرة ليانا التي اعتبرها أقرب شخص إلى قلبه بعد موت والدته. اقتربت بخطى هادئة، ومدّت يدها لتلمس كتفه: — أنا آسفة جدًا يا ليوناردو… على فقدان والدتك. وضع يده فوق يدها وهمس: — شكرًا لكِ، ليانا… وجودك بجانبي يخفف عني أكثر مما تظنين. بعد وقتٍ قصير، تحركت الأبواب الخلفية، ودخل رجل طويل، قويّ البنية، عريض المنكبين، حادّ الملامح، يرتدي سترةً سوداء أنيقة ونظاراتٍ داكنة تخفي معظم وجهه. لم يكن ليوناردو بحاجة إلى رؤيته بالكامل ليعرف من هو… مايك. اقترب دون أن ينطق بكلمة، ووقف إلى جانبه، وكأنه ينتظر بصبر انتهاء تلك اللحظة الرومانسية الخفيفة بينه وبين ليانا. شعر ليوناردو بوجوده فالتفت: — مايك… لم أتوقع أن أراك هنا. — أردت أن أكون هنا معك اليوم… أعتقد أن هذا واجبي. ابتلع غصّة وقال: — شكرًا لك… وجودك يعني لي الكثير. •••••••••••••••••••••• بعد قليل من الأحاديث المتبادلة، رفع مايك نظره إلى ساعته وقال: — يجب عليّ الرحيل الآن، اعتنيا بأنفسكما. لحظة صمتٍ قصيرة، قال ليوناردو بصوتٍ خافت: — بهذه السرعة؟ ابتسم اعتذارًا وهو يلتقط معطفه: — لديّ بعض الأمور العالقة، لا بد أن أنهيها قبل المساء. أومأ ليوناردو، محاولًا إخفاء خيبة صوته: — لا بأس… شكرًا لأنك جئت. ربت مايك على كتفه بلطفٍ قبل أن يهمّ بالرحيل، تاركًا خلفه صمتًا أثقل من أي حديث. تطلّعت ليانا إليه باستغراب، ليس لأنه غادر بهذه السرعة، بل لأنه لم يُعزِّه في والدته. قالت في سرّها وهي تحاول إخفاء دهشتها: «أكانت تلك وقاحةً منه؟ أم أنه نسي ببساطة؟» لم يلبث ليوناردو طويلًا هو الآخر؛ استأذن ليانا بكلماتٍ مقتضبة، وغادر القاعة دون أن ينتظر لحظة الدفن. توجّه نحو سيارته بخطواتٍ سريعة، كأنه يهرب من شيءٍ أثقل من أن يُواجَه. وما إن قطع أولى كيلومترات الطريق حتى رنّ هاتفه. كان اسم "مايك" يضيء الشاشة. ردّ عبر جهاز الصوت في السيارة: — هناك حالة تستدعي التدخل، توجّه نحو المقر فورًا. — فهمت. على الفور، غيّر اتجاهه نحو مكان عمله. وبينما كان يقود، لمح فتاةً صغيرة تبيع الخبز على جانب الطريق. تلوّح له بيديها، فخفّف السرعة وتوقّف عند  طاولتها الخشبية الموضوعة فوق صخرةٍ كبيرة. ركضت نحوه بفرحٍ غامر، والابتسامة تضيء وجهها. كانت عيناها الكبيرتان تصطبغان بلونٍ أزرقَ فاتح، بينما بدا شعرها الأشقر المجعَّد متعبًا بالتقصّف. أمّا جسمها النحيل ولون بشرتها المصفرّ، فيخفيان جمالًا لم يخبُ تمامًا، بل فقط شُوّه ببعض المعاناة. — عمي، هل تريد شراء الخبز؟ ابتسم ليوناردو وردّ بلطف: — نعم، بالطبع. لكن بشرطٍ واحد… أن تخبريني باسمكِ، أيتها الصغيرة الجميلة. تبسمت الطفلة وقالت: — اسمي هانا. — يااه، اسمٌ ظريف… يا هانا، مثلكِ تمامًا. نظرت إليه ثم مدّت يديها الصغيرتين، وهي تحمل رغيف خبزٍ بدا بوضوحٍ أنه صُنع في المنزل. لم يكن مثاليًا… كان محترقًا قليلًا، متجعّد الأطراف، وشكله غير دائري، لكن رغم ذلك حمل دفء البيت وشيئًا من الحبّ والتعب. سألها وهو ينظر إلى الرغيف: — من صنع هذا الخبز يا عزيزتي؟ قالت بصوتٍ طفوليٍّ رقيق: — أمي، يا عمي. ابتسم برقةٍ وقال مجاملًا، وهو يعلم جيدًا أن جمال الخبز ليس في شكله بل في مَن صنعه: — يبدو لذيذا أخرج من محفظته نقودًا كانت أكبر بكثير من سعر الرغيف… مبلغٌ يمكنه شراء مئات الأرغفة، لكنه لم ينظر إليه كـ«ثمن»، بل كشيءٍ بسيطٍ يُقال به: أنا أراكِ. ثم مدّ يده إلى درج سيارته، وأخرج منه عددًا من قطع الحلوى التي يحتفظ بها لأوقات انخفاض السكر في جسده، وقدّمها لها. اتّسعت عيناها من الفرح، وقالت وهي تبتسم: — شكرًا لك، عمي الطيب. ركب سيارته من جديد، وأكمل طريقه نحو موقع عمله… لكن قلبه بقي هناك. كان مُرهقًا، مثقَلًا برحيل أمه، لكن شيئًا ما في تلك اللحظة خفّف عنه. ربما كانت تلك الطفلة تذكّره أنّ العالم ما زال فيه بقايا من دفء الأمومة… حتى في رغيفٍ محروق.