الفصل 40
** 𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶**
آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯهہ
الليل يهبط على باريس ببطءٍ يشبه الزحف.
المدينة التي تلمع نهارًا صارت الآن ساكنة، إلا من صوت المطر الذي يضرب الزجاج كأنه يوقظه من أفكاره.
يجلس على الأريكة الرمادية، أمامه المدفأة تشتعل بهدوءٍ، تنعكس ألسنتها على عينيه فتبدو كنيرانٍ صغيرةٍ تسكن أعماقه.
في يده كأسٌ من القهوة السوداء، لم يلمسها بعد.
نظره شارد، كأنه يرى شيئًا لا وجود له أمامه.
> “كره؟ لا... مو كره، هذا شي ثاني.
يمكن شفقة؟ أو يمكن لعنة؟
وش سوت فيني ذي البنت... ليه كل مرة أغمض عيوني تطلع ملامحها قدامي؟”
تنفس بعمقٍ، ثم نهض.
تقدّم نحو النافذة الكبيرة المطلة على المدينة، ووقف هناك طويلًا.
لم تكن باريس جميلة تلك الليلة، بل كانت تختنق تحت المطر، مثل صدره تمامًا.
> “أخوها قتل أخوي وحيد ... دمي ودمه اختلطوا بالتراب، وأنا... وأنا كل يوم أعيش وكأني أنا اللي أنقتل.”
رفع يده ومسح وجهه بعنف، وكأنه يريد أن يمسح التعب عن ملامحه.
ثم همس بصوتٍ منخفض:
> “هي السبب... السبب بكل شي. وجودها لعنة.
كل ما أتذكر عيونها وقت ما خفت... أحس قلبي يطيح.”
جلس على حافة الكرسي، أسند رأسه على كفّه، وصوت المدفأة يملأ الصمت حوله.
الهواء مشبعٌ برائحة القهوة والدخان والذكريات.
> “يا رب وش فيني؟
ليه صرت أحس فيها؟ ليه الشفقة تمزج بالكُره؟
أنا ما كنت كذا... أنا ما كنت أضعف لهالدرجة.”
اقترب أكثر من النار، وكأن الدفء يذكّره بشيءٍ مفقود.
وجهها. دموعها. الخوف في عينيها.
كلها تتسلل لعقله رغمًا عنه.
تضايق من نفسه، نهض بسرعة، رمى الكأس على الجدار، وتناثر الزجاج في أرجاء الغرفة.
> “كفاية! ما أبي أفكر فيها... ما أبي!”
لكن الصوت الذي خرج منه لم يكن غاضبًا كما ظنّ... كان مكسورًا.
كأنه رجلٌ فقد السيطرة على قلبه، لا على غيره.
عاد للجلوس، وضع يده على رأسه، وصمت طويلًا.
في النهاية، همس بصوتٍ مبحوحٍ بالكاد يُسمع:
> “هي مو ضحية... ولا أنا جلاد.
يمكن إحنا الاثنين ضايعين بنفس النار.”
العدسة تبتعد ببطءٍ من وجهه، تمر على الغرفة الغارقة بالظلال والضوء الخافت...
وصوت المطر لا يزال يسقط على النوافذ، كأنه يهمس له أن لا جدوى من الهرب.
.
.
.
.
.
.
في صباحٍ دافئٍ على غير العادة، استيقظت من ذلك السرير البارد...
ورغم كل ما عانته، شعرت لأول مرة بدفءٍ حقيقي يسري في عروقها، دفء يشبه بزوغ النور بعد ليلٍ طويل.
نهضت بتؤدةٍ، توضأت، وسجدت طويلًا للذي خلقها... تبكي شكرًا ونجاة، تبكي وجعها ودعاءها معًا.
كانت دموعها تتساقط بصمتٍ رقيقٍ على السجادة، كأنها تطهّر روحها من ثِقل الأمس.
وقفت بعد ذلك، غسلت وجهها، وتأملت ملامحها في المرآة.
كانت ذات بشرةٍ بيضاء نقية كالثلج، وعيونٍ زرقاء تشبه زرقة السماء حين يبتسم الصباح، وشعرٍ أسود طويلٍ ينسدل على كتفيها كليلٍ ساكنٍ فوق بحرٍ من نور.
تلك الملامح التي لطالما كانت يومًا تشبه ملامح والدها بدت الآن أكثر ضعفا وتعبا.
ارتدت فستانًا أبيض بسيطًا، وخرجت بخطواتٍ خفيفة نحو الحديقة.
نسيم الصباح داعب خصلات شعرها، والشمس ألقت خيوطها الذهبية على الأرض المبتلة بندى الفجر.
هناك، كانت ليلي وطاقم الخدم منشغلين بتزيين الحديقة بألوان الربيع.
الشرائط تتراقص مع الهواء، والزهور تتفتح في كل زاوية، وعصافير صغيرة تغني لحياةٍ جديدة بدأت للتو.
وقفت غرام عند أول الدرجات المؤدية إلى الحديقة، تحدّق بالمشهد بعينين مبهورتين، وابتسامةٍ خفيفة ترتسم على وجهها.
للمرة الأولى منذ زمن، شعرت أن قلبها يتنفس.
> "مو مصدقة كمية الراحة بدون وجوده .." همست،
ثم أغمضت عينيها، تتنفس الهواء النقي وكأنها تبتلع الضوء دفعةً واحدة.
العدسة ترتفع نحو السماء الصافية، تعانق الأفق ثم تعود إليها، وهي تمشي بخفةٍ بين الزهور، شعرها الأسود يرقص مع النسيم، وفستانها الأبيض يلمع تحت الشمس.